ضمن نشاطات مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام) المستمرة؛ نظم المركز يوم أمس الخميس 3/2/2022م، ندوة عن الأوضاع التي يشهدها العراق ومستقبله، تحت عنوان (في ظل الأزمات السياسية المستمرة.. العراق إلى أين؟)، وحضر الندوة التي أقيمت في قاعة المركز في مدينة إسطنبول سياسيون وباحثون وصحفيون من وسائل إعلام مختلفة.
وافتتح الدكتور سنان الشيخ الندوة، التي استضاف فيها المركز في محورها الأول الدكتور رافع الفلاحي الباحث السياسي والخبير في الشأن العراقي، والذي تناول موضوع الأزمات السياسية الحالية في العراق وصراعاتها وتداعياتها المستمرة منذ عام 2003.
بناء سياسي باطل
وذكر الفلاحي في مقدمة حديثه بأن الأزمات السياسية كافة التي يشهدها العراق منشأها العملية السياسية التي بنيت على أسس باطلة، وبشكل خاطئ ومقصود لكي يصل العراق إلى هذه الحالة السيئة.
وأضاف الفلاحي قائلا: “إن جميع الذين قادوا قطار العملية السياسية بدءا من مجلس الحكم إلى الجعفري، ثم المالكي، ثم العبادي، ثم عبد المهدي، ثم الكاظمي؛ هم مجرد أدوات يقودون هذا القطار في محطات صممت من قبل الأمريكان، ودعمتها إيران بشكل قوي”.
وأوضح الفلاحي أن أزمة العراق قد وصلت إلى حالة مستعصية وطريق مسدود، وقد عبر الشعب أكثر من مرة عن رفضه للعملية السياسية، وآخرها كانت ثورة تشرين التي انطلقت عام 2019م؛ حيث أن شعاراتها كانت واضحة في المطالبة بإنهاء العملية السياسية، وتابع قائلًا: “العملية السياسية بنيت من الأساس على المحاصصات الطائفية والعرقية وعلى مناكفات ومشاكسات وصراعات لزيادة المساحات، وما يحصل اليوم من صراع سياسي هو نتيجة حصول بعض الأطراف على أجزاء معينة ومناصب أكثر من الأخرى، كما أن الاختلاف الدائر بينهم يكمن في كيفية قيادة هذا القطار”.
مخرجات العملية السياسية
وأكد الفلاحي بأن حقيقة الوضع السياسي في العراق أدت للوصول إلى طريق مسدود، وحواجز يرى البعض أنها بحاجة لتدخل خارجي لإزالته؛ حيث إن جميع القوى المناهضة للاحتلال والقوى التي تملك فكرا وطنيا تجد أن القضية لا تتعلق بالداخل بقدر ما تتعلق بالخارج وأن الشعب سيكون قادرًا على إزالة هذا النظام ومهزلته السياسية.
وأضاف: ” منذ عام 2003م، ونحن نعيش أزمات متتالية، وتتنامى هذه الأزمات وتتشعب عقب كل عملية انتخابية حتى وصل الوضع العراقي إلى الحالة التي توقعتها جميع القوى المناهضة للاحتلال وفي مقدمتها هيئة علماء المسلمين في العراق، إذ أكدوا أن الصراع سيبقى مستمرًا في إطار العملية السياسية؛ لأنها صممت من أجل ديمومة صراع المكاسب والمغانم بعيدًا عن الشعب ومصالحه”.
وختم الفلاحي ورقته قائلًا: بأن قناعة الشعب العراقي أصبحت تزداد يوما بعد يوم بأن هذه العملية السياسية هي أساس خراب بلدهم وضياعه، وهم يحاولون أن ينقذوه، كما حصل في ثورة تشرين التي عبرت عن ذلك بشكل واضح جدا.
وتابع: إن الحكومات المتتالية لم تخدم الشعب، حيث تعيش المدن العراقية حياة عدمية مدمرة، لافتا إلى ارتفاع نسب البطالة التي تزيد عن 55%، والأمية التي وصلت إلى نحو 9 ملايين عراقي أمي، بالإضافة إلى معطيات أخرى كالفقر، وغيره.
