Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

محطات من تاريخ الحركة الكردية في العراق: الحلقة الثالثة (الفترة ما بين 1958– 1970)

شاهو القره داغي

فشل النظام الملكي وباعتباره أول نظام في الدولة العراقية الحديثة من معالجة القضية الكُردية التي تحولت إلى معضلة أمنية وسياسية في البلاد، وشهدت فترة الحكم الملكي العديد من الانتفاضات والثورات الكُردية والصدامات والمواجهات العسكرية التي كانت تندلع بين الطرف الكُردي والقوات العراقية التي كانت تلجأ إلى القوة لفرض سيادة الدولة على المناطق الكُردية، وعلى الرغم من تقديم الكثير من الوعود والتعهدات لمعالجة المشاكل والوصول الى تفاهمات مشتركة إلا ان هذه الوعود لم تُترجم إلى أفعال على أرض الواقع وظلت الحركة الكُردية مستمرة في نشاطاتها طامحة في تحقيق أهدافها الرئيسية.
بسبب هذا الطموح كانت الحركة الكُردية تنظر بإيجابية إلى كل تغيير يحصل في بغداد أملاً في بروز واقع سياسي جديد يُساهم في حصول تقدم حقيقي في القضية الكُردية والتأسيس لمرحلة جديدة في العلاقات بين الحركة الكُردية وبغداد، وانطلاقاً من ذلك وقفت الحركة الكُردية وأنصارها مع (انقلاب/ثورة) عام 1958، حيث خرجت مجموعة من الشرائح الكُردية مع أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني في مظاهرات لتأييد (الانقلاب/الثورة).
كما أصدر الحزب الديمقراطي الكردستاني في 16 يوليو/تموز 1958 بيانا داعماً للنظام الجمهوري الجديد، جاء فيه: (إن الحزب الديمقراطي الموحد لكوردستان العراق، طليعة الحركة التحررية الكُردية، إذ يأخذ بنظر الاعتبار مهامه التاريخية، ومن أجل تحقيق أهداف الامة الكُردية، يعلن بصراحة أن تعاظم قوة حركة الشعب العربي التحررية وانتصارها وتحرر العراق من الحكم الملكي الفاسد البغيض وتشييد نظام جمهوري متحرر وانسحاب العراق من حلف بغداد المصوبة سهامه إلى قلب الامة الكُردية، كل ذلك يهيئ أمتن الأسس لبناء صرح الحياة المليئة بالسعادة والحرية والمساواة للشعبين العربي والكُردي، لذلك قرر الحزب أن يناضل بجميع قواه ويضع كافة امكانياته تحت تصرف قادة هذه الثورة المجيدة ويجند جميع أعضائه وموازريه كفدائيين للجمهورية العراقية ومقاومة الاستعمار ومؤامراته واذنابه).
من جانبه أصدر النظام الجديد دستوراً مؤقتاً نص في المادة الثالثة منه على أن (العرب والكُرد شركاء في هذا الوطن ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية)، كما تم إطلاق سراح السجناء السياسيين الكُرد وإصدار العفو عن المشاركين في الثورة الكُردية في ظل النظام الملكي والتمهيد لعودة الملا مصطفى البارزاني في 6 تشرين الأول/أكتوبر 1958 من منفاه، وتم منح إجازة رسمية للحزب الديمقراطي الكردستاني في شباط/فبراير من العام 1960.
المادة الثالثة من الدستور المؤقت كانت تطوراً كبيراً في الملف الكُردي، فدول المنطقة لم تشهد اعترافاً صريحاً بالحقوق الكُردية، وعلى الرغم من عمومية المادة وعدم الخوض في التفاصيل إلا أنها كانت مؤشرا واضحا بأن القيادة الجديدة للنظام الجديد كانت تُدرك أهمية معالجة هذه القضية والاعتراف بوجود المشكلة الكُردية والانطلاق بصورة مختلفة عن النظام السابق لحلها.
