Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

فلسطين في العقل العراقي: المواقف والفعاليات الشعبية خلال العهد الملكي (الموصل إنموذجاً)/ الحلقة الرابعة

أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مثلت القضية الفلسطينية إحدى مآسي التاريخ الكبرى والتي وقع ظلمها على الامة العربية عامة، والشعب العربي في فلسطين خاصة، وكما – ذكرنا – أصبحت فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة تحت الانتداب البريطاني، وأدخل وعد بلفور في صك الانتداب، واستمرت مقاومة العرب لوعد بلفور والهجرة الصهيونية، وحدثت انتفاضات عربية، وكان قرار بريطانيا مشروع تقسيم من خلال لجنته الملكية.

وعلى ما يبدو أن مشروع التقسيم كان وقعه السيء في نفوس الموصليين الذين دعوا إلى تجمع جماهيري أمام الجامع النوري الكبير للتنديد على قرار اللجنة الملكية البريطانية تضامنا مع شعب فلسطين، وعدوا القرار إجحافاً بحق العرب والإسلام واعتداءً صارخاً على كرامة الأمم وحريتها، ورفعوا برقية احتجاج إلى السفير البريطاني طالبوا فيها بإيصال صوتهم إلى حكومته، كما أبلغوها بأن الأمة من حقها أن تثأر لعزتها المسلوبة وكرامتها الجريحة ووطنها المظلوم، ووقّع البرقية نيابة عن المجتمعين: الشيخ بشير الصقال، إبراهيم محمود الجلبي، محمد علي الحاج داوود الخشاب.

ومن الملاحظ أن حكومة (جميل المدفعي الرابعة) التي شكلها في ١٧ آب ١٩٣٧م، منعت المظاهرات في التعبير عن الاحتجاج، حيث أصدرت مرسوماً لمنع الدعاية الضارة فعدّهُ مجلس النواب قانوناً برقم (٦٠) لسنة ١٩٣٨م، كما أحجم المدفعي وزارته عن مساندة الثورة الفلسطينية ومناوأته لسعيد الحاج ثابت (رئيس جمعية إعانة منكوبي الثورة في فلسطين).

كما أقدمت متصرفية البصرة على معاقبة ثلاثة عشر طالباً بالجلد، وأنذرت اثنين وثلاثين آخرين بسبب المظاهرة التي نظموها احتجاجا على أعمال الصهاينة تضامنا مع إخوانهم العرب في فلسطين.

أما بخصوص الموقف من مشروع الكتاب الأبيض أو ما يعرف بكتاب (ماكدونالد) الذي أصدره عام ١٩٣٩م بخصوص فلسطين، وهو بالحقيقة وثيقة سياسية أصدرتها الحكومة البريطانية رداً على ثورة فلسطين ١٩٣٦ بعد الموافقة الرسمية عليها في مجلس العموم في ٢٣ أيار ١٩٣٩ عملت كسياسة تحكم فلسطين الانتدابية من عام ١٩٣٩ إلى رحيل بريطانيا عام ١٩٤٨ بعد الحرب العالمية الثانية.

دعت الوثيقة إلى إقامة وطن قومي لليهود في دولة فلسطين في غضون (١٠) عشر سنوات، رافضة فكرة لجنة بيل بتقسيم فلسطين، كما حددت الهجرة اليهودية (٧٥٠٠٠) ترخيص هجرة على امتداد خمس سنوات، وقضت بأن المزيد من الهجرة سيتم تحديدها.

لم يلب الاقتراح المطالب السياسية التي اقترحها الممثلون العرب خلال مؤتمر لندن ورفضه رسمياً ممثلو الأحزاب العربية الفلسطينية، كما رفضت الجماعات الصهيونية في فلسطين الكتاب الأبيض وقادت حملة من الهجمات على الممتلكات الحكومية استمرت لمدة أشهر، في ١٨ أيار تمت الدعوة إلى اضراب يهودي عام.

