Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

التخوين سلاح ميليشياوي لتصفية الحسابات السياسية

شاهو القره داغي

بالرغم من وصول الطبقة السياسية الحالية وخاصة الأحزاب والفصائل والجماعات المسلحة إلى الحكم فوق الدبابة الأمريكية، ومعرفة الجميع بأن هذه الجماعات لم تكن لتحلم بالوصول إلى السلطة والحكم لولا الولايات المتحدة الامريكية وتدخلها لإسقاط النظام العراقي السابق عام ٢٠٠٣، إلا أن هذه الأطراف تحاول دائما أن ينسوا العراقيين هذه الحقيقة عن طريق اتهام الآخرين بالخيانة والعمالة والتعامل مع أمريكا وإسرائيل ودول الخليج وغيرها من بلدان العالم.
كان التخوين سلاحًا رئيسيا و جوهريا لدى الميليشيات لتشويه الآخرين والتحريض عليهم واستهدافهم لاحقا، حيث مع اندلاع التظاهرات الشعبية عام ٢٠١٩ ضد حكومة عادل عبد المهدي، بدأت المنصات الإعلامية والقنوات الفضائية التابعة للفصائل المسلحة بتخوين المتظاهرين والشباب المسالمين والتحريض على استهدافهم بحجة العمالة إلى الخارج، في محاولة لتشويه حراكهم لدى الشارع العراقي، وأدى هذا الخطاب الإعلامي إلى دفع عناصر هذه الفصائل إلى استهداف العديد من الناشطين والصحفيين والمتظاهرين السلميين أثناء التظاهرات، فكانت وسيلة ناجحة من قبل الفصائل لإخماد التظاهرات بقوة العنف والسلاح تحت مبرر محاربة الخونة والعملاء .

أصبح من المعروف لدى الجميع أن هذه السياسة أصبحت متلازمة للفصائل المسلحة والأحزاب السياسية الموالية لإيران، وباتت تستهدف بخطابها الإعلامي الطرف الكوردي وتتهمه بالعمالة والتخوين عندما يحصل خلافات سياسية بين الأطراف الشيعية والكردية، اضافة إلى اتهام الأطراف السنية بالعمالة لدول الخليج عند وجود خلافات سياسية بين الطرفين، في محاولة لتخوين جميع المخالفين لسياسات الأحزاب القريبة من إيران واستخدام هذا السلاح للتحريض والضغط على هذه الأطراف للحصول على مكاسب سياسية، اضافة إلى تخويف هذه الأطراف بتحريك الشارع تحت هذه الاتهامات والذي من الممكن أن يؤدي للفوضى والتخريب كما حصلت في مناسبات سابقة.

