السياسات الطائفية لحكومتي المالكي من عام 2006الى عام 2014:
إن إعطاء الشيعة صفة الاغلبية في حكم العراق من قبل الاحتلال دفعتها للتشبث بالسلطة بالتوافق مع الكرد لتهميش الطائفة السنية، كما دفعتها باتجاه ارساء نظام حكم طائفي لا يستند الى بيانات رسمية وحقيقية تؤيد ذلك، وإنما أستند الى المحاصصة الطائفية التي أقرها الاحتلال، وبركتها أحزاب السلطة، فالطبقة السياسية كانت مهيأة للطائفية بشكل واضح، ومستعدة لتنفيذ هذا المشروع الذي يعتبر جزء من مشروع أوسع للمنطقة، تديره ايران بمباركة أمريكية ، وصمت عربي منذ عام1979، من خلال تهيئة أذرع سياسية، وفكرية عقدية، وتنظيمات مسلحة، تتخذ من العزف على الوتر الطائفي الديني بضاعة رائجة لها، أي سنة، وشيعية، وهنالك بعد طائفي أخر بدء يظهر بقوة بعد الاحتلال وهو البعد القومي أي عربي، كردي، مستخدمين خطاب ديني طائفي عقدي، يقوم على الكراهية والحقد من خلال التذكير بالمظلومية، والمقابر الجماعية، مستخدمين المنابر السياسية، ومقرات الاحزاب، والتجمعات الدينية، والمنابر الحسينية، والمناسبات الدينية، والمآتم، ومواقع التواصل الاجتماعي، والقنوات الفضائية، في اصطفاف طائفي غير مسبوق في المجتمع العراقي الأمر الذي أدى الى احتقان الشارع العراقي، وكانت تفجيرات سامراء القشة التي بدأت مرحلة دموية جديدة من الطائفية الدموية التي تقوم على القتل، والتخريب، والتهجير.
من أهم نتائج الحرب الطائفية عام 2006، بعد تفجير المرقدين في سامراء هو إقالة رئيس الوزراء “ابراهيم الجعفري”، الذي فشل في أدارة الدولة، ولم يتخذ أي أجراء لوقف عمليات التخريب والقتل التي جرت في الكثير من المناطق وخاصة العاصمة بغداد، بل تعمد في عدم فرض حظر التجوال للحد من عمليات القتل ،وزاد على ذلك أنه سمح للأجهزة الامنية والعسكرية المشاركة في هذه الحرب الاهلية ودعم الطائفة الشيعية، حيث فتح مخازن السلاح والعتاد وسمح لهم بالتنقل لارتكاب جرائمهم دون أي رادع، بحيث لم يقدم أي شخص جراء أعمال القتل والتخريب للمحاكم، الأمر الذي استوجب أسناد رئاسة الوزراء الى “نوري المالكي” الذي ينتمي لحزب الدعوة أيضاً، حيث تمكن من حكم العراق لفترة تمتد منذ عام2006، ولغاية عام2014، بعد أن تزايدت سلطته وهيمنته على المفاصل الحيوية للدولة، من خلال أسناد المناصب الشاغرة لشخصيات مقربة وموالية له.
لقد ركز “المالكي” خلال فترتي حكمه على سيطرة وهيمنة الشيعة على مؤسسات الدولة، خصوصاً بعد توقيع اتفاقية الإطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية عام2008، بحيث استطاع تعزيز سلطته وقبضته الامنية بشكل كبير، مع تهميش واضح للمؤسسة التشريعية(البرلمان)، وتعطيل دورها الرقابي، بعد أن رفض الكثير من طلبات الاستجواب لبعض الوزراء والقيادات الامنية في حكومته، بحيث فشل البرلمان في كبح جماح سلطته المتزايدة، بسبب انقلابه على جميع التوافقات التي قامت عليها العملية السياسية، خاصة بعد أن تم تجديد فترة حكمه لولاية ثانية، بتواطؤ إيراني- أمريكي، بحيث أصبحت له سيطرة كاملة على جميع المؤسسات المستقلة، بما فيها المؤسسة القضائية، التي أستخدمها لتثبيت سلطته وسطوته، والتخلص من أعدائه، بعد أن تم تفعيل المخبر السري، ليزج بالسجون كل من يمكن أن يشكل خطراً على دولته بتهم كيدية، و تم انتزاع الاعترافات بالقوة من الكثير من السجناء الابرياء، وخاصة من المكون السني.