تم تنفيذ اللوائح الخاصة بنقل الأراضي والبنود التي تقيد الهجرة ولكن في نهاية السنوات الخمس – في عام ١٩٤٤م – تم استخدام (٥١٠٠٠) فقط من أصل (٧٥٠٠٠) شهادة هجرة المنصوص عليها أثرها عرض البريطانيون السماح باستمرار الهجرة إلى ما بعد الموعد النهائي لعام ١٩٤٤م، بمعدل (١٥٠٠) شهريا حتى يتم ملء المتبقية من شهر كانون الأول ١٩٤٥ حتى نهاية الانتداب عام ١٩٤٨م، لم يتم تنفيذ البنود الرئيسية في النهاية بسبب معارضة مجلس الوزراء وبعد التغيير في الحكومة وفيما بعد الانشغال بالحرب العالمية الثانية.

بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية في أيلول ١٩٣٩م أعلن رئيس الوكالة اليهودية في فلسطين (دافيد بن غوريون): ” سنقاتل الكتاب الأبيض وكأنه لا حرب، ونخوض الحرب وكأنه لا يوجد كتاب أبيض”.

ودعت اللجنة العربية العليا إلى حظر كامل ونهائي للهجرة اليهودية ونبذ سياسة الوطن القومي اليهودي كلياً.

أما مجلس عصبة الأمم فقد اختلف أعضاؤها حول تفسير مضمون الكتاب الأبيض لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية أدى إلى تعليق المداولات.

ـجمعية الدفاع عن فلسطين:

كانت جمعية الدفاع عن فلسطين أكثر الجمعيات العراقية شهرة ونشاطاً وتأثيراً، فقد فتحت لها فروع في جميع أنحاء العراق وترأسها رجال معروفون في المجتمع العراقي، وهذا مما أثار اهتمام السفارة البريطانية بشكل خاص.

أما فرع الجمعية في الموصل فقد تأسست في نيسان ١٩٣٨م بموافقة وزارة الداخلية في ١٢ آذار ١٩٣٨ التي قضت بالسماح لفتح فروع للجمعية في كافة أنحاء العراق، وعلى أثر ورود إجازة التأسيس تألقت لجان فرعية في الألوية والأقضية بإشراف متصرف اللواء والقائم مقامين ومدراء النواحي، حددت سياستها لمتابعة جمع الإعانات لمنكوبي فلسطين، ويظهر أن الحكومة ساندت المشروع بحماس ملحوظ من أجل إنجاحه، وظهر ذلك بتأكيدات الحكومة.
وكانت الجهود التي بذلتها فرع الجمعية بالموصل على مستوى التبرعات متميزة ، بحيث أقدمت الجمعية في بغداد بإرسال كتاب يشكر فيه جهود فرع جمعية الموصل وعدّها جهوداً متميزة في الدفاع عن قضية فلسطين.

بعد اخفاق ثورة نيسان – مايس ١٩٤١م، أغلق فرع الجمعية بالموصل في اليوم الثاني من شهر آب ١٩٤١م وأنهى أعمالها.

ومن الجدير بالذكر أن أحد أبناء الموصل – عبد الجبار الجومرد – غادر إلى باريس لإتمام دراسة الدكتوراه، وخلال دراسته هناك تكشفت له عن كثب ألاعيب الصهيونية العالمية ومطامعها وتآمرها على العرب وتشجيع الدول الاستعمارية لها، وكان دائم الاتصال بالطلبة العرب من أقطار المغرب العربي، وخلال اللقاءات كانت فلسطين هي المحور الأساسي، وقد أسس هؤلاء الشبان (جمعية الشباب العربي) وانتخب (عبد الجبار الجومرد) رئيساً واتخذت من (نادي الجزائريين) بباريس الذي كان يرأسه (الفضيل الورتلاني) مقراً له، وكانت هذه الجمعية تعقد اجتماعات ولقاءات دورية للتداول من أجل العمل لدعم نضال فلسطين، وفي صيف عام ١٩٣٩م، عقدوا اجتماعاً لجميع الطلبة العرب في باريس لدراسة الأوضاع العربية وخاصة فلسطين وسبل الدفاع عنها.

