لقد جاء هذا الاتفاق كنتيجة لكثير من الرسائل التي تبادلتها الولايات المتحدة الأمريكية من إيران خلال الفترة الماضية، حيث أوصلت واشنطن رسائل مهمة الى القيادة الإيرانية والى قادة الميليشيات الولائية التابعين لها في العراق عن طريق منسق الرئيس الأمريكي الجديد للشرق الأوسط “بريت ما كغورك” الذي نقل هذه الرسائل عن طريق رئيس الجمهورية “برهم صالح”، ورئيس الوزراء “مصطفى الكاظمي”، ومستشار الأمن القومي “قاسم الأعرجي”، والتي تضمنت رسائل تفيد بأن واشنطن تريد التفاهم، وعدم اللجوء الى التصعيد العسكري، ووضع حد للهجمات الصاروخية، والطائرات المسيرة على السفارة الأمريكية، والقواعد العسكرية التي تتواجد فيها القوات الأمريكية، وارتال الدعم اللوجستي التابعة لقوات التحالف الدولي، كما حملت الرسائل تهديد ووعيد واضح للميليشيات ولإيران، تفيد بأن هذه تكرار هذه الهجمات قد يؤدي الى وقوع خسائر بشرية، أو يؤدي الى تعرض مصالح الأمن القومي الأمريكي للخطر، وبهذا فأن الولايات المتحدة الأمريكية ستكون أمام خيار الردع العسكري، الذي سيكون قاسي ومدمر، مما يعقد الكثير من الملفات الإقليمية والدولية التي لا تصب في مصلحة إيران.
لاشك بأن توقيع هذا الاتفاق التكتيكي سيخفف الضغوطات على الكاظمي، الذي فقد الإرادة السياسية بعد أن وقف عاجزاً وغير قادر على وقف الهجمات الصاروخية للميليشيات الولائية المنفلتة على المصالح الأمريكية، وعاجزاً عن وقف ألة القتل ضد المتظاهرين، علماً بأن هذه الميليشيات هي جزء من القوات المسلحة العراقية التي يجب أن تكون تحت سيطرة القائد العام للقوات المسلحة، وبين الرد العسكري الأمريكي الذي ينفذ على الأراضي العراقية ضد هذه الميليشيات بعد أن فشلت حكومة الكاظمي بتأمين الحماية لها، وأخيراً قد استجاب الكاظمي لهذه الضغوطات وصرح قائلاً: ” بأن بلاده لم تعد بحاجة الى قوات أمريكية قتالية لمحاربة تنظيم الدولة”، تمهيداً لإبرام هذا الاتفاق، وهذا يجافي الحقيقة تماماً على الأرض كون القوات الحكومية لا زالت بحاجة ماسة للقوات الأمريكية لمواجهة تهديد تنظيم الدولة، وللمحافظة على كيان الدولة العراقية لما تشكله هذه القوات من قوة رادعة وموازنة للنفوذ الإيراني.
أن حكومة الكاظمي تعي جيداً بأنها فقدت القدرة والسيطرة على لجم ومواجهة هذه الميليشيات التي أصبحت منفلتة بطريقة يصعب السيطرة عليها أو مواجهتها حتى من قبل القوات الأمريكية، وبهذا تحول العراق لساحة صراع مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية على حساب مصالح الشعب العراقي، كما إن هذا الاتفاق سيقدم دعم كبيراً للكاظمي في الانتخابات القادمة التي يسعى من خلالها لولاية ثانية لحكم العراق، كما إن الاتفاق يمثل له نصراً سياسياً كبيراً تم تحقيقه في هذه الجولة من الحوار، لأنه استطاع التوفيق بين مصالح ايران وميليشياتها في العراق وبين مصالح واشنطن أيضاً، وهو يعمل على لتأمين الحماية للقوات الأمريكية ما استطاع الى ذلك سبيلاً، كما أنه يسعى للانفتاح على المحيط العربي الذي يمكن أن يشكل دعماً كبيراً له في الانتخابات المقبلة، الأمر الذي يثير حفيظة هذه الميليشيات في العراق، ويعدونه محاولة واضحة لتقليص نفوذهم من خلال الانتخابات، وفك الارتباط بالابتعاد عن طهران، خصوصاً وإن الكاظمي لا يسعى الى المواجهة العسكرية مع هذه الميليشيات التي أصبحت فوق الدولة وفوق القانون، ويريد الاستفادة من الانتخابات لتغير المعادلة العراقية وهذا غير صحيح بالمطلق، لأنه يعرف جيداً بأن إيران والميليشيات لن تسمح بتغير الوضع القائم مالم يكن في مصالحها، حيث يقول أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني “علي شمخاني” إن “الانتخابات المقبلة في العراق ستكون عبارة عن ساحة معركة مهمة لاستمرار الديمقراطية وترسيخ دور الشعب العراقي في تقرير مصيره”، وهو يعني استمرار الهيمنة الإيرانية وميليشياتها على الوضع العراقي، وشعبه الرافض للتواجد الإيراني وميلشياته المسلحة.
