خلال شهر فبراير/شباط 2003، تظاهر ملايين الأشخاص حول العالم ضد غزو العراق، رافعين شعار “لا حرب، لا دماء من أجل النفط”. احتجاجات لخصت التصور شبه العالمي بأن إدارة بوش، رفقة توني بلير، كانت في طريقها نحو حرب من أجل احتياطيات الطاقة الهائلة في العراق.
لقد علمنا منذ فترة طويلة أن شخصيات بارزة في إدارة بوش كانت تضغط من أجل الحرب ضد العراق بمجرد وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر. على الرغم من أنهم قرروا في نهاية المطاف السير في بغداد عبر كابول، إلا أن ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وآخرين عملوا بلا كلل لإقناع الرأي العام الأمريكي بأن صدام حسين كان مسؤولاً عن 11 سبتمبر وقد نجحوا في هذه المهمة بشكل مبهر، وإن كان ذلك بشكل مؤقت.
جورج بوش وتوني بلير لم يعتمدا بشكل كبير على الصلة المزعومة بين العراق والقاعدة عند مخاطبتهما الرأي العام العالمي. ففي عروضهم المقدمة للأمم المتحدة، زعموا أن الحرب كانت ضرورية بسبب أسلحة الدمار الشامل العراقية. إلا أن هذه الرواية انهارت بشكل دراماتيكي على غرار قصة تحالف صدام حسين مع أسامة بن لادن.
هذا ما يعيدنا إلى ملف النفط. لقد رفض مهندسو الحرب ومؤيديهم في وسائل الإعلام الأنجلو أمريكية بازدراء فكرة أنهم كانوا مدفوعين بمثل هذه المخاوف. أما بالنسبة للمتظاهرين المناهضين للحرب، من ناحية أخرى، فقد أخذوا هذا المنطق ببداهة. لقد كانوا أكثر عقلانية وأقرب إلى الحقيقة من الدعاة الرسميين للحرب.
من تشرشيل إلى بلير
أحيانًا، ينتابني تساؤل عما إذا كان توني بلير قد اقتبس من ونستون تشرشل عندما قال عن حرب العراق في عام 2003 “إن نظرية مؤامرة النفط هي بصراحة واحدة من أكثر النظريات سخافة”. ففي عام 1920، خاطب تشرشل البرلمان البريطاني قائلًا: إن فكرة وجود دافع نفطي وراء حملة بلاد ما بين النهرين البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى كانت “سخيفة للغاية بحيث لا يمكن قبولها”.
قبلها بست سنوات، وبصفته اللورد الأول للإمبريالية، دافع تشرشل عن نصف تأميم شركة النفط الأنجلو-فارسية (التي سُميّت لاحقًا BP) ، والتي كانت حديثة اكتشاف النفط في بلاد فارس (إيران الآن). إلا أنها كانت تتطلع إلى التوسع في بلاد ما بين النهرين المجاورة (العراق). كان هدف تشرشيل تأمين الوقود لأسطول البارجة التابعة للبحرية الملكية. وبعد أحد عشر يومًا فقط من استحواذ الدولة البريطانية على 51 في المائة من الأنجلو-فارسية، اغتيل الأرشيدوق فرانز فرديناند في سراييفو.
الأمر أكثر تعقيدًا هذه الأيام. لم يعد النفط يتدفق عبر سلاسل التوريد المغلقة من آبار BP إلى ساحة BP الأمامية، أو من مستعمرةٍ بريطانيةٍ إلى الجيش البريطاني. منذ الثمانينيات تم تداول النفط في الغالب في الأسواق المفتوحة، بين أي مشترٍ وأي بائع.
كما لم يعد الوصول إلى النفط عاملاً حاسمًا في الحرب، حيث يمكن لأي جيش آخر شراؤه أيضًا. أصبحت النتيجة هي أن الاستراتيجيين الغربيين لا يحاولون كثيرًا الحصول على النفط بأيديهم (أو بأيدي شركاتهم)، لكنهم يسعون بدلاً من ذلك إلى الحفاظ على إمدادات عالمية وفيرة ورخيصة حيث يمكن أن يؤدي النفط الباهظ الثمن إلى شل اقتصاداتهم.
ولتحقيق هذه الغاية، يهدفون إلى تعزيز الاستثمار الأجنبي في حقول النفط من أجل تعزيز التدفق. ففي وقت حرب العراق، كان ثلاثة أرباع النفط العالمي ممنوعًا على شركات الوقود الأحفوري، حيث فضلت الحكومات إدارة صناعاتها النفطية داخليًا، ولم تكن اقتصاداتها عمومًا تعمل بشكل أفضل من خلال الضخ بالسرعة نفسها.