“تطورت الحياة الثقافية في كُردستان في تلك الفترة، حيث تم منح الإجازة لصحيفة (خةبات/ النضال) والذي كان لسان الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبعدها صحيفة (الحرية) الذي أصدره الحزب الشيوعي في كُردستان، وصدرت العديد من المجلات في السليمانية مثل (الشمس، الحياة، الأمل، اليوم الجديد) وعدد آخر من المجلات صدرت في بغداد، وكانت فرصة للنخبة والمثقفين باستغلال هذه الفسحة وطرح أفكارهم عن طريق هذه المنابر الجديدة”.
يبدو واضحاً أن انقلاب تموز 1958 حققت تطورات كبيرة على صعيد القضية الكُردية و أبرزها المادة الثالثة من الدستور الذي أقر بوجود الكُرد بصورة رسمية وبتمتعهم بالحقوق والواجبات المشتركة مع العرب في الدولة العراقية، وقرار تعيين الموظفين الكُرد في حدود كُردستان، إضافة إلى إصدار قرارات العفو والتمهيد لعودة القيادات الكُردية من الخارج وتسهيل عملهم السياسي داخل العراق من خلال منح الإجازة الرسمية للحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي).
على الرغم من هذه التطورات إلا أنه ساد رأي آخر اعتبر أن هذه الخطوات كانت مجرد حركات تكتيكية من النظام الجديد لكسب الشرائح المختلفة للشعب وتثبيت أسس النظام الجديد وتحقيق الاستقرار الداخلي للسلطة الجديدة والظهور بمظهر ديمقراطي، وهذا ما يُفسر عدم ترجمة هذه الرؤية إلى خطوات فعلية على أرض الواقع واندلاع المشاكل مجدداً بعد فترة وجيزة.

ثورة عام 1961
بالرغم من التطورات المهمة في القضية الكُردية وتقارب وجهات النظر بين عبدالكريم قاسم والملا مصطفى البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني والاستبشار بعهد جديد يُنهي الازمات ويعالج المشاكل العالقة بين الُكرد والسلطة المركزية في بغداد، إلا أن الخلافات بدأت تظهر بين الطرفين مع بداية عام 1960، فقد كان هناك جملة من الأسباب وراء توتر العلاقات بين الطرفين، منها زيارة السفير البريطاني همفري تريفليان إلى الملا مصطفى في مقره في بغداد في فبراير/شباط 1960 وزيارة الملا مصطفى في تشرين الأول/أكتوبر 1960 إلى موسكو للمشاركة في ذكرى مرور (43) عاما على ثورة أكتوبر 1917، والإصرار على تطبيق المادة الثالثة من الدستور وتحقيق الإصلاحات في كُردستان، وقد انزعج عبدالكريم قاسم من تحركات البارزاني حيث شعر بأنه أصبح يتجاوز الحكومة العراقية بعلاقاته، وبدأت المحاولات لبسط نفوذ الدولة في المناطق الكُردية وتحجيم نفوذ الملا مصطفى البارزاني وإنهاء الحزب الديمقراطي الكردستاني.
تفاقمت المشاكل بصورة أكبر وتم اغلاق صحيفة (خةبات) الناطقة باسم الحزب الديمقراطي وتم حل الحزب ومطاردة واعتقال أعضائه وتحجيم نشاطاته في بغداد، وحصول بعض الصدامات في المناطق الكُردية، وبالرغم من إرسال الملا بارزاني في 20 يوليو/تموز 1961 وفداً إلى بغداد لتخفيف التوتر الحاصل والتأكيد على تفعيل المادة الثالثة من الدستور المؤقت وانهاء الفترة الانتقالية وإلغاء الاحكام العرفية، إلا أن عبدالكريم قاسم رفض هذه المطالب بل رفض حتى مقابلة الوفد الكُردي، وبدلاً عن ذلك أرسلت الحكومة العراقية لجنة أمنية في 28 يوليو/تموز 1961 لتقديم الاقتراحات الضرورية لمعالجة الأوضاع في كُردستان، حيث اقترحت اللجنة (استخدام القوة العسكرية والجيش لفرض الأمن في المناطق المتوترة ومعاقبة المتمردين).