لقد وافق البنتاغون على تغير عنوان بقاء القوات الأمريكية من قتالية الى استشارية وتدريبية ولكن على الورق فقط، لأن القوات الأمريكية القتالية باقية في العراق لنهاية العام الحالي، ولن تنسحب بشكل كامل على غرار الانسحاب الأمريكي من أفغانستان حسب الاتفاق الذي تم مع حكومة الكاظمي، وهذا يعني إن الاتفاق لن يغير شيء من طبيعة عمل القوات الأمريكية كثيراً، كما يعني أننا سنكون أمام تحديدات كبيرة تكتنف تنفيذ هذا الاتفاق، ومنها: هل ستوافق الميليشيات المسلحة التابعة لإيران على هذا الاتفاق؟، في ظل الانفلات الأمني الذي تشهده البلاد، خصوصاً بعد تصريحات زعيم ميليشيا العصائب “قيس الخزعلي” الذي يقول فيها بأن الولايات المتحدة الأمريكية غير جادة بالخروج من العراق، كما إن قناة “صابرين نيوز” التابعة للحشد الشعبي وصفت الاتفاق على منصة التليغرام في منشور لها قائلة: “لن يتم سحب أي جندي أمريكي وسوف يتم تغيير توصيفهم على الورق !”وهذا يعني إن تغير وصف القوات الأمريكية هو لإرضاء الميليشيات التي ترفض بقائها بتوجيهات من طهران.
إن تسويق بقاء القوات الأمريكية في العراق تحت مظلة قوات التحالف الدولي ينظر اليه بخوف وقلق شديد من الميليشيات المسلحة التابعة لطهران، والتي ترى في ذلك تهديد حقيقي لنفوذها، كون الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الاقوى والأكثر حضوراً ومشاركةً في هذا التحالف الذي تقوده منذ تأسيسه، حيث يعتبر بقاء القوات الأمريكية ضمن قوات التحالف الدولي يشكل تماسكاً كبيراً لبقائه واستمراره، كما أنه يمثل حجر عثرة إمام طموحات إيران وأتباعها في العراق، بما في ذلك منع إيران من ملء الفراغ الذي سيتولد عن الانسحاب الأمريكي المفترض، والذي ستكون تداعياته كبيرة على العراق الذي يحتمل أن يتعرض لعقوبات اقتصادية غير مسبوقة، كما إن الميليشيات المسلحة الولائية ترى إن التدخل التركي العسكري في شمال العراق يتقاطع مع وجود وبقاء قوات التحالف الدولي التي تشكل تركيا جزءاً منه، علماً بأن الميليشيات الولائية تنادي بخروج جميع القوات الأجنبية من العراق عدا إيران، لذا فحكومة الكاظمي تريد بقاء مهمة الحلف في سياق التدريب، والاستشارة، وتقدم الدعم الاستخباري، لنزع فتيل التصعيد، ولكي يسحب مبررات أي عمل عسكري ضدها من قبل الميليشيات، التي ترى في هذا الاتفاق الاستراتيجي هو تأمين غطاء قانوني جديد لبقاء القوات الأمريكية في العراق.
وأخيراً سيبقى التحدي الأكبر لهذا الاتفاق هو كيفية تأمين الحماية للقوات الأمريكية؟، إذا لم تلتزم الميليشيات بهذا الاتفاق، لذا فأن الخيارات الأمريكية ستكون مفتوحة وقاسية كما صرح بذلك الرئيس الأمريكي “بايدن” من خلال الورقة التي تعمد إظهارها لوسائل الأعلام عند لقائه مع الكاظمي، وهنا لا بد من الإشارة الى إن عدم التوصل الى اتفاق فيما يخص البرنامج النووي الإيراني الأمر الذي سينعكس بصورة مباشرة على الوضع الأمني في العراق وعلى الموقف من بقاء القوات الأمريكية، كون العراق فقد القدرة على التأثير في المحيط الإقليمي والدولي، وأصبحت التفاهمات تجري بين واشنطن وطهران على حساب العراق، وحكومة الكاظمي تعرف جيداً بأن الانسحاب قدر الكثير من الدول الأوروبية الى الانسحاب أيضاً، ويفتح باب التدخل الإيراني على مصراعيه، ويتح فرصة كبيرة للميليشيات للسيطرة على الدولة العراقية بشكل كامل، فهل ستنسحب القوات الأمريكية في الموعد المحدد؟، وهل ستسمح للقوات العراقية بالدخول الى المناطق التي تشغلها في القواعد العسكرية؟، وهل ستعرف حكومة الكاظمي الأعداد الحقيقية للقوات الأمريكية وكيف؟، لذا فالتحديات كثيرة وكبيرة وأنا أقول بأن حكومة الكاظمي غير قادرة على حماية القوات الأمريكية.