لقد أستغل المالكي قوة السلطة ليفرض سيطرته الكاملة على الاجهزة الامنية والعسكرية، وأصبح “المالكي” يستحوذ ويشغل مناصب متعددة منها: القائد العام للقوات المسلحة، ووزير الدفاع، ووزير الداخلية ، ومدير المخابرات العامة، ورئيس الوزراء، وغيرها من المناصب الاخرى، الأمر الذي أثار قلق الكثير من القيادات الشيعية، التي رأت بأن “المالكي” يشن حملة لتصفية خصومه السياسيين، بعد أن أطلق عملية عسكرية أطلق عليها “صولة الفرسان” ضد التيار الصدري في “البصرة”، والتي اعتبرها الصدر بأنها تشكل خطوة مهمة للهيمنة على السلطة وهي “ديكتاتورية” يمارسها “المالكي” كما وصفها ” الصدر”، كما لا بد لنا أن نشير الى نجاح “المالكي” في أبطال مسعى خصومه السنة، والشيعة، والاكراد بعدم تجديد فترة حكمه لولاية ثالثة، من خلال سن قانون يحدد ولاية رئاسة الوزراء بفترتين انتخابية فقط، بعد أن قدم استئناف لدى المحكمة الاتحادية، التي قررت بأن هذا القانون غير دستوري، وهو دليل واضح على استمرار الاستحواذ بالسلطة مما دفع “الصدر” الى التحالف مع “مسعود البرزاني”، والقوى السنية، للإطاحة بحكومة “المالكي” الأمر الذي فشل بسبب رفض الرئيس “جلال الطالباني” لهذه الخطوة.
إن قيام المالكي بتخويل الكثير من الصلاحيات للجان المستقلة، مثل “لجنة اجتثاث البعث” جعلها تمتع بصلاحيات ونفوذ كبير، جاء للتخلص من منافسيه، ولتطويق خصومه وأضعافهم، كما شهدت هذه الفترة زيارة المالكي للولايات المتحدة الامريكية حيث زار مقبرة الجنود الامريكان، ووضع أكليل من الزهور على قبور الجنود الامريكان الذين قضوا في العراق على يد المقاومة العراقية، ثم عاد الى العراق ليشن حملة أقصاء واستهداف لكثير من الشخصيات السياسية المنافسة والمعارضة له من المكون السني باستهداف مباشر، مثل “طارق الهاشمي” الذي يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، و”رافع العيساوي” الذي كان يشغل منصب وزير المالية، كما شهدت هذه الفترة اعتقال الكثير من أبناء السنة بتهم كيدية، كما انتعشت الميليشيات المسلحة، واستعرضت في الكثير من المناطق وخاصة العاصمة “بغداد”، مع صمت حكومي مطبق، كما تعززت الخلافات الداخلية بشكل كبير، بسبب تداعيات الربيع العربي، خصوصاً عندما أقدم “المالكي” على دعم النظام السوري، وأرسال الاموال، والمقاتلين، بدوافع طائفية عابرة للحدود، تنفيذاً لأوامر طهران، كما أنه قدم الكثير من الاموال لطهران، للالتفاف على العقوبات الامريكية المفروضة عليها، في سياسية طائفية مقيتة في التعامل مع هذه الملفات المهمة.