ويبدو أن الفصائل المسلحة اعتادت على استخدام هذا الاتهام مع كل الأطراف السياسية المعارضة لسياساتها، حيث مع تصاعد الخلافات بين التيار الصدري وحلفائه من جهة، والإطار التنسيقي الجامع لكل الميليشيات والفصائل المسلحة من جهة أخرى، اصبحنا نسمع كذلك في الإعلام الولائي عن تخوين التحالف الذي يقوده مقتدى الصدر واتهامه بالعمالة إلى الخارج والعمل على محاربة العراق من خلال هذا التحالف.
ووصل الأمر ذروته في جلسة البرلمان عندما نجح الاطار التنسيقي في افشال عملية اختيار رئيس الجمهورية، حيث قال النائب التابع للإطار التنسيقي فالح الخزعلي “نجدد الفوز على الإمارات للمرة الثانية” في اتهام واضح لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بقيادة مشروع إماراتي في العراق وبالتالي استخدام نفس سلاح التخوين والاتهام بالعمالة في سبيل تشويه المنافسين والخصوم عن طريق هذه الاتهامات المتكررة .
اتهام الصدر بقيادة مشروع إماراتي او إسرائيلي في العراق يوضح جيدا مدى استعداد الميليشيات والفصائل المسلحة إلى اللجوء إلى الأكاذيب والتناقضات والازدواجية في سبيل شرعنة وجودها وتشويه المقابل مهما يكن الطرف الاخر وبغض النظر عن انتمائه وطائفته.
قبل أعوام وكردة فعل على مقتل الجنرال الإيراني داخل العراق قاسم سليماني، أعلن مقتدى الصدر عن مجموعة خطوات منها دعوة “الفصائل العراقية إلى اجتماع فوري لإعلان عن تشكيل (أفواج المقاومة الدولية) وبعدها بأيام عقد الصدر اجتماعا في إيران مع قادة الميليشيات العراقية البارزة التي قبلت بالعمل والتنسيق مع مقتدى الصدر للرد على الهجوم الأمريكي.
اضافة إلى أن قادة أبرز الفصائل العراقية كانوا يعملون سابقا ضمن تشكيلات الصدر العسكرية ، قبل ان ينشقوا بسبب خلافات سياسية، وجميعهم كانوا يؤكدون دائما أن مقتدى الصدر من قيادات (المقاومة) ومصدر إلهام واحترام لدى الجميع.
ولكن بعد حصول خلافات سياسية بين الطرفين، نرى انهم يتهمون حتى مقتدى الصدر بالخيانة والعمالة إلى الخارج، و ليؤكدوا مجددا ان مبدأ التخوين قد يشمل الجميع حتى الشخص الذي كانوا يعتبرونه سابقا زعيما للمقاومة، وهذا مؤشر واضح على أن هذه الاتهامات ليست مستندة على معلومات دقيقة أو موجودة بل هي استراتيجية ثابتة لدى الميليشيات لتشويه الأفراد والكيانات والأحزاب السياسية التي تدخل معها في خلافات بشأن المصالح والمناصب والنفوذ.
كل شخص أو طرف عراقي يعارض الميليشيات من الممكن أن يتعرض لحملة تشويه منظمة من قبل عشرات الوسائل الاعلامية التابعة لهذه الأطراف والذي قد يؤدي لاحقا إلى التحريض على القتل او اشعال الفتن والمشاكل والفوضى.
وبسبب غياب أو ضعف القانون والرقابة وخوف الأجهزة الرسمية الحالية من سلاح الفصائل، لا يمكن للأطراف الأخرى ان يلجأوا إلى القانون او القضاء لأنه وبحسب شريعة الغاب فإن البقاء للأقوى، وأصحاب السلاح يعملون وفق هذا المبدأ، وهذا ما دفعهم لحرق مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد كردة فعل على تغريدة على تويتر من شخص ينتمي للحزب الديمقراطي الكردستاني تحدث فيها عن المرجعيات الدينية.
وكانت القوات الأمنية الموجودة في المنطقة تشاهد منظر دخول الميليشيات إلى المقر وحرقه ونهبه بالكامل دون أي تدخل، في مظهر واضح يظهر قوة اللادولة وغياب وخوف وضعف الدولة وعجزها عن إنفاذ القانون على الأطراف التي تحمل السلاح وتستقوي بإيران لاستمرار نفوذها وبقائها على الساحة العراقية لأطول فترة ممكنة.
الأطراف السياسية ساهمت في اخماد الاحتجاجات عن طريق إطلاق الوعود بحدوث التغيير بعد الانتخابات البرلمانية المبكرة، إلا إن العراقيين يشاهدون اليوم أن الأمور ذاهبة نحو الأسوأ في ظل وجود وتحكم هكذا عقلية بالمشهد السياسي والأمني وانتشار ثقافة التخوين والتحريض على الآخرين بسبب الخلافات السياسية، والذي يساهم في خلق بيئة ملوثة غير سليمة للعمل السياسي وحتى على مستوى الأفراد العاديين الذين يخشون من التعبير عن آرائهم بحرية في دولة ترفع شعار الديمقراطية وتتباهى بقيم الحريات والحقوق بينما على الواقع نرى مظاهر حكم الميليشيات واصحاب السلاح فقط.

مقال خاص براسام

Exit mobile version