Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

بين سطوة الميليشيات وضعف الكاظمي ضاعت الدولة! قراءة وتحليل (2-3)

إن عدم قيام حكومة الكاظمي باتخاذ أي أجراء قانوني ضد القوات التابعة لميليشيات الحشد الشعبي التي قامت بتطويق المنطقة الخضراء؟ وهددت باقتحام مقار حكومية أخرى!، هو دليل على العجز الحكومي، الأمر الذي يدفع الميليشيات الى الايغال أكثر في إهانة الحكومة والدولة ومؤسساتها الأمنية والقانونية، علماً بأن ما جرى هو انقلاب على الدولة والدستور تصل عقوبته حسب القانون العسكري العراقي الى الإعدام؟ الأمر الذي يعطي دلالة واضحة على ضعف الحكومة وعدم قدرتها على المواجهة والردع، وألا لماذا سكت عن هذه الميليشيات؟، ولماذا سكت الرئاسات الثلاث؟، ولماذا صمت القضاء العراقي، ولماذا صمتت عنها الأجهزة الأمنية المعنية بفرض الأمن والاستقرار في بغداد؟ وكيف سمح القائد العام للقوات المسلحة للسلاح المنفلت أن يقوم بتهديد الحكومة والدولة، ولماذا يسمح باستخدام سلاح ومقدرات الدولة ضد الدولة؟، وجميع هذه الأفعال لا تحتاج الى أدلة يا رئيس الحكومة لاتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة للردع، لأن الأدلة فيها دامغة و حصلت أمام الجميع!، وحتى لو سلمنا بعدم كفاية الأدلة لإدانة “مصلح” فتطويق المقرات الحكومية لا يمكن تبريرها يا مصطفى الكاظمي، ولسؤال المحير لماذا لا يقوم القائد العام للقوات المسلحة بتبديل قيادات الحشد الشعبي كما يحصل للقيادات العسكرية في وزارة الدفاع والداخلية؟، والجواب على ذلك هو أنك غير قادر على تحريك جندي بالحشد وليس قائد في الحشد الشعبي، ويكفي الكذب بأن هذه القوات تحت سيطرة القائد العام للقوات المسلحة.

إن الخطوة التي أقدم عليها الكاظمي باعتقال “قاسم مصلح” جعلت العراق يدخل في مرحلة أمنية جديدة وخطيرة قد تصل الى المواجهة العسكرية الداخلية، وفي تقديري هي بداية لمواجهة أكبر، لأن الميليشيات ترى بأن اعتقال “مصلح” هو البداية التي قد تفتح شهية الحكومة لاعتقال الكثير من المتهمين بالفساد وجرائم القتل، بما فيها حصر السلاح المنفلت بيد الدولة، الأمر الذي يهدد بزوال نفوذ الميليشيات السياسي والأمني من المشهد العراقي، كما إن قيام حكومة الكاظمي بهذه الإجراءات يشكل خطر كبير عليهم في الانتخابات القادمة، خصوصاً وإن الكاظمي ينظر الى الميليشيات بأنها تنفذ أجندة خارجية تقوض الدولة والاستقرار، كما أنها بنفس الوقت تشكل عقبة كبيرة ومنافسة له في الانتخابات القادمة، لذا من يراقب ردة فعل الميليشيات على اعتقال “قاسم مصلح” يرى بأنها كانت قوية وشرسة ضد الحكومة من خلال تطويق مقرات حكومية بالمنطقة الخضراء، والتهديد باقتحام مقار حكومية أخرى تابعة لها، ومنها التهديد باقتحام(75) مقراً سرياً لجهاز المخابرات العراقية، وقد تدخلت الكثير من الشخصيات مثل المالكي والعامري للملمة الموضوع وعدم التصعيد، لذا فهو صراع حقيقي على السلطة والنفوذ الذي لن تقبل ايران وميليشياتها بتغيره أو المساس به.