اهتمامات استراتيجية
بالنسبة لي، فإن خوض حرب من أجل فتح صناعة النفط في بلد ما أمام الاستثمار الأجنبي لا يبدو مبررًا أكثر من محاربة المرء للاستيلاء على النفط كنهب. ما زلت أتساءل: “هل كانت حربا من أجل النفط؟” أجده سؤالاً مفاجئًا، لأنه ليس سراً أن العراق لديه ما يقرب من عُشر نفط العالم المتبقي، ولا أن منطقة الخليج الفارسي ككل تحتوي على ما يقرب من نصف الإجمالي (في وقت الحرب، كان يقارب الثلثين).
هذا فقط لأن سياسيينا أنكروا أي دور للنفط في افتعال الحرب بإصرار شديد لدرجة أنه أصبح سؤالًا على الإطلاق. وربما أثار هذا الإنكار الشكوك حول مؤامرة أكبر مما كانت عليه.
لم تكن خطة تشينييسك الرئيسية هي التي تم تنفيذها على مر السنين. في الواقع، تغير أسلوب التعامل مع النفط الذي يفضله مسؤولو الحكومة الأمريكية، وتحول من الخصخصة الصريحة، إلى نظام التعاقد من قبل سلطة أمريكية، ثم إلى نظام الاتصال من قبل سلطة عراقية. كما أن عددًا كبيرًا من الأشخاص داخل الحكومتين الأمريكية والبريطانية اختلفوا حول التفاصيل، مثل ما إذا كان ينبغي معاملة شركاتهم الخاصة بشكل أفضل أو التركيز على كسر منظمة أوبك.
لكن المصالح الاستراتيجية كانت موجودةً بالتأكيد. وقد تم الاعتراف بها في وثائق عامة أشهرها تقرير فريق عمل الطاقة ديك تشيني لعام 2001: “في جميع التقديرات، سيظل منتجو النفط في الشرق الأوسط مركزًا أساسيًا لأمن النفط العالمي. سيكون الخليج محور التركيز الأساسي لسياسة الطاقة الدولية للولايات المتحدة.”
وثائق حكومية خاصة كشفت طبيعة المصالح بشكلٍ أكثر وضوحًا. أثناء تأليف كتابي “وقود على النار”، حصلتُ على استراتيجية المملكة المتحدة للنفط العراقي، بتاريخ مايو 2003، والتي نصت على ما يلي: “سيؤثر الشكل المستقبلي للصناعة العراقية على أسواق النفط، وكذلك على عمل منظمي أوبك، وكلاهما يملكان مصلحة حيوية”.
وثيقة إستراتيجية أخرى من وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث، نُشرت في عام 2004، احتوت على المقطع التالي: “يجب أن تتوافق أهداف سياسة الطاقة الأوسع الخاصة بنا للعراق مع الأهداف التجارية لضمان أفضل نتيجة للمصلحة الوطنية للمملكة المتحدة. يتم تطبيق مجموعتي الأهداف بشكل متبادل نظرًا للحاجة إلى الاستثمار الأجنبي. سيوفر قطاع الطاقة في العراق فرصًا كبيرة في السوق للشركات البريطانية”.
في المجلد التاسع من تقريره لعام 2016، يشير الموظف المدني البريطاني السير جون تشيلكوت إلى العديد من الوثائق الحكومية التي تنص صراحة على الهدف النفطي وتوضح كيف سعت المملكة المتحدة إلى تحقيقه طوال فترة الاحتلال. ومع ذلك، لا يزال تشيلكوت يتظاهر بتبني ادعاء حكومة بلير بأن دافعها الرئيسي هو تفكيك أسلحة الدمار الشامل العراقية.
تخطيط من أجل النفط
دون شك، فقد صاغت حكومتا المملكة المتحدة والولايات المتحدة خططًا لتأمين مصالحها. ففي الأشهر التي سبقت الحرب، عمل كلٌ من مشروع مستقبل العراق التابع لوزارة الخارجية ومجموعة تخطيط البنية التحتية للطاقة التابعة للبنتاغون على تفاصيل صناعة النفط العراقية المستقبلية مع الشركات الأجنبية المسؤولة متعددة الجنسيات.
