جاسم الشمري
ليس من الهين الحديث عن العالم الموسوعي والفيلسوف والمفكر والعالم مالك بن نبي، فهو مدرسة فكرية لا تقف خيراتها على العالم الإسلامي، بل إن كتبه وعلومه تدرس اليوم في أمريكا وغالبية الدول الأوروبية.
ويعتبر بن نبي أحد أبرز عالم من علماء العصر الحديث ربما لم تسلط الأضواء بشكل كاف عن فكره ومؤلفاته وطروحاته، ولهذا فمن حقه على العالمين العربي والإسلامي أن يسلطوا الضوء على بعض تلك الطروحات.
إذا عُدَّ المفكرون في هذا العصر فإن مالك بن نبي هو من هذه القلة الذين ينطبق عليهم هذا الوصف؛ فالمفكر هو الذي يدرس ويتأمل ويقارن ويحلل المشكلة إلى أجزائها، ثم ينسق ويركب ويجتهد في إيجاد الحلول.
لا يمكن لكل من هبّ ودبّ أن يغور في أعماق علوم ابن نبي المتنوعة، وقد تردد الكثير من علماء الأمة الكتابة عنه؛ لا لأنه عميق الغور، غوَّاص في البحث والتنقيب، أو لأن تتبع آرائه وأفكاره يحتاج إلى جهد، بل لأنه يطرح أفكاراً وآراءً لا تتناسب مع عمق تفكيره، يقف الإنسان أمامها حائراً: من أين جاءته؛ وما هي الخلفية الثقافية التي جعلته يتبنى هذا الرأي أو ذاك؛ وهل هو مؤيد أم معارض؟ وقد كان ذلك التردد وإعادة القراءة مرات ومرات حتى لا نظلمه، وليستبين الحق وتتضح الصورة، وتحل الإشكالات.
إن الكتابة عن مالك بن نبي ضرورية للأجيال التي يجب عليها أن تتعرف على ما كتبه أصحاب الخبرة والتجربة في مجال الصراع الفكري المحتدم بين أوروبا المستعمرة والعالم الإسلامي منذ نهاية القرن الثامن عشر، فلم يعد من المجدي طرح الحلول العامة والعائمة ولابد من الدخول في التفاصيل، ومعرفة أسباب الفشل وأسباب النهضة، ولكن العجب لا ينقضي عندما ندرك أننا في كثير من الأحيان لا نستفيد مما كتبه السابقون لنا الذين تصدوا للإصلاح في أوائل هذا القرن. (مجلة البيان، محمد العبدة، 14/21)
– من هو مالك بن نبي (١٩٠٥ – ١٩٧٣ م)؟
مالك بن نبي مفكر إسلامي جزائري. ولد في مدينة قسنطينة، ودرس القضاء في المعهد الإسلامي المختلط، وتخرج مهندسا ميكانيكيا في معهد الهندسة العالي بباريس. زار مكة، وأقام في القاهرة سبع سنوات أصدر فيها معظم آثاره باللغة الفرنسية وهي نحو ٣٠ كتابا جلها مطبوع وترجم بعضها إلى اللغة العربية. كان من أعضاء مجمع البحوث الإسلامية، بالقاهرة، وتولى إدارة التعليم العالي بوزارة الثقافة والإرشاد القومي الجزائري (١٩٦٤) وتوفي ببلده.
عندما تسأل مالك بن نبي عن بعض القضايا الاجتماعية والتاريخية فقد لا يفصح عن رأيه بكل وضوح، ولكن تأكد من أنه عندما يحلل الاستعمار والفقر فسيكون فصيحا كل الفصاحة، وجد ابن نبي في الاستعمار والفقر موضعا للبحث في الإنسان الجزائري وحالة المسلمين المحرومين، – وكما قلنا – إن الثورة لم تلد أديبا عبقريا فكذلك نقول إنها لم تلد فيلسوفا نابغة، فهي لم تنتج فلاسفة ومحللين لتطور الحضارة، ولكنها بالقياس إلى ما أنتجت في التاريخ والأخلاق والسياسة، تفوقت في ميدان الفلسفة، وربما الأدب أيضا، ويكفي أنها فجّرت عبقرية مالك بن نبي في الفلسفة.
