في الوقت الذي كان فيه العالم مشغولا بالانتشار الدراماتيكي فيروس كورونا والانهيار المذهل لدونالد ترمب، وذلك في الأيام الأولى من عام 2021، ركز الكيان الصهيوني انتباهه على تصعيد إيران السريع نحو انتاج سلاح نووي. حيث أصدر أمير علي حاج زاده، القائد البارز في الحرس الثوري الإيراني، في 2 كانون الثاني يناير تحذيرا للكيان الصهيوني عبر قناة المنار التلفزيونية الحكومية، قائلا: “لدينا أمر عام من المرشد علي خامنئي بتسوية حيفا وتل أبيب مع الأرض في حالة ارتكاب أي حماقة ضد إيران، وقد عملنا خلال السنوات الماضية حتى نتمكن من القيام بذلك”.
بعد ذلك بيومين، وفي انتهاك لالتزامها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) أعلنت إيران رسميًا أنها بدأت تخصيب مخزونها من اليورانيوم إلى درجة نقاء 20٪. وبالتالي فإنه إذا لم تواجه إيران أي عوائق، فبإمكانها أن تحصل على سلاح نووي واحد أو أكثر، ربما في غضون بضعة أشهر.
وفي المقابل رد رئيس وزراء الكيان الصهيوني “بنيامين نتنياهو” على الفور بإعلانه أنه لن يسمح لإيران بتصنيع أسلحة نووية. ومنذ أن أمر رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأسبق مناحيم بيغن بتدمير المفاعل العراقية عام 1981، أصبح هذا الأسلوب هو العقيدة الاستراتيجية للكيان، والتي لم تطبق فقط على إيران ولكن على جميع أعدائه المعلنين .
إلا أن الواقع العسكري الحالي ليس بهذه البساطة. فطهران تمتلك القدرة على ضرب أهداف صهيونية بصواريخ تطلق من داخل إيران نفسها، أو بصواريخ تقليدية يطلقها وكلائها في لبنان وغزة، وربما من العراق أيضًا. لكن مع ذلك فإن طهران لا تملك القدرة على “تسوية المدن الكبرى بالأرض”، وسيكون رد الكيان الصهيوني على مثل هذا الهجوم مدمرًا بشكل كبير.
من ناحية أخرى، هناك حدود لما يمكن أن يفعله الكيان الصهيوني عسكريا. فلقد تعلمت إيران دروسا من الضربات الصهيونية السابقة على المنشآت النووية لدول مجاورة. لذلك نشرت مرافق التخصيب في جميع أنحاء البلاد ولم تعد طهران تجهز مفاعل نووي واحد وبالتالي يكون هدف سهل. كما أن الكيان الصهيوني، في رأي الاستراتيجيين البارزين في هذا المجال، يفتقر إلى القدرة على القضاء على هذه المواقع بضربات بسيطة.
إن الدولة الوحيدة القادرة على مثل هذه العملية هي الولايات المتحدة. ومشكلة التصعيد النووي الإيراني الجديد ستكون الآن في البيت الأبيض أي إدارة بايدن الجديدة.
إن شرط طهران لإيقاف تخصيب اليورانيوم هو موافقة أمريكية على العودة إلى الوضع السابق لخطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي). إلا أن هذا غير مقبول للكيان الصهيوني وحلفائه العرب. فالاتفاق النووي لا يحد من برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وهذا البرنامج هو جزء لا يتجزأ من ترسانة أسلحة نووية أوسع. كما أن الاتفاق يتجاهل حقيقة أن إيران حولت لبنان وغزة إلى منصات انطلاق. كما أنه حسب وجهة نظر الكيان الصهيوني يتجاهل هدف أساسي واضح لإيران، وهو القضاء على الكيان الصهيوني. فمن وجهة نظر الصهاينة، ستؤدي جميع الأنشطة النووية الإيرانية في النهاية إلى تحقيق هذا الهدف.
