Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

بين سطوة الميليشيات وضعف الكاظمي ضاعت الدولة! قراءة وتحليل(1-3)

يقول المثل العراقي: “بين حانا وبين مانا ضاعت لحانا”.

توصيف الوضع العراقي:
لقد بدأ الصراع السياسي في العراق يحتدم على السلطة والنفوذ مع اقتراب موعد الانتخابات المبكرة التي أعلنت عنها حكومة الكاظمي في6تشرين أول/أكتوبر المقبل، ويبدو بأن المواجهة بين الزعامات الشيعية على الدولة بدت قاسية وتأخذ جوانب وأشكال متعددة منها: الأغراء، والتهديد، والتسقيط، والتصفية الجسدية، وقد بدى الصراع شديداً بين حكومة الكاظمي من جهة والتي تروم الحصول على فترة رئاسية قادمة لرئاسة الوزراء، وبين ميليشيات الحشد الولائي التابع لطهران من جهة أخرى، خصوصاً بعد اعتقال “قاسم مصلح” أمر لواء(13) حشد شعبي(لواء الطفوف)، المسؤول عن قاطع محافظة الأنبار، الأمر الذي زاد من حدة الخلافات السياسية التي دفعت البلاد للإيغال والدخول أكثر ضمن سياسية المحاور في المنطقة، مما يدخل العراق في وضع أمني معقد وخطير يهدد بانزلاق البلاد الى حرب أهلية، خصوصاً بعد تهديد الميليشيات باقتحام مقرات حكومية وأمنية أذا لم يطلق سراح “مصلح”، كما يأتي هذا التصعيد في وقت لا يزال فيه تنظيم الدولة يشكل تهديداً خطيراً للأمن الداخلي في العراق.

إن تصاعد حدة التوتر والصراع بين الطبقة السياسية الحاكمة في العراق يتزامن مع ازدياد الهجمات الصاروخية وتنوعها على القوات الأمريكية، حيث نفذت ميليشيات تابعة للحشد الشعبي العديد من العمليات الهجومية ضد السفارة الأمريكية في بغداد، وضد القواعد الأمريكية في “قاعدة عين الأسد بمحافظة الأنبار” و”قاعدة حرير في أربيل”، بالإضافة الى تزايد الهجمات على أرتال الدعم اللوجيستي لقوات التحالف الدولي، وقد شهدت هذه الهجمات نقلة نوعية في تنفيذها، بعد إن انتقلت من صواريخ “الكاتيوشا” الى الطائرات المسيرة المفخخة ،وقد عبر قائد القيادة المركزية الأمريكية “كينيث ماكنزي” عن قلقه من هذه الهجمات قائلاً بأن: “لجوء جماعات مسلحة مدعومة من إيران الى استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة(درونز)تشكل التهديد الأبرز لاستقرار الشرق الأوسط” وأضاف “بأن إيران تمثل التهديد الأكبر في منطقة القيادة، وردعها من أهم الأولويات، لأنهم يصدرون الإرهاب، ويصنعون الصواريخ الباليستية التي تهدد جيرانهم”، الأمر الذي يمهد لمرحلة جديدة من العنف على الأراضي العراقية.

إن من مكملات المشهد العراقي السياسي والأمني هو استمرار مسلسل التصفيات السياسية والأمنية لكثير من القيادات والنشاطين في الحراك الشعبي المنتفض والمناهض للطبقة السياسية الحاكمة منذ تشرين الأول عام 2019، والذي أستمر في حراكه السلمي الى يومنا هذا، رغم تعرضه لموجات قاسية من العنف، والاختطاف، والاعتقال، والتصفية الجسدية، وكان أخرها اغتيال “فاهم الطائي” و”إيهاب الوزني” عضو تنسيقية كربلاء للمظاهرات في9مايو/أيار الماضي، علماً بأن الأخير نجى من محاولة سابقة، وقد وجهت عائلة الوزني الاتهام بالاغتيال الى “قاسم مصلح” بعد أن هدده الأخير بالتصفية الجسدية، وقد فعل، لذا تسعى الكثير من الجهات الى تأجيج الصراعات لتحقيق مآرب سياسية باستهداف الخصوم وتقزيمهم.

التحليل:
إن هذه التصفيات كردة فعل من قبل ميليشيات الحشد الولائية التي تعمل على تكميم الأفواه، وإسكات الأصوات الحرة التي تنادي باستعادة الدولة، وحصر السلاح المنفلت، وخروج النفوذ الإيراني من العراق، وتقديم قتلى المتظاهرين للقضاء، الأمر الذي يعتبر تحدي يهدد بزول نفوذ الميليشيات والطبقة السياسية الحاكمة، ووجودها ومكاسبها والامتيازات التي حصلت عليها، حيث نفذت هذه الميليشيات خلال الأربع أشهر الأخيرة أكثر من(29)عملية اغتيال ضد ناشطين ومتظاهرين، بينما فشلت أكثر من(30) عملية أخرى، وقد شهدت حملة التصفيات انتقاله نوعية من ناحية الاستهداف فقد انتقلت من قتل الناشطين والمتظاهرين الى استهداف الأجهزة الأمنية، بعد أن صدرت مذكرة اعتقال “قاسم مصلح” حيث تم تصفية مسؤول كبير في جهاز المخابرات العراقية يوم7 حزيران/يونيو الجاري، والذي يشغل منصب معاون مدير جهاز المراقبة في الجهاز، وهي العملية الثانية التي تنفذ ضد جهاز المخابرات خلال هذه السنة.