يذكرني إطلاق سراح قاسم مصلح بمثل قديم قالوا فيه للسارق أحلف!، قال: جاءني الفرج!، وكذلك الحكومة تسلمه للقضاء التابع للحشد للتحقيق معه والبت في قضيته، ثم يصرح مصدر حكومي بعد إطلاق سراحه لوكالة “فرانس برس الفرنسية” بأن “القضاء يتحمل مسؤولية الإفراج عن القيادي في الحشد الشعبي “قاسم مصلح”، وأضاف “بأن الحكومة قدمت كل الأدلة التي بحوزتها والخاصة بملف “مصلح” لكن القضاء هو من اتخذ القرار بالأفراج عنه، بسبب ضغوطات مورست عليه” وكأن الحكومة تتنصل من إطلاق سراحه وتضعها بمسؤولية القضاء وهي تعلم أنه متورط ومذنب، الأمر ليس كذلك يا “مصطفى الكاظمي!، ألأمر ليس تنصل من المسؤولية ووضعها على الأخرين بقدر ما هي أمانة ومسؤولية في رقابكم أمام الله وأمام الشعب، كما إن حديثكم عن ضغوطات مورست على القضاء لا يعفيكم من المسائلة القانونية!، وهو يعطي صورة واضحة على تسيس القضاء الذي تحول الى مؤسسة تابعة لقوة السلاح، بحيث أصبحت هذه الميليشيات أقوى من الدولة ومؤسساتها القضائية، وهنا نذكركم بحديثكم عن الاعترافات الخطيرة التي أدلى بها “مصلح” أين ذهبت؟، لذا نحن نقول لك يا “مصطفى الكاظمي” بأن إطلاق سراحه جاء بصفقة سياسية يشترك فيها القضاء والحكومة والميليشيات، والدليل بأن الحكومة وافقت على تحويل ملفه الى أمن الحشد الشعبي للتحقيق معه، ومن ثم الى القضاء لإطلاق سراحه.

إن هذا التصعيد جعل المستقبل السياسي للكاظمي على المحك، فالحشد ينظر اليه بأنه عميل أمريكي، وهذا يجعل العلاقة سيئة ويمكن أن تصل الى الصدام المسلح، علماً بأن خيارات الكاظمي ليست كثيرة وصعبة ومعقدة لأن هذا التصعيد يأتي في ظروف استثنائية يمكن أن تؤدي الى انفلات أمني لا يحمد عقباه، لذا فالكاظمي أما إن يمضي بالإجراءات القانونية ضد الميليشيات الى الأخير، وفرض القانون، وسيادة الدولة، وحصر السلاح المنفلت، وإرضاء الشارع العراقي الذي فقد الثقة بقدرة الحكومة على محاسبة قتلة المتظاهرين، وسراق المال العام، مما يمهد له الطريق للحصول على فترة رئاسية ثانية، وأما أن يذعن ويتراجع ويستجيب لمطلب الميليشيات وهذا ما حصل، وهذه المرة الثالثة التي يقدم فيها الكاظمي على إجراءات ضد ميليشيا الحشد ثم يتراجع عنها ويقدم تنازلات تحت تهديد السلاح المنفلت والتصعيد العسكري والضغوطات التي أجبرت الكاظمي على الاستجابة لإطلاق سراح “مصلح” نتيجة للضغوطات الكبيرة التي مورست على الحكومة بما فيها تدخل أطراف كثيرة داخلية وخارجية والتي نجحت في تحويل ملف قضية “مصلح” الى قيادة العمليات المشتركة، ثم لقيادة الحشد الشعبي للتحقيق معه، ثم للقضاء ليقوم بعد ذلك بإطلاق سراحه، وهذا يعني بأن الكاظمي فقد فرصة ثمينة وحاسمة كانت أمامه للتخلص من سطوة الميليشيات وتمكين الدولة واستعادة السيادة، ولكنه فشل في ذلك لتتمكن الميليشيات أكثر من الدولة .