لقد سئل ابن نبي سنة ١٩٥٣ عن الاتحاد بين الجزائريين في وجه العبث الإداري الاستعماري، كان ذلك في الاستفتاء الذي طرحته جريدة (المنار)، فذكر إنه بإمكانه الجواب على السؤال مباشرة، وهو يبقى على هامش المقصود، وإن الشيء الذي يهم هنا هو إدراك الدستور الذي من شأنه أن يرفع نصب الحياة من الحضيض الذي نشاهده اليوم إلى المستوى الذي يطمح إليه الفرد أو الجمع بطبيعة الشيء المسطر في غريزة بني الإنسان، وفي نظره (إن المشكل قبل كل شيء عائد إلى أصول اجتماعية عامة لا تخص طورا من الحياة البشرية دون الأطوار الأخرى، ولا عنصرا منها دون العناصر الأخرى بل تشملها وتهمها كلها في جميع مراحلها تارة من حضيض إلى حظ وتارة من حظ إلى حضيض).
مؤلفاته:
إن مؤلفات مالك بن نبي كشفت عن مفكر كبير احتل بسرعة فائقة مكانه اللائق به في طليعة العالم العربي والعالم الإسلامي، وبرز بسلسلة من المؤلفات الأخرى (الظاهرة القرآنية، مشكلة الثقافة، شروط النهضة … ) جعلته رمزاً لهذه المرحلة الجديدة التي بدأناها: مرحلة التحرر الفكري، التحرر من الاستعمار، والنفوذ الفكري، والتبعية الثقافية والحضارية، مرحلة الاستقلال الحقيقي والشعور بالذات، والاضطلاع بالعبئ، والثقة بالقدرة على البناء، والسير بركب الحضارة، بعد التحرر من رواسب عصر الانحطاط والتشويه وقلب القيم، والفراغ الفكري والروحي، ومن الشعور بالنقص واحتقار الذات والإعجاب السطحي بمدنية أشرفت على نهايتها، وبدت عيوبها ونقائصها.
ألف مالك بن نبي عشرات الكتب، وربما يمكننا أن نذكر أهمها، وهي:
• بين الرشاد والتيه
• تأملات
• دور المسلم ورسالته
• شروط النهضة
• الصراع الفكري في البلاد المستعمرة
• الظاهرة القرآنية
• فكرة الإفريقية الآسيوية …
• فكرة كمنويلث إسلامي
• في مهب المعركة
• القضايا الكبرى
• مذكرات شاهد للقرن
• المسلم في عالم الاقتصاد
• مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي
• مشكلة الثقافة
• من أجل التغيير
• ميلاد مجتمع
• وجهة العالم الإسلامي
وأخيرا نختم كلامنا عن مالك بن نبي بكلمة قالها في كتابه شروط النهضة، ص:22:
“فالكلمة يطلقها إنسان، تستطيع أن تكون عاملاً من العوامل الاجتماعية حين تثير عواصف في النفوس تغير الأوضاع العالمية.
وهكذا كانت كلمة جمال الدين، فقد شقت كالمحراث في الجموع النائمة طريقها، فأحيت مواتها، ثم ألقت وراءها بذورا لفكرة بسيطة: فكرة النهوض، فسرعان ما آتت أكلها في الضمير الإسلامي ضعفين، وأصبحت قوية فعالة، بل غيرت ما بأنفس الناس من تقاليد، وبعثتم إلى أسلوب في الحياة جديد.
وكان من آثار هذه الكلمة أن بعثت الحركة في كل مكان، وكشفت عن الشعوب الإسلامية غطاءها، ودفعتها إلى نبذ ما كانت عليه من أوضاع ومناظر، فأنكرت من أمرها ما كانت تستحسن، واتخذت مظاهر جديدة لا تتلاءم حتى مع ثيابها التي كانت تلبسها، فنبذت النرجيلة والطربوش والحرز والزردة. ولقد بلغ تأثير تلك القوة الفعالة الجزائر فأخذت منها بنصيب”.
المصادر:
– الأعلام، المؤلف: خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الزركلي الدمشقي (المتوفى: ١٣٩٦ هـ) 5/266/ الناشر: دار العلم للملايين
– – (تاريخ الجزائر الثقافي) أو (الموسوعة الثقافية الجزائرية)، المؤلف: أبو القاسم سعد الله (المتوفى: ١٤٣٥ هـ)، 10/ 592، الناشر: دار البصائر للنشر والتوزيع- الجزائر.
– وجهة العالم الإسلامي/ المؤلف: مالك بن الحاج عمر بن الخضر بن نبي (المتوفى: ١٣٩٣هـ)، ص:13، الناشر: دار الفكر معاصر بيروت-لبنان / دار الفكر دمشق – سورية، الطبعة: ١٤٣١هـ = ٢٠٠٢م / ط١: ١٩٨٦م.
– مجلة البيان، محمد العبدة، 14/21.