إن قيام الميليشيات الولائية بتنفيذ العديد من الهجمات الصاروخية على القوات الأمريكية وبعض المواقع الحكومية بعد إطلاق سراح “قاسم مصلح” هو تحدي واضح لحكومة الكاظمي ومؤسسات الدولة، حيث نفذت الميليشيات هجماتها في ليلة9/10حزيران/يونيو الجاري على “قاعدة بلد الجوية” حيث سقطت عليها ثلاثة صواريخ كاتيوشا، بينما هاجمت ثلاث طائرات مسيرة “قاعدة فكتوريا” في مطار بغداد الدولي التي تضم عسكريين أمريكان، كما سقطت بعض الصواريخ بالقرب من مقر الفوج الثاني التابع لجهاز مكافحة الإرهاب، وهذا يعطي صورة واضحة للمشهد العراقي الأمني المعقد الذي يبين التعدي على هيبة الدولة، وسيادة القانون، وانتصار الفوضى والسلاح المنفلت واللادولة على الأمن والاستقرار، كما تبين تردي الوضع الأمني، وضعف الحكومة وعدم قدرتها على مواجهة هذه الميليشيات، التي هيمنة واستهترت وأصبحت أقوى من مؤسسات الدولة، بحيث تهدد وتفرض أدارتها بقوة السلاح.

لقد مارست الميليشيات الولائية الكثير من عمليات الاختطاف، والاعتقال، والاغتيال، بالإضافة الى تنفيذ العديد من الهجمات الصاروخية على مواقع حكومة ودبلوماسية، في محاولة واضحة من قبل الميليشيات لأضعاف مؤسسات الدولة، وكسر هيبتها، وردع الأخرين وتخويفهم ومنعهم عن مراقبة أو متابعة السلاح المنفلت الذي تستخدمه هذه الميليشيات لتنفذ أجندة إقليمية وحزبية ضيقة، لا تصب في مصلحة العراق، علماً بأن هذه الأجهزة الحكومية تمتلك معلومات مفصلة عن الجرائم التي قامت بها هذه الميليشيات في الفترة الماضية والتي صمتت عنها لتجنب المواجهة أو الاستهداف، بل إن الاجراءات التي اتخذتها الحكومة كانت خجولة ولا ترقى الى مستوى الجريمة، حيث أكتفت الحكومة بتشكيل اللجان التي لا طائل منها، كونها لم تحاسب أحد، ولم تقدم أحد للقضاء، بسبب هيمنة الميليشيات على مؤسسات الدولة وعلى هذه اللجان، وهذا يعطي دليل واضح على إن الحكومة تفتقر الى الإرادة السياسية لمواجهة هذا السلاح المنفلت الذي يعمل خارج الدولة، كما إنها متواطئة معها في جرائمها هذه بسبب صمتها، وقد أخطأت في تصورها الذي يستند الى تجنب المواجهة مع هذه الميليشيات، أو أنها ستكون بمأمن من مسلسل التصفيات، وها هي الأجهزة الأمنية تدخل ضمن أجندة هذه الميليشيات وعليها أن تختار أما التصفية، أو المواجهة، أو الاستجابة لرغباتها.

تقول حكومة الكاظمي بأن هناك ضغوطات وتهديدات مورست على القضاء لأطلاق سراح “قاسم مصلح”، وهنا نسأل القضاء والحكومة أذا كانت الأدلة غير كافية لاعتقاله كيف تم إصدار مذكرة القاء قبض عليه حسب المادة أربعة إرهاب؟، خصوصاً وإنه شخص غير عادي ويتبوأ منصب رفيع في ميليشيات الحشد الشعبي!، ولن تسكت ميليشيات الحشد على مثل هذا الأجراء الحكومي الذي لا يستند الى أدلة دامغة؟، والأمر الأخر كيف يطلب القضاء من أهل القتيل تقديم الأدلة التي تثبت تورط “قاسم مصلح” بقتل أبنهم؟ والقضاء والأجهزة الأمنية هي الجهة المسؤولة التي تقع عليها مسألة التحقيق وبيان الجاني في هذه الجريمة؟، وكيف يسمح الكاظمي أن يتحول العراق الى فوضى عارمة نتيجة أجراء غير دقيق وغير كافي؟، بحيث يتم تطويق مقرات حكومية والتهديد باقتحامها بسبب تقديم معلومات وأدلة غير كافية لاعتقال ومحاسبة “قاسم مصلح”؟، وإذا كان مذنبا ومتورطاً في قتل الناشطين حسب اعترافات فرق الموت بالبصرة، بالإضافة الى إنه متهم بضرب القواعد الأمريكية، وبتهريب المخدرات والاسلحة الى سوريا، فكيف يتم إطلاق سراحه؟، واذا القضاء هو الفيصل والحكم في هذه القضية لماذا قامت الميليشيات المسلحة بتطويق واقتحام مقرات حكومية؟، ولماذا لم يتم الانتظار حتى يحكم القضاء؟، ولماذا تم الاحتكام الى السلاح؟.

Exit mobile version