إن تطورات الأحداث في العراق توحي بأن الميليشيات فقدت الثقة بحكومة الكاظمي بشكل كامل بعد أن أقدم على اعتقال قيادي كبير في ميليشيات الحشد، وهذا يعني أن بقاء الكاظمي في منصبه يشكل تهديد كبير عليهم أمنياً وسياسياً مع اقتراب موعد الانتخابات المبكرة، وهناك حراك سياسي يقوم به تحالف الفتح الذي يقوده العامري لإقالة الكاظمي والحد من نفوذه السياسي والأمني وهو يدرك ذلك جيداً، لذا نرى بأن الإجراءات التي أتخذها الكاظمي في المنطقة الخضراء كانت واضحة وتوحي بأنه يتحسب ويتوجس من خطوة قادمة يمكن إن تقوم بها الميليشيات بتنفيذها ضد حكومته، لذا قام بتبديل لواء(56) بلواء قوات خاصة، وصدرت تعليمات الى القيادات العسكرية في الجيش والشرطة والحشد بمنع الحركة داخل العاصمة بغداد ألا بموافقة من قيادة الجيش ، كما أرسل تعزيزات عسكرية للمنطقة الخضراء، مما يعطي دلالة على إن التصعيد لم ينتهي وسيأخذ أشكال واساليب أخرى.

إن قيام قيادة الميليشيات بتأجيل الاستعراض العسكري المزمع أقامته في محافظة ديالى يوم14يونيو /حزيران الجاري الى أواخر الشهر نفسه دون تحديد يوم معين لأجرائه يثير الكثير من التساؤلات حول أسباب التأجيل، وعدم أجرائه في بغداد، علماً بأنهم صرحوا بأن هذا الاستعراض يجري بمناسبة الذكرى السابعة لتأسيس الحشد، والذي يتزامن مع ذكرى أليمة علينا وهي تسليم مدينة الموصل لتنظيم الدولة، وصدور فتوى الجهاد الكفائي من مرجعية النجف، حيث تسربت معلومات مؤكدة تفيد بأن رئيس الوزراء رفض إقامة هذا الاستعراض في بغداد، لذا تم تحويله الى “محافظة ديالى” التي تضم مقر رئيسي لميليشيات الحشد الشعبي والتي تتخذ من “معسكر أشرف” المقر السابق لمنظمة “مجاهدي خلق” الإيرانية المعارضة مقراً لها، ويطلق عليه حالياً “معسكر الشهيد أبو منتظر المحمداوي” وقد تم توجيه الدعوة للكاظمي لحضور الاستعراض باعتباره القائد العام للقوات المسلحة والذي لم يرد عليها بالقبول أو الرفض الى ساعة كتابة هذا المقال، بينما رفضت ميليشيات الحشد الشعبي التابعة للمرجعية عن المشاركة في هذا الاستعراض في هذا التوقيت الذي تحتدم فيه الصراعات والخلافات السياسية بين قيادات الحشد وحكومة الكاظمي.

يبدو مما تقدم بأن الاستعراض العسكري للميليشيات يحمل الكثير من الرسائل السياسية والأمنية للداخل والخارج بآن واحد، فمن الرسائل الداخلية ما تم توجيهه لحكومة الكاظمي عندما تم تطويق المنطقة الخضراء من قبل الميليشيات، التي أوصلت رسالة مفادها بأن هذا السلاح خارج سيطرة الدولة ولا يأتمر بأمرة القائد العام للقوات المسلحة، وإن الدولة غير قادرة على مواجهته أو السيطرة عليه، وسيفرض أرادته بقوة السلاح على الجميع وحسب ما تقتضي مصالحه، ومتى ما تطلب الأمر ذلك، وإن مسلسل الاغتيالات سيستمر ضد جميع الأصوات التي تعارضه، ولن تسمح الميليشيات بتغير الوضع القائم والمساس بنفوذها، وستبقى تنفذ أجندة إقليمية حسب ما تقتضي مصالح الولي الفقيه في ايران، وإن ارتباطها بالحكومة العراقية شكلياً وإدارياً فقط.

Exit mobile version