العراق إلى أين؟
وعرض الدكتور مثنى حارث الضاري مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين ورقة المحور الثاني للندوة المتعلق بالإجابة عن سؤال: العراق إلى أين؟ وبيّن فيها وجهة نظر القوى السياسية المناهضة للاحتلال وعمليته السياسية بشأن الواقع السياسي الذي يشهده العراق، وقال في مقدمتها: “إن الكثيرين يرون بأن مصير العراق مجهول”، واصفًا الحال في العراق بأن “البلاد أصبحت أشبه بقطعة كرة الثلج المتدحرجة، التي تكبر يوما بعد يوم ولم تصل إلى قعرها حتى الآن”.
وزاد قائلًا: العراق يتجه إلى مصير معلوم بحسب ما ترى القوى المناهضة للاحتلال؛ فالكل يعلم بأن أوضاع البلاد كارثية وتتجه نحو الأسوأ.
وأوضح الضاري بأن (المعلومات) عن مصير العراق؛ هي: المعلوم السياسي والأزمات التي تشهدها البلاد، والمعلوم الأمني الخطير والمتفاقم منذ سنوات، وكذلك المعلوم الاقتصادي المنهار في العراق، والمعلوم الاجتماعي الذي يتمثل في الوضع المأساوي الذي وصل إليه المجتمع العراقي والأخطار الكثيرة التي تهدده، فضلًا عن المعلوم الثقافي الذي يشهد تراجعًا كبيرًا وانحسارًا لكل ما هو صالح في مقابل زيادة مطردة لعوامل الإفساد والتخريب الثقافي.
وضرب الدكتور الضاري مثلا على سوء الأوضاع الاجتماعية، مشيرًا إلى أن العراق قد احتل المرتبة الأولى في معدلات الجريمة المنظمة في البلاد العربية، والمرتبة الثامنة عالميا؟! وفق تقارير صدرت مؤخرا.
مشكلة النظام
وأشار الدكتور مثنى الضاري إلى أن مشكلة الواقع السياسي في العراق تكمن في انشغال الأطراف الداعمة له في كيفية إدامة هذا النظام القائم على استبدال اللاعبين أنفسهم داخل الفريق نفسه، الذي هيمن على الحكم منذ دخول الاحتلال الأمريكي الى العراق عام 2003م. وأكد على أن الاعتراض على هذا النظام ومخرجاته أصبح من المخاطر الكبيرة التي تعرض العراقيين للمخاطر، وقد يعاقب المواطن قبل أن ينطق بأي اعتراض أو انتقاد، وأشار إلى أن هذه هي النتائج المتوقعة من هكذا نظام يقوم على المحاصة الطائفية والعرقية والتوافق بين القوى السياسية الحاكمة والمهيمنة منذ غزو العراق واحتلاله.
وبين الضاري بأن التدخلات العربية والإقليمية في العملية السياسية الحالية في العراق، تتعامل مع من يدير هذا النظام السياسي وتعمل على دعمه من دون النظر إلى نسبة مقبوليته لدى الشعب أو المدى الحقيقي لمشاركة العراقيين في الانتخابات.
أهمية التعاون الوطني
وأكد الدكتور الضاري بأن العراق يتجه أيضًا إلى (المعلوم) وطنيا، من خلال تنامي الحس الوطني لدى الشعب، وهو أمر يشهد ازديادا وتناميًا، لافتا إلى أن هذا التنامي يحتاج إلى جهود وتعاون لتجاوز المشاكل والصعوبات التي تعترض طريقه.
ولفت الضاري إلى أهمية الصلات بين القوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية للتواصل فيما بينها، والعمل من أجل التفاهم على خطوات عامة لأنها قادرة على إيجاد الحلول المناسبة لازمات العراق، بشرط أن يتم التعامل معها كقوى ممثلة للشعب العراقي، وأن يسمع صوتها من الأطراف العربية والإقليمية والدولية.
ونبه الدكتور الضاري في ختام حديثه إلى أن الخطاب السياسي للقوى الوطنية هو الذي أوصل الوعي الشعبي إلى الحال الذي نشهده اليوم، كما أن شعارات ثورة تشرين تتطابق تماما مع شعارات القوى الوطنية، مؤكدا بأن هناك قوى وطنية كبيرة تناهض الاحتلال وعمليته السياسية، ومنها القوى الناشطة في الميثاق الوطني، وأن خطاب هذه القوى هو الخطاب نفسه، الذي يتحدث به الشعب العراقي حاليا، وكان من ثمراته المقاطعة الواسعة التي شهدتها الانتخابات الأخيرة؛ حيث أن المقاطعين لا يخرجون عن أحد أمرين، وهما: القناعة بتوجهات القوى الوطنية أو اليأس من الإصلاح السياسي، فينزعون إلى التغيير الشامل.

