تصريحات رسمية بتصفيتهم:
تعتبر تصريحات “الحلبوسي” الرسمية هي الأولى فيما يخص ملف المختفين قسراً حسب تسمية القانون الدولي لهذه الجريمة التي مضى على ارتكابها أكثر من ثماني سنوات دون اتخاذ أي إجراءات قضائية أو أدارية، لذا فهو يعد أول أعتراف حكومي رسمي حول قضيتين مهمة وخطيرة من عدة قضايا متعددة أخرى تركت دون أتخاذ أي إجراء حكومي، الأولى: هي الاعتراف رسمياً بتصفية جميع المغيبين والمختطفين من أهل السنة والتي غيبتهم الميليشيات المسلحة التابعة لإيران أثناء العمليات العسكرية التي انطلقت لاستعادة المدن التي خرجت عن سيطرة الحكومة آنذاك، بعد أن فصلتهم عن عوائلهم بحجة التحقق من موقفهم الأمني، ثم وعدتهم بأطلاق سراحهم بعد ذلك، ولكن الذي جرى هو أنه تم تصفيتهم بدم بارد ولأسباب وأحقاد طائفية من قبل جماعات مسلحة تعمل تحت مظلة الدولة، وتعمل ضمن القوات المسلحة الحكومية التي اعتقلت هؤلاء المغيبين الابرياء واحتجزتهم ثم نفذت فيهم إعدامات جماعية دون أي إجراءات قانونية تذكر.
الميليشيات ترفض تصريحات الحلبوسي:
لقد شنت قوى الاطار التنسيقي حملة منسقة لإقالة “الحلبوسي” على ضوء هذه التصريحات التي أعتبروها مثيرة للطائفية، مما يثير الكثير من علامات الاستفهام؟، فالطائفية التي يتكلمون عنها تكون في التكتم على هذا الملف الخطير الذي يتعلق بأرواح الابرياء من أهل السنة، فمن يخفي مسؤوليته عن تصفيتهم هو الطائفي، كما إن الطرف الذي يرى نفسه غير متورط بهذه الجريمة يجب أن لا يمانع من فتح هذا الملف الذي يتعلق بأرواح الناس، كما أني هنا ليس بصدد الدفاع عن “الحلبوسي” الذي يعتبر جزء من النظام السياسي الفاسد، ولكن من يراقب منصات التواصل الاجتماعي والنوافذ الإعلامية المرتبطة بالفصائل والميليشيات المسلحة وأبرزها “كتائب حزب الله” و”العصائب” و”قناة صابرين نيوز” على التليغرام، وتعليقاتها على تصريحات “الحلبوسي” الذي هو جزء منهم يتوصل الى حقيقة دامغة تقول كل من يتكلم عليهم أو ينتقد تصرفاتهم فهو عدو لهم، لذا فهم يقولون:” لا تتعجب بالحديث عن المغيبين، نعم فصيل وحده واجهه(15)ألف تكفيري” في إشارة الى المغيبين الذين وصفهم بالقول” صاروا علينا مغيبين”، كما أعتبر “أحمد عبد السادة” المقرب من ميليشيا “العصائب” بأن أعلان “الحلبوسي” عن المغيبين هو لرفع رصيده السياسي، وللتغطية على تورطه بملفات فساد، ووصف المغيبين بأنهم “إرهابيون”، يعني لن يكفيهم أن يقتلوهم ويخفوا جثثهم، بل أنهم مصرين على عدم اعتبارهم حتى ضحايا ارهاب من جانب أنساني، ثم يتكلمون عن الطائفية فهل هناك طائفية أكثر من هذه؟.
لماذا تم إثارة هذا الملف في هذا التوقيت:
إن الدوافع الرئيسية لطرح هذا الموضوع في هذا التوقيت هو الضغط الشعبي على الطبقة السياسية الحاكمة وخاصة السنية منها، والتي ترى بأنها عاجزة عن الإجابة عن معرفة مصير المغيبين من مناطقهم، وعاجزة عن المطالبة بفتح هذا الملف قضائياً وتقديم الجناة الى القضاء بسبب سطوة الميليشيات ونفوذها الذي لا يسمح بفتح هذا الملف على كافة الاصعدة السياسية والقضائية والانسانية، ومن يحاول ذلك يعرض نفسه للتصفية الجسدية، والاستهداف السياسي والقضائي، بما فيها تلفيق تهمة الارهاب، أما بحجة الإرهاب، أو الانتماء الى البعث، لذا فقد أكتفى “الحلبوسي” بتحديد مصيرهم وذلك من خلال الاعتراف بتصفيتهم جسدياً دون الاشارة الى الجهة التي تقف وراء تصفيتهم، أو الكشف عن مصير الجثث، وإنما أكتفى بالمطالبة بتعويض ذويهم على اعتبارهم ضحايا إرهاب، لأن هناك الكثير من المطالبات الشعبية التي تقول بأنهم ظلموا عدة مرات وذلك عندما سلمت مناطقهم من قبل القوات الأمنية لتنظيم الدولة، والثانية عندما تم قتلهم وهم أبرياء دون أي محاكمات أو تهم تذكر، والثالثة عندما تم تغييب جثثهم، والرابعة عندما اتهموه بالإرهاب، والخامسة عندما تركت عوائلهم دون معيل، لذا يجب تعويض ذويهم على الأقل لإنهاء هذا الملف.