في السادس من سبتمبر/ أيلول من عام 1961 أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني الاضراب العام في كُردستان وتعطيل الحياة العامة، فقامت الحكومة العراقية بشن حملة عسكرية لفرض القانون مما أدى إلى نشوب ثورة أيلول 1961 والذي بدأت بالانتشار في المدن الكُردية وكانت عبارة عن معارك بين العشائر الكُردية الموالية لبارزاني والقوات العراقية وباقي العشائر الكُردية التي قررت الوقوف مع الحكومة العراقية.
كان عبدالكريم قاسم يُعوّل على الخيار العسكري لإنهاء التمرد الكُردي الموجود في كُردستان، وكان يرى أنه قد يُحقق نصراً سريعاً من خلال اللجوء الى هذا الخيار، وخاصة أنه كان ينظر إلى الثورة الكُردية نتاج لتحريض ودعم خارجي وحراك مشبوه مدعوم من القوى الخارجية للضغط على الحكومة العراقية، بينما كان الطرف الكُردي كان يرى بأن الحراك هو نتيجة مماطلة بغداد في تنفيذ الدستور وعدم تحويل الوعود إلى أفعال واصلاحات على أرض الواقع، وهذا يوضح اختلاف وجهات النظر بين الطرفين، مما أدى إلى استمرار القتال وعدم نجاح الحكومة العراقية في اخماد الثورة بل على العكس ساهمت في تشتيت الحكومة واضعافها داخلياً مما سهل في حدوث انقلاب عام 1963.
ونتيجة للتحديات الراهنة وبدء الصدامات المسلحة بين الكُرد ممثلا بالحزب الديمقراطي الكردستاني وبين الحكومة العراقية، بدأت الحركة الكردية تعمل على محورين لتحشيد وجمع كافة الأطياف والشرائح الكُردية، فبدأ أعضاء المكتب السياسي في الحزب بالعمل على المثقفين والنخبة، بينما رئيس الحزب الملا مصطفى كان يعمل على العناصر الإقطاعية من الأغوات ويقوم بتوجيههم، ومن الممكن أن نعتبر هذه الاستراتيجية في توزيع العمل بداية لظهور تيارين مختلفين داخل الحزب (التيار الحضري النخبوي، والتيار القبلي الإقطاعي) والذي أدى لاحقاً إلى ظهور المشاكل والانشقاقات والصدامات الداخلية والتأثير سلباً على الحركة الكُردية في مرحلة لاحقة.

الحركة الكُردية في أيام حكم الأخوين عارف
إضافة إلى استئناف الحركة الكُردية نشاطها المسلح في زمن عبدالكريم قاسم بسبب عدم الوصول إلى تفاهمات مشتركة، كان الصراع يتفاقم أيضاً بين عبدالكريم قاسم وبعض الأطراف والقيادات السياسية داخل الساحة السياسية العراقية، وتعالت أصوات كثير من الشخصيات بالاعتراض عن الأوضاع السائدة، ونتيجة لتراكم هذه العوامل شهد العراق انقلاب شباط/فبراير 1963 برئاسة (عبدالسلام عارف) الذي استولى على الحكم وقام بإعدام عبدالكريم قاسم وأصبح رئيساً للجمهورية، ليتم الإعلان عن مرحلة تصحيحية والعودة إلى المبادئ الحقيقية لثورة/انقلاب 14 تموز 1958.
مع بداية الانقلاب وتوقف العمليات العسكرية في كُردستان نتيجة لهذا التحول في بغداد، أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني أيضا إيقاف العمليات العسكرية، وأصدر المكتب السياسي للحزب الديمقراطي في العاشر من فبراير/شباط 1963 بياناً إيجابياً جاء فيه (نود أن نؤكد لكم بأننا لم نكن في يوم من الأيام طلاب حرب بل كنا ومازلنا طلاب حق، وإن أمامكم الآن واجب خطير وملح ألا وهو حل مشكلة كردستان بصورة أخوية ديمقراطية، وذلك باتخاذ خطوات إيجابية بهذا الخصوص، وهو اعلان وقف إطلاق النار رسمياً وانهاء العمليات الحربية وعودة الجيش العراقي الى ثكناته وإطلاق سراح كافة السجناء الذين اشتركوا بصورة مباشرة وغير مباشرة بالثورة الكردية ضد ديكتاتورية قاسم، وتعويض المتضررين وتعمير ما خربته الحرب).
