Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

الفوضوية في إدارة الدولة

الباحث: حسين صالح السبعاوي

لم يشهد العراق عبر تاريخه فوضى عارمة وعامة في كل شيء كما يشهده اليوم من فوضى سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، حيث عمت الفوضى كافة مفاصل الدولة وأدخلت الشعب في دوامة لا يعرف نهايتها، دوامة تجعل الحليم فيها حيرانا، ويبدو أن هذه الفوضى ليست من فراغ بل خطط لها من قبل الاحتلال الذي بالأصل يحمل مشروعا فوضويا للمنطقة والذي أطلق عليه ( الفوضى الخلاقة ) التي جاءت به القيادة الأمريكية بعد الاحتلال عام ٢٠٠٣ على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية ومستشارة الأمن القومي في عهد الرئيس جورج بوش، وقد نتج عن هذا المشروع تشريد السكان وقتل مئات الآلاف من العراقيين، في فوضى بحيث لا يعرف القاتل لماذا يقتل ولا المقتول يعرف لماذا قتل، هذه الفوضى جعلت من العراق بلدا من أخطر البلدان على المدنيين والناشطين والصحفيين وغيرهم، بعدما كان بلدا آمنا للجميع يستطيع الراكب فيه أن يسير من البصرة في أقصى الجنوب إلى زاخو في أقصى الشمال، لا يخشى على نفسه ولا على ماله من السطو والنهب، بينما اليوم لا يستطيع المواطن أن يأمن على نفسه في عمله ولا حتى في داره، ويعتبر الاحتلال الأمريكي والإيراني وأدواتهم مسؤولين عما يجري من هرج ومرج في العراق، وهم مسؤولون عن كل قطرة دم سفكت ظلما وعن كل مالٍ نهب سواء من الدولة أو من المواطن، وعلى رأس هذا النوع من الفوضى هي الفوضى في إدارة الدولة والتي يمكن تلخيصها بما يلي:
١- الفوضى السياسية : يعتبر العراق هو البلد الوحيد الذي تجرى فيه انتخابات لا يستطيع الفائز فيها تشكيل حكومة، ولا يقبل الخاسر فيها أن يكون ضمن المعارضة السياسية، والعراق هو البلد الوحيد الذي تجرى فيه انتخابات تحت سطوة سلاح المليشيات التي تهدد فيها المرشح قبل الناخب، وهو البلد الوحيد الذي يريد كل من اشترك في الانتخابات أن تكون له حصة في الحكومة، والعراق هو البلد الوحيد الذي تباع فيه المناصب.
مع هذه الممارسات