خلال الفترة الثانية لحكم “المالكي” تصاعدت الاعتصامات والاحتجاجات، حيث خرجت الكثير من المظاهرات في مدن العراق المختلفة، فمثلاً خرجت مظاهرات عام2010، في بعض مدن الجنوب العراقي، تنادي بعجز الحكومة عن تقديم وتوفير الخدمات اللازمة، مما دفع حكومة “المالكي” الى اعتقال منظمي الحراك، كما أصدر أمراً برفض التصريح لهذه المظاهرات، ثم تكررت المظاهرات في عام2011، حيث بلغت ذروتها في “محافظة البصرة” والتي سميت “بانتفاضة الكهرباء”، والتي امتدت الى مدن عراقية أخرى، حتى وصلنا الى عام2013، حيث خرجت مظاهرات سلمية عارمة في المحافظات والمدن السنية، استمرت لأكثر من سنة تطالب بحقوقها المسلوبة، وإطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات، والقيام بإصلاحات سياسية، وإحداث نوع من التوازن في مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الإقصاء والتهميش، ووقف الاعتقالات العشوائية، وإلغاء المخبر السري، وإلغاء المادة(4)إرهاب، وتغير قانون المساءلة والعدالة، وتوفير الخدمات، والمشاركة السياسية الحقيقية في القرار، وإعادة جميع المساجد والممتلكات المغتصبة من قبل المكون الشيعي حسب عائديتها، وجميع هذه المطاليب هي بسبب التهميش والاقصاء والسياسية الطائفية لحكومة المالكي.
لقد أتبع المالكي سياسية طائفية مقيتة في التعامل مع هذه المظاهرات والاعتصامات التي انطلقت في المدن السنية، عندما رفض الاستجابة لهذه المطاليب، بل جابهها باستخدام القوة لفضها، لأنه اعتبرها خطراً موجهاً ضد حكومته، وأطلق عليها “الفقاعة النتنة”، وأضاف بأنهم:” يجب أن ينتهوا قبل أن ينهوا “وفعلاً بتاريخ31كانون الأول/ديسمبر عام2013، بدأ المالكي بحملة عسكرية واسعة استخدم فيها القوة المفرطة ضد ساحات الاعتصام، التي سماها “أوكاراً للإرهابين”، بعد أن أعتقل وارتكاب الكثير من المجازر في الحويجة، والفلوجة، والرمادي، وديالى، مما دفع العشائر الى مواجهة هذه الحملة العسكرية الحكومية الطائفية التي شنت ضد شريحة واسعة ومكون رئيسي من الشعب العراقي.
لقد أحدث استخدام القوة من قبل القوات الحكومية فوضى كبيرة وانقسام حاد، حتى وصلنا الى هزيمة القوات الامنية والعسكرية في مدينة “الموصل” والتي تقدر بثلاثة فرق عسكرية، بعد أن فرت وسلمت المدينة لبضع مئات من تنظيم الدولة، ثم تلتها سقوط “محافظة صلاح الدين”، والمناطق المحيطة “بمدينة كركوك”، و”محافظة الانبار”، بعد أن فشلت القوات الحكومية في الدفاع عنها، كما فشلت سابقاً في تأمين الحماية “لسجن أبو غريب” عندما هرب المئات من السجناء من “سجن أبي غريب” وهذا يقودنا الى القول بأن ما جرى في المدن والمحافظات السنية كان بسبب السياسات الطائفية لحكومة المالكي، التي قدمت مقاربة الحل الامني والعسكري على الحل السياسي، للاستحواذ على السلطة والسيطرة على الدولة، من خلال كسر شوكة المكون السني ولو كان على حساب المصالح العليا للعراق، الأمر الذي عقد الاوضاع بشكل كبير، كون السلوك الطائفي الانتقامي كان ملازماً لعقلية الحاكم الشيعي المستبد الذي يريد الاستحواذ على السلطة والحكم بشتى الوسائل ولو كان بارتكاب المجازر.