وبادر الحزب بإرسال وفد إلى بغداد في 19 فبراير/شباط 1963 برئاسة جلال الطالباني عضو المكتب السياسي في الحزب – آنذاك – لإجراء مباحثات مع القيادة الجديدة بغية الوصول إلى تفاهمات مشتركة بخصوص القضية الكُردية قد تساهم في معالجة المشاكل وعدم العودة مجدداً إلى الصراعات والصدامات المسلحة، ونتيجة لهذه المفاوضات وصل الطرفان إلى تفاهمات أولية، وفي العاشر من اذار/مارس 1963 أعلن راديو بغداد بياناً حكومياً تتحدث فيه عن اعتراف الحكومة العراقية بالحقوق القومية للشعب الكُردي على أساس اللامركزية على أن لا يتعدى مفهوم اللامركزية الشؤون الإدارية.
“وكانت الإدارة اللامركزية التي كانت تعمل بغداد على إقناع الكُرد بها عبارة عن تشكيل (6) محافظات في الدولة العراقية أحداهما كُردية تسمى محافظة (السليمانية) وتتكون من المدن الكُردية، ويكون اللغتين العربية والكُردية لغتين رسميتين في هذه المحافظة الكُردية”.
من الواضح أنه كان هناك اختلاف كبير في وجهات النظر حول طريقة معالجة القضية الكُردية بين الطرف الكُردي والطرف الحاكم في بغداد، حيث كانت المطالب الكُردية دائماً تُركز على ضرورة الاعتراف بالحقوق الكُردية وخاصة الحكم الذاتي والاستقلال كحق طبيعي للكُرد، إضافة إلى شمول كركوك والاقضية التابعة للموصل حتى خانقين لحدود كُردستان، بينما بغداد كانت تُفكر في إرضاء الكُرد ومعالجة المشكلة عن طريق منح اللامركزية الادارية للمناطق الكُردية وكانت ترفض شمول كركوك وبقية المناطق المطروحة لإدخالها ضمن المناطق الكُردية.
ونتيجة لتمسك كل طرف بمطالبه ومحاولة فرضه على الآخر، انهارت المفاوضات أخيراً في حزيران/يونيو من العام 1963 وعادت جميع الإجراءات والممارسات التي رفعتها القيادة الجديدة في سبيل الوصول إلى حل مع القيادة الكُردية، وبدأت الصدامات المسلحة من جديد حتى العاشر من فبراير/شباط 1964 عندما توصل عبدالسلام عارف الى اتفاق مع الملا مصطفى البارزاني على منح الكُرد الحقوق القومية، وبسبب عدم تلبية هذا الاتفاق لجميع مطالب الشعب الكُردي، فإنه أدى في النهاية إلى حدوث انشقاق الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى جناحين، جناح رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني (الملا مصطفى البارزاني) و جناح المكتب السياسي للحزب (إبراهيم أحمد).