في أواخر عام 2002 وأوائل عام 2003، عقدت شركة بريتيش بتروليوم وشركة شل خمسة اجتماعات على الأقل مع الحكومة البريطانية حول موضوع العراق. بدأ محضر أحد هذه الاجتماعات في وزارة الخارجية، في أكتوبر/تشرين الأول عام 2002، على النحو التالي: “العراق هو آفاق النفط الكبيرة. BP يائسة بشأن الوصول إلى هناك”.
وفي اجتماع آخر، ذكرت وزيرة التجارة في حكومة بلير، البارونة سيمونز، بأنها تعتقد أنه إذا خاضت بريطانيا الحرب، فإن شركات النفط البريطانية تستحق الحصول على نصيب من الغنائم، ووعدت بالضغط على الحكومة الأمريكية لهذا الغرض. في ذلك الوقت، أنكرت الشركات والحكومة حدوث أي من هذه الاجتماعات. استغرق الأمر مني صراعًا لمدة خمس سنوات بموجب قانون حرية المعلومات للحصول على محضر الاجتماع.
بعد ذلك، بمجرد اندلاع الحرب، عملت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بجد طوال فترة الاحتلال لتسليم العراق إلى شركات النفط الكبرى. بدأ هذا بمهمة التأكد من أن العراقيين المناسبين كانوا يديرون وزارة النفط وكتابة مخطط لمستقبل الصناعة. حتى أن البريطانيين استأجروا مديرًا تنفيذيًا سابقًا لشركة بريتش بتروليوم لصياغة عقود العراق التي سيتم توقيعها مع شركات مثل شركة بريتيش بتروليوم على الرغم من أن هذه المبادرة فشلت في النهاية.
وفي عام 2007، أعلن الرئيس بوش عن زيادة ثلاثين ألف جندي من التعزيزات لإرسالها إلى العراق. يتم تذكر هذه التعزيزات بشكل عام -وإن كان ذلك بشكل خاطئ- على أنها ما قلب الأمور في العراق، ووضع حدًا لإراقة الدماء الطائفية. كأول نموذج لصناعة السياسة الأمريكية المعقولة. في ذلك الوقت، حتى النقاد قبلوا في ظاهرهم هذه الأهداف النبيلة المزعومة، واكتفوا بالقول ببساطة إنها لن تنجح في تحقيقها.
إلا أنهم أهملوا الأغراض السياسية الحقيقية لزيادة عدد القوات: أولاً: دعم حلفاء الولايات المتحدة في الحكومة العراقية الذين تورط العديد منهم في أعمال عنف طائفية. وثانيًا: الضغط عليهم لتقديم “أجندات” سياسية والأهم من ذلك، إصدار قانون إعادة هيكلة صناعة النفط العراقية لصالح شركات النفط الأجنبية. خلال عام 2007، وخلال زيارات مفاجئة قام بها أعضاء من فريق الأمن القومي التابع لبوش إلى بغداد، كان قانون النفط هو الذي سيطر على المناقشات.
وخلال مؤتمرات الفيديو التي كانت تعقد كل أسبوعين مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، حذر بوش مرارًا وتكرارًا من أن صبر الولايات المتحدة قد تضاءل، ومارس ضغوطه على المالكي بشأن قانون النفط. كما وجهت الولايات المتحدة تهديدات بقطع المساعدات وأموال إعادة الإعمار إذا لم تقم الحكومة العراقية بتمرير القانون، وقد يصل الأمر لإقالة المالكي من منصبه إذا استدعى ذلك.
لا حرب من أجل الرمال
في هذا السياق، وعلى غرار العديد من الدول الأخرى. فشلت الولايات المتحدة. لم يتم تمرير قانون النفط إلى حد كبير بسبب الحملة الشعبية العراقية ضده. وفي النهاية، قررت السلطات توقيع عقود طويلة الأجل حتى بدون أي أساس قانوني للقيام بذلك، لتصبح شركات مثل BP و Shell وExxonMobil تدير الآن صناعة النفط العراقية بالكامل تقريبًا. لقد رويت هذه القصص -القصص الخفية للحرب- في كتابي “وقود على النار”.
لقد كان لدى حكومتي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة دافعٌ لتسليم نفط العراق إلى الشركات متعددة الجنسيات، وأنجزت سلسلة من الخطط للقيام بذلك. ثم عملوا باستمرار لتحقيق هذه الغاية. ألا يكفي ذلك للإجابة على سؤال هل كانت حربا من أجل النفط؟
غريغ موتيت / جايكوبين
ترجمة وتحرير: راسام