استغل نتنياهو هذه النقطة قائلا: ” لا يمكن تفسير قرار إيران بأي شكل من الأشكال إلا على أنه إدراك مستمر لنيتها في تطوير برنامج نووي عسكري”.
هذا التصريح موجه لجمهور الكيان الصهيوني الذي سيتوجه إلى صناديق الاقتراع في أقل من ثلاثة أشهر. إن خصوم رئيس وزراء الكيان الصهيوني السياسيين، مهما كانت مزاياهم، يفتقرون إلى مؤهلات الأمن القومي والخبرة في السياسة الخارجية لمواجهة التهديد الاستراتيجي الجديد. إن الوقوف في وجه إيران جزء رئيس من جاذبية نتنياهو الانتخابية.
لو تمت إعادة انتخاب ترمب كان ذلك سهلا، حيث سيقوم نتنياهو مع حلفائه العرب بدفع نحو نزع السلاح النووي أو لتغيير النظام في إيران بقيادة الولايات المتحدة، على الرغم من أن ترمب قد تراجع عن تورط أكبر خلال فترة حكمه. إلا أن هذا غير مطروح على الطاولة الآن، إلا إذا أخطأت إيران في الحسابات باتخاذ مزيد من الخطوات نحو قنبلة نووية عام 2021.
سيدعو الكيان الصهيوني، أثناء المحادثات مع إدارة بايدن، الولايات المتحدة إلى الإبقاء على عقوبات اقتصادية قاسية ضد العناصر الأكثر عدوانية في النظام الإيراني والبقاء خارج إطار الاتفاق النووي كما هو قائم حاليًا. حيث سيجادل الكيان بأن قبول الإنذار الإيراني بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة سيكون استسلامًا خطيرًا من وجهة نظر حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
قد لا يقبل الكثيرين في معسكر بايدن سياسات ترمب المذكورة أعلاه. وعلى الرغم من أن إرثه أصبح الآن في حالة يرثى لها، إلا أن ليس كل ما فعله ترمب في الشرق الأوسط كان خطأ. لقد جدد نهجه المتشدد المصداقية الأمريكية في المنطقة، وأدى إلى تحالفات أقوى ومنح واشنطن نفوذا دبلوماسيا أكبر.
من الواضح أن بايدن يريد العودة إلى اتفاقية الإطار الشامل (الاتفاق النووي) ويتحدث كبار مستشاريه الآن علنًا عن شروط إضافية وتحسينات على الخطة. يمكن لرئيس وزراء الكيان الصهيوني أن يتقبل ذلك، بشرط ألا يُستثنى (وشركاؤه العرب)، كما كانوا في المرة الأخيرة، من المشاركة في المفاوضات.
قد يكون التعامل مع إيران نقطة انطلاق لشيء أكثر طموحًا من اتفاقية الحد من التسلح.
إن دخول المملكة العربية السعودية ودول أخرى في المحادثات ليس معقولًا فحسب، بل يمكن أن يعزز الثقة في العواصم العربية بأن أي صفقة جديدة تأخذ مخاوفهم ومصالحهم في الاعتبار. إذا كانت نوايا إيران خيّرة، فإن الموافقة على مشاركة تلك الدول في المفاوضات، حتى بشكل غير مباشر، يمكن أن يكون خطوة نحو تقليص الصراع في نهاية المطاف.
أثناء ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن توضح لإيران (وللموقعين الآخرين) أنها لن تعود إلى أي شكل من أشكال خطة العمل الشاملة المشتركة حتى يتم عكس التصعيد الإيراني تجاه القنبلة النووية. ويجب على الكيان الصهيوني أن يضع جانباً التهديدات للتصرف بمفرده كما لو كنا لا نزال عام 1981. إن التهديد الاستراتيجي الذي تشكله إيران النووية حقيقي. لذلك قد يأتي وقت يقرر فيه الكيان الصهيوني أنه لا خيار أمامه سوى اللجوء إلى مبدأ بيغن. لكن هذا لن يكون النهاية .
العراق والشرق الأوسط.. منطقة توتر جديدة