لم ينجح الطرفان – الكُردي والحكومي – في ترجمة الاتفاق الى خطوات حقيقية وتفاهمات مشتركة، مما أدى الى اندلاع الصدامات المسلحة بعد عام من الاتفاق في ابريل/نيسان من العام 1965 وعادت المواجهات المسلحة بين الطرفين واستمرت المشاكل حتى لقي عبدالسلام عارف مصرعه في حادث الطائرة في نيسان/ابريل 1966 ليتولى شقيقه عبدالرحمن عارف الحكم ليتوقف الصراع فترة مؤقتة بين الطرفين في محاولة أخرى للوصول الى حل للقضية الكُردية، حيث طرح رئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز في حزيران/يونيو 1966 مبادرة للاستعداد بالاعتراف بالحقوق القومية الكُردية والدخول في مفاوضات جديدة مع الملا مصطفى البارزاني، وتم اصدار بيان 29 حزيران/يونيو 1966 لحل القضية الكُردية وإنهاء الاقتتال الداخلي، ومن الممكن اعتبار هذا البيان أساسا لبيان الحكم الذاتي التاريخي الذي صدر في 11 مارس 1970،حيث كان استجابة الرئيس الجديد واضحة للقضية الكُردية وخاصة أن البيان كان يقر بوضوح بهذه النقاط المهمة:
• الإقرار بالحقوق القومية الكُردية وتساوي العرب والكُرد في الحقوق والواجبات
• جعل اللغة الكُردية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في المناطق التي تسكنها أكثرية كُردية
• إجراء انتخابات برلمانية وتمثيل الكُرد في المجلس الوطني
• مشاركة الكُرد في جميع المناصب العامة على وفق نسبة عددهم
• تخصيص منح دراسية وبعثات للكُرد
• الإقرار بمبدأ التعددية الحزبية وضمان حرية الصحافة والتعبير
• تخصيص ميزانية لإعادة اعمار المناطق المتضررة من القتال وإنشاء هيئة خاصة لذلك
• إعادة الفلاحين إلى قراهم التي نزحوا منها بسبب القتال
رحب الكثير من الأطراف الداخلية والخارجية بالبيان، حيث أيد الرئيس المصري جمال عبدالناصر البيان وقال” كنا ننادي دوما بحل سلمي بين أبناء العراق الواحد وقد استطاعت حكومة العراق ان تصل الى اتفاق نهائي ينهي الثورة وهذا عمل يُشكر عليه”، وداخلياً رحب به المكتب السياسي للديمقراطي الكردستاني وبعض الأطراف الداخلية العراقية الأخرى، وعلى الرغم من ذلك لم ينجح البيان من معالجة القضية الكُردية بسبب غياب الثقة بين الطرفين ودور التدخلات الخارجية والانقسام الداخلي الذي بدأ يتفاقم داخل الحركة الكُردية، وبالتالي بقي الأمر عالقاً إلى ان تم الإطاحة بالرئيس عبدالرحمن عارف في 17 تموز/يوليو 1968 وسيطر البعث على الحكم في العراق.

بداية الانقسامات الكُردية
كانت الساحة الكُردية تعاني من الانقسامات في هذه المرحلة، وقد يكون هذا الأمر إحدى العراقيل للوصول إلى تفاهمات مشتركة مع الطرف الآخر في بغداد، حيث كان ذراع الملا مصطفى البارزاني في منطقة بارزان، والفرسان أو رؤساء العشائر الموالين للحكومة العراقية، والمكتب السياسي القديم للحزب الديمقراطي والذي كان يقوده إبراهيم أحمد وجلال الطالباني في محيط السليمانية، وشهدت بين هذه الأطراف (الكُردية) صدامات مسلحة وخلافات كثيرة أثرت على الحركة الكُردية لاحقاً ومهدت للانقسام الموجود حتى الآن في إقليم كردستان العراق.
من الممكن ارجاع الانقسام الأول داخل الحركة الكُردية إلى عام 1964 عندما تواصل الملا مصطفى بارزاني مع المشير عبدالسلام عارف وتم الاتفاق على إيقاف الثورة، حينها رفض أغلبية أعضاء المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني الاتفاقية لأنه لا يحقق المطالب الكُردية ولا يضمن عدم عودة القتال لاحقا، ونتيجة لذلك أعلن المكتب السياسي إعفاء البارزاني من صلاحياته كرئيس للحزب مما أدى الى تفاقم المشاكل بين الطرفين بشكل أكبر.
قرر الملا مصطفى البارزاني تجريد هذا الذراع السياسي من قوته العسكرية عن طريق عزل القادة العسكريين الموالين للمكتب السياسي، ودعا إلى عقد المؤتمر السادس للحزب الديمقراطي في تموز/يوليو 1964 دون حضور أغلبية أعضاء المكتب السياسي، وفي هذا المؤتمر تم انتخاب البارزاني مجدداً رئيساً للحزب، وتم تشكيل مكتب سياسي جديد بعد فصل 14 عضوا من أصل 18 عضوا في المكتب السياسي وسبق لهؤلاء ان وقّعوا على طلب لفصل بارزاني كرئيس للحزب، وبعد ذلك وقعت مناوشات دفعت ذراع المكتب السياسي الى اللجوء إلى ايران والعودة بعد عام من هذه الأحداث، حيث استمرت الصدامات والمشاكل بين الذراعين الكُرديين من 1966 وحتى اعلان اتفاقية الحكم الذاتي في عام 1970.