وعلى أثر نزول قوات الحلفاء في فرنسا حزيران عام ١٩٤٤م ومن ثم هزيمة الألمان، نشطت الحركة الصهيونية في باريس حيث لم تشهد الساحة الفكرية والسياسية في فرنسا قبل عام ١٩٤٤م نشاطاً لمنظمات صهيونية على النطاق السياسي، تحرك (الجومرد) ورفاقه من الطلبة العرب للوقوف بوجه هذا النشاط الصهيوني ودعايته من أجل تحويل فلسطين إلى دولة يهودية وقاموا بتأسيس (جمعية أصدقاء فلسطين العربية) في صيف عام ١٩٤٤م، واتخذت من (نادي شمال افريقيا) مقراً لها وتم انتخاب هيئة إدارية لها وانتخب (الجومرد) رئيساً ونجيب صدقة (سكرتيراً).

لاقت الجمعية بعد شروعها بالعمل تجاوباً ودعماً من الجالية العربية في باريس، فضلاً عن المناصرين للقضية الفلسطينية من الفرنسيين الذين كانوا يقومون بالتبرع لدعم نشاطاتها، وقامت الجمعية بطبع المناشير والنشرات الإعلامية التي توضح أحقية الشعب العربي في فلسطين، داحضة في الوقت نفسه مزاعم الصهيونية، ومن ضمن نشاط الجمعية الإعلامي أقدم (عبد الجبار الجومرد) في عام ١٩٤٥م، على تأليف كتاب باللغة الفرنسية بعنوان (مأساة فلسطين العربية) بغية إطلاع الرأي العام العالمي عامة والفرنسي خاصة، على الخطر الصهيوني وعلى الجريمة التي سترتكبها الصهيونية العالمية بدعم واسناد من الاستعمار البريطاني على أرض فلسطين.

وقامت الجمعية بطبع الكتاب وتوزيعه على المؤسسات الاجتماعية والقنصليات الأجنبية والمكتبات والمقاهي لأجل إيصاله إلى أكبر عدد ممكن من الناس، حددت الجمعية سعر بيعه بمبلغ زهيد – وهو فرنك فرنسي واحد -، وقد ترك الكتاب صداه الإعلامي المؤثر بحيث قامت العناصر الصهيونية بشراء كميات كبيرة من نسخه التي وزعت على المكتبات لبيعها وقامت بإحراقها.

وقد عدّ هذا الكتاب من طلائع الكتب التي صدرت في تلك الفترة عن القضية الفلسطينية باللغة الفرنسية ونال اهتمام الصحافة الفرنسية والعراقية، في وقت كان الصهاينة ينتهزون أية فرصة للدعاية وتزييف الحقائق.

وعندما أعلنت لجنة التحقيق البريطانية – الأمريكية التي تشكلت في ١٩ كانون الأول ١٩٤٥م توصياتها في ٢٠ نيسان ١٩٤٦ بإدخال مئة ألف يهودي إلى فلسطين مبررة أن فلسطين تستطيع استيعاب كل اليهود، وعلى أثره شكلت الأحزاب العلنية الخمسة (الاستقلال الوطني الديمقراطي والشعب والاتحاد الوطني والأحرار) في ٣ أيار لجنة باسم (لجنة الدفاع عن فلسطين) وأصدرت بيانا مشتركا دعت فيه إلى الاحتجاج على توصيات اللجنة – سنتطرق إلى التفاصيل في الحلقة القادمة -.

المصادر:

– ناجي علوش، الحركة الوطنية الفلسطينية أمام اليهود والصهاينة ١٨٨٢ – ١٩٤٥م، دار الطليعة، (بيروت، ١٩٧٨م).
– عبد التواب أحمد سعيد، العراق والقضية الفلسطينية ١٩٣٦ – ١٩٤٧م، (كلية الآداب، جامعة عين شمس ١٩٧٨م).

Exit mobile version