Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

دولة الزعامات والأهواء السياسية

شاهو القره داغي

من المعروف أن قوة الدولة وهيبتها تُقاس دائماً بمدى جعل الدستور والقوانين فوق الجميع مع وجود أجهزة أمنية فاعلة وقضاء مستقل ومؤسسات قائمة على الحياد والاحترافية، وكلما كانت الدولة أكثر مؤسساتية كلما تحولت إلى دولة مستقرة وقادرة على الانتقال إلى مستويات أعلى في القوائم الدولية.
أغلب وعود (المعارضة العراقية) قبل 2003 كانت حول بناء دولة ديمقراطية وعصرية تُركز جهودها على تحقيق مطالب المواطنين، وبعد 2003 ، وبعد مرور 19 عاماً على سيطرة الأحزاب والأطراف السياسية الحالية على الحكم، لم يتم يتحقق حتى الحد الأدنى من مطالب المواطنين او تلبية احتياجاتهم، بل على العكس تماماً تم بناء دولة مشوهة وفق رغبات وأهواء السياسيين وصناع القرار الموالين للخارج، في ظل غياب كامل للمؤسسات وضعف القانون والقضاء، وتحول هذه المؤسسات والسلطات المهمة إلى أدوات بيد السياسيين لتصفية الحسابات السياسية فيما بينهم.
يقول مونتسيكو: إن ” القانون يجب أن يكون مثل الموت الذي لا يستثني أحدا” وهذه القاعدة معروفة لدى أغلب الدول المحترمة والمتطورة في العالم، بينما في العراق ينطبق مقولة جوناثان سويفت: “القوانين مثل خيوط العنكبوت تمسك بالذباب الصغير بينما تسمح للدبابير باختراقها”، وعندما يشعر المواطن بوجود ازدواجية واضحة في تطبيق وتنفيذ القوانين، فإنه ينظر إلى القانون بنظرة استحقار وازدراء وليس بنظرة احترام وتقدير.
خلال السنوات الماضية، وبسبب الخلافات السياسية بين الأطراف الشيعية والسنية، تم شيطنة العديد من القيادات والسياسيين خصوصا من مكون واحد وملاحقتهم أمنياً وقضائياً واتهامهم بالعمالة والخيانة والتآمر على العراق، ويبدو أن هذه الاتهامات جاءت نتيجة للخلافات والصراعات السياسية الموجودة داخل الساحة العراقية والتي أدت إلى تضرر الآلاف من المواطنين والابرياء ودفعهم ثمن مغامرات وصراعات السياسيين.
اليوم وفي ظل الصراع السياسي على تشكيل الحكومة القادمة بين جماعة الإطار التنسيقي الذي يجمع أغلب الفصائل الموالية لإيران، وبين التيار الصدري وحلفائه من بعض الأطراف الكردية والسنية، نرى أن الأطراف السياسية مستعدة لاتخاذ أي خطوة في سبيل ضرب الطرف الآخر، ومن بين هذه الخطوات إعادة القيادات السياسية السابقة إلى الواجهة والتي كانوا يتهمونها بالخيانة والإرهاب والانخراط في مؤامرات إرهابية لضرب البلاد، ليعودوا مجدداً إلى الساحة السياسية بحماية القوات الأمنية وإسقاط جميع هذه التهم.
يشعر المواطن في ظل هذا النظام الحالي أن الأجهزة الأمنية والقضائية ليست مستقلة أو محايدة ولا تلعب دورها بصورة كاملة، بل تحولت إلى جزء من الصراعات السياسية وأدوات تُستخدم من قبل الفاعل السياسي لتصفية الحسابات وكسب وتحقيق الأهداف السياسية دون التفكير بتداعيات وتبعات هذه المواقف التي تؤكد أن المؤسساتية غائبة وأن الدولة أصبحت تُدار وفق الأهواء السياسية ورغبة الزعماء والقادة ممن عملوا على بناء منظومة سياسية مُفصلة على مقاسات أفكارهم وتوجهاتهم ومصالحهم.
ببساطة الوقوف والعمل مع الأحزاب السياسية الشيعية ذات الأذرع المسلحة يوفر لك غطاءً قانونياً وحصانة كاملة من المسائلة والمحاسبة والتحرك بحرية دون أي عراقيل، بينما مخالفة هذه الأطراف قد تؤدي إلى الملاحقة القانونية والقضائية والسجن والاعتقال.
تكرار هذه المواقف وخاصة في فترة الصراعات السياسية يعطي انطباعاً وإشارات سلبية عن دور مؤسسات الدولة والحكومة العراقية، وخاصة في ظل إطلاق الحكومة الحالية للكثير من الوعود والتعهدات بإجراء تغييرات جوهرية وإعادة هيبة الدولة واحترام المؤسسات وتطبيق القانون بصورة كاملة، إلا أن الواقع يؤكد الاستمرار في نهج تغييب وتعطيل الدولة وتغليب حكم ومبادئ اللادولة والفوضى والحفاظ على ضعف الحكومة لسهولة التحرك الحزبي وتحقيق المصالح الشخصية الضيقة على حساب المصلحة العامة .
لعل الانتخابات المبكرة كانت طريقاً لتأسيس الدولة الحقيقية والاستجابة لمطالب المواطنين وانهاء الفساد والمحسوبية وتغليب المصالح العليا للبلاد على المصالح الحزبية الضيقة بحسب شعارات الأحزاب السياسية والقوى المسيطرة على العملية السياسية، إلا أن الواقع أظهر العكس تماماً وتأكد مجدداً أن الأحزاب السياسية لم تتعلم الدرس من انتفاضة تشرين والسخط الشعبي، حيث أنها فشلت في تشكيل الحكومة بعد مرور أكثر من خمسة أشهر على الانتخابات نتيجة للصراعات الحزبية والنزاعات على المناصب والمصالح والنفوذ.
يبدو واضحاً من خلال هذه المواقف والأحداث أن المشهد المستقبلي في الساحة السياسية العراقية لن يكون مختلفاً كثيراً عن تجارب الفترة الماضية، نتيجة لبقاء نفس العقلية السياسية التي تُبرر كل الأفعال الغير قانونية والغير مشروعة في سبيل الوصول إلى مصالحها ونفوذها، وتساهم في تقويض مؤسسات الدولة والتقليل من شأنها وزيادة الشرخ بينها وبين المواطنين، حيث يُركز هذه العقلية على بناء النفوذ الحزبي والزعامات على حساب تقزيم دور الدولة وتهميشه بصورة تدريجية، دون التفكير بالنتائج السلبية لهذه الخطوات وتأثيرها الخطير على مستقبل البلاد وعلى حس الانتماء لدى المواطنين.
يعيش المواطن في خشية وقلق مستمر وهو يرى طريقة استغلال القانون واستخدام المؤسسات الأمنية والقضائية لتصفية الحسابات السياسية، ما يؤدي إلى زيادة الشرخ والهوة بين المواطنين وبين هذه الأجهزة، بل يفقد المواطن ثقته بها، لأنه سوف يشعر أنه قد يتعرض لاستغلال هذه الأجهزة أيضا.

مقال خاص براسام

Exit mobile version