وكانت لهذا الانقسام تداعيات كثيرة على الحركة الكُردية منها:
– وقوع شرخ بين النخبة المثقفة والقيادة العسكرية والعشائرية داخل الحركة الكُردية التي كانت تعمل على محورين لدعم الثورة وبحصول هذا الانقسام تراجعت هذه المحاولات وساهمت في اضعاف الحركة.
– فتح الباب امام التدخلات الخارجية التي كانت تستغل هذه الانقسامات لتسهيل تدخلاتها وتمرير اجندتها، وخاصة الجانب الإيراني الذي كان يستفيد من هذه الانقسامات ويحاول تغذيتها دائماً.
– التمهيد لانقسام إقليم كردستان إلى منطقتين للنفوذ، حيث كانت لهذه الخلافات والصدامات دور كبير في اضعاف الحركة الكُردية وبسبب تراكم هذه المشاكل أصبح الإقليم اليوم منقسماً إلى إدارتين على الرغم من المحاولات الشكلية لإظهاره كإدارة واحدة.
– بدء ثقافة التخوين الداخلي واتهام كل طرف للآخر بالإضرار بالمصالح الكُردية والذي ترك آثاراً سيئة على مسيرة الحركة ووحدتها .

حكم البعث والتمهيد للحكم الذاتي
لم يشهد النظام السياسي في العراق استقراراً طويلاً ومستداماً منذ انقلاب تموز 1958 الذي فتح الباب أمام الانقلابات التي كانت طريقاً سهلاً أمام العسكر للسيطرة على الحكم وتصفية الحسابات بين الفرقاء، حيث نجح البعث في اسقاط الحكم في تموز/ يوليو من العام 1968 بانقلاب عسكري ليبدأ عهد جديد في العراق وصفحة جديدة في التعامل مع القضية الكُردية.
كانت السلطة الجديدة المتمثلة بالبعث تدرك تماماً أن معالجة القضية الكُردية ضرورة مُلحة لاستقرار النظام الجديد وتثبيت الحكم لإنهاء الاضطرابات الداخلية ومنع الخارج من استغلال المشاكل الداخلية في العراق كذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية وإثارة الأزمات لاحقاً، وهذا ما دفع الحزب إلى البحث عن حلول ومعالجات لهذه القضية، إذ كانت القضية الكُردية حاضرة في البيان الأول للثورة في 17 تموز/يوليو1968 حيث جاء فيه: “إن الحكام السابقين أهملوا متعمدين الاستقرار والأمن الداخلي في ربوع الوطن، ولم يتقدموا خطوة إيجابية واحدة لحل القضية الكُردية، وإن الثورة عازمة على تحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء مشكلة الشمال بحكمة ودراية وبروح طابعها مصلحة الوطن وضمان أمنه واستقراره ورفاهيته وصيانة وحدته الوطنية”، إضافة إلى المادة 21 من الدستور المؤقت الجديد الذي دخل حيز التنفيذ في 21 سبتمبر 1968 والذي ألغى الدستور المؤقت السابق والتي جاء فيها: “إن العراقيين متساوون في الحقوق والواجبات أمام القانون، لا يميز بينهم بسبب الجنس أو العرق أو اللغة أو الدين، ويتعاونون في الحفاظ على كيان الوطن بمن فيهم العرب والأكراد، ويقرر الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية”.
فتحت الحكومة العراقية باب التفاوض مع الملا مصطفى البارزاني و جناح المكتب السياسي القديم ( جناح إبراهيم أحمد- جلال طالباني) في نفس الوقت رغم إدراكها بالمشاكل والأزمات العالقة بين الطرفين الكُرديين، وحاولت بهذه الطريقة احتواء القضية الكُردية أو إضعافها، مما أدى مجددا إلى حصول صدامات عسكرية بين جماعة البارزاني وجناح إبراهيم أحمد- جلال طالباني ، ولاحقاً تطور الأمر إلى عودة النزاع المسلح بين الملا مصطفى البارزاني والقوات العراقية والتي تسببت بعودة العمليات العسكرية في نهاية عام 1968 وحتى أواسط عام 1969.