الأمر الآخر يعتبر ملف المغيبين هو ملف حقوقي وأمني وقضائي وأنساني وسياسي تقف ورائه التكتم عليه ميليشيات وقوى مسلحة ضاغطة على عدم فتح هذا الملف الذي سيشكل فتح أدانة واضحة لقيادات سياسية وعسكرية وفصائل مسلحة ونافذة في الحكومة الحالية، لذا فهم يحاولون حماية هذه الجهات المتورطة بقتل الابرياء من التبعات القانونية لهذا الملف الخطير الذي ينتهك جميع الاعراف والقوانين الدولية في التعامل مع أناس ابرياء وقعوا ضحايا لهذه الميليشيات الطائفية، خصوصاً وإن هناك تواطؤا من قبل السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية في التكتم على هذا الملف وعدم فتحه وذلك لما له من تبعات قانونية، علماً بأن “الأمم المتحدة” قد إعادة تسليط الضوء على ملف المغيبين في العراق في اليوم العالمي للاختفاء القسري الذي صادف في يوم30أب/أغسطس عام2020م، وذلك عندما دعت الى إجراء تحقيقات مستقلة وفعالة لتحديد مصيرهم، في حين تقف السلطات الحكومية بجميع تفرعاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية عاجزة عن فتح هذا الملف واتخاذ أي إجراءات أو خطوات لكشف مصيرهم، والسبب في ذلك هو وجود قوى مسلحة تعمل خارج إطار الدولة وتمنع فتح هذا الملف كونها ستخضع للمحاسبة والعقاب، خصوصاً وإن هناك منظمات حقوقية قد وثقت هذه الجرائم ومنها “منظمة العفو الدولية” ومنظمة “هيومن رايتس ووتش” وما نشرته صحيفة “دير شبيغل الالمانية” التي رافقت القوات الامنية في أستعادة المدن والتي وثقت الكثير من جرائم الاغتصاب، والتعذيب، والاعدامات الميدانية بدون محاكمات، بالأضافة الى المرصد العراقي لحقوق الانسان وغيرها من المنظمات الاخرى.
هناك من يقول بأن تصريحات “الحلبوسي” هو إفلاس سياسي نتيجة الصراع السياسي الداخلي بين الاحزاب والكتل السياسية والعشائرية للسيطرة على المناطق السنية التي يحكمها أصلاً الحشد الشعبي، ولكن الغريب بأن “الحلبوسي” الذي عمل كرئيس لمجلس النواب لمدة خمس سنوات صمت طوال هذه المدة عن هذه المعلومات!، كما أنه لم يطالب بفتح هذا الملف قضائياً!، وإنما أكتفى بالمطالبة بفتحها كونه إنسانياً فقط!، كما أني أسال لماذا صمت الادعاء العام والسلطات القضائية على تغييب أكثر من(22)ألف شخص؟، ولماذا صمتت الحكومات المتعاقبة على هذا الملف الخطير؟، ولماذا صمت رئيس مجلس النواب طوال هذه المدة؟، أليس هذا استهتار سياسي وقضائي وحقوقي بأرواح المواطنين ؟!، و لغرض الإجابة على هذه الاسئلة نقول: الجميع يعرف جيداً بأنه لا أحد يجرؤ على فتح هذا الملف قضائياً في الوقت الحاضر، وسكوتهم بسبب الخوف، لأنه كان سيعرض نفسه لكثير من التبعات التي تضر بمنصبه وامتيازاته، ويمكن أن تعرضه لخطر التصفية الجسدية، لذا أكتفى الجميع بعد هذه المدة الطويلة بالمطالبة بتعويض ذويهم وطرح هذه القضية من جانب أنساني فقط، لأن الجهة التي قامت بهذه الجريمة الآن هي فوق القانون، ولا تخضع للمسائلة القانونية، كما حدث في خلية الدورة وقضية اعتقال “قاسم مصلح” وغيرها من قضايا الفساد المالي والاداري.
الخاتمة:
وأخيراً نقول: بأن هذه الجرائم التي تعتبر جرائم حرب، وجرائم تطهير عرقي، لا تسقط بالتقادم مهما حاول الجلاد التكتم عليها وإخفائها، أو وضعها في غير سياقها الذي ارتكبت فيه، وذلك من خلال اعتبارهم ضحايا إرهاب من جانب أنساني فقط، وهذا لا يمكن القبول به!، ولا بد من فتح هذا الملف قضائياً اليوم أو غداً شاء من شاء وأبى من أبى، والذي يتحمل المسؤولية الكاملة عن هذا الملف حكومة “حيدر العبادي” باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، وكذلك وزير الدفاع “خالد العبيدي”، و وزير الداخلية “محمد الغبان”، وكافة القيادات الأمنية والعسكرية بما فيها ميليشيات الحشد الشعبي، وجميع هذه العناوين هي عرضةً للمسائلة القانونية، وهم تحت طائلة المحاسبة والعقاب لمعرفة المتورطين بهذه الجريمة التي يندى لها جبين الانسانية، كما إن التكتم على هذه الجريمة وعدم فتح التحقيق فيها قضائياً طوال الفترة الماضية يعد جريمة أخرى للتستر على الجناة وحمايتهم، لأن الجهة معروفة ولكنها أقوى من الدولة، لذا فأن تجاهل الحكومة والسلطات التشريعية والقضائية لهذا الملف يؤكد ضرورة العمل على تدويل هذه الجريمة باعتبارها جرائم ابادة مارستها ميليشيات مسلحة خاضعة لسلطة الدولة التي طالما عجزت عن أنصاف ذوي الشهداء والمغيبين، لذا سيبقى هذا الملف مفتوحاً لحين تقديم الجناة الى المحاكم لينالوا جزائهم العادل.