أدركت السلطات العراقية صعوبة القفز على البارزاني وضرورة إعادة المفاوضات معه لإنهاء العمليات القتالية والصدام المسلح الذي بات يُسبب مشكلة للسلطة الجديدة وخاصة بعد نجاح الحركة الكُردية في مهاجمة منشآت النفط في كركوك وإلحاق الاضرار بهذا القطاع المهم الذي يُشكل العائد المالي المهم للعراق، ولذلك حاولت الحكومة العراقية القيام بعدة خطوات إيجابية كتعبير عن حسن نية للطرف الكُردي منها استحداث (محافظة دهوك) في حزيران/ يونيو 1969، ومنح الكُرد في تشرين الأول/أكتوبر من نفس العام حق استعمال اللغة الكُردية لغة رسمية في مناطقهم، وإصدار الصحف واستحداث كلية للأدب الكُردي، وفعلياً كانت لهذه الخطوات أثرا إيجابياً في التمهيد للمفاوضات التي أدت لاحقاً الى توقيع اتفاقية الكم الذاتي الذي يعتبر اتفاقاً تاريخياً في العراق وانجازاً للحركة الكُردية على مستوى العراق وعلى مستوى الكُرد في المنطقة.
من الواضح من دراسة هذه المرحلة أن جميع الحكومات التي تأسست في ظل النظام الجمهوري تعهدت بمعالجة القضية الكُردية وحاولت أن تضع هذا الملف في سلم أولوياتها، سواء كان عن طريق ذكر القضية في الدساتير أو من خلال البيانات الحزبية، ولكن على الرغم من هذه النية إلا أن فترات الهدوء كانت مؤقتة وكان الطرف الكُردي والعراقي يفشلان دائماً في تحويل هذه التفاهمات إلى اتفاقيات طويلة الأمد ومشاريع للسلام تُنهي عصر الحروب وتفتح صفحة جديدة في العلاقات بسبب اختلاف وجهات النظر والتدخلات الخارجية التي كانت تستغل هذه القضية للتدخل في الشؤون الداخلية للعراق، إضافة إلى وجود فرق واضح بين طريقة تعامل الحكومة في بغداد في بداية تسلم السلطة وتغيرها لاحقاً بعد الشعور بالقوة وإمكانية معالجة القضية الكُردية معالجة أمنية وعسكرية، وعلى الرغم من فشل الخيار العسكري في إخماد الحركة الكُردية إلا انه كان خياراً حاضراً لدى بغداد حتى في أوقات المفاوضات، وهذا الأمر كان يؤثر سلبياً على المفاوضات.

المصادر:
ديفيد مكدول ، تاريخ الأكراد الحديث ، بيروت، 2004 ، دار الفارابي .
أيوب بارزاني، الحركة التحررية الكوردية وصراع القوى الإقليمية والدولية، دار نشر الحقائق، جنيف، 2011 .
د.غانم محمد الحفو و عبدالفتاح علي البوتاني، الكورد والاحداث الوطنية في العراق خلال العهد الملكي 1921- 1958 ، أربيل، دار سيريز للطباعة والنشر، 2005.
عبدالسميع خلف عبد حبيب الجنابي، تطور المشكلة الكردية في العراق 1958-1968 ، رسالة ماجستير ، جامعة الانبار، 2017 .
عبدالفتاح علي البوتاني، وثائق عن الحركة القومية الكوردية التحررية، دار موكرياني، أربيل، 2001.
حامد محمود عيسى ، المسألة الكردية في الشرق الأوسط، القاهرة ، 1992.
فايز عبدالله العساف، الأقليات وأثرها في استقرار الدول القومية (الاكراد نموذجا)، رسالة ماجستير، 2009.
مجيد خدوري، العراق الجمهوري ( بيروت، الدار المتحدة للنشر، 1974 ) .
عمار علي السمر، شمال العراق دراسة سياسية 1958-1975 (الدوحة، المركز العربي للأبحاث، الطبعة الأولى، 2012)

دراسة خاصة براسام

Exit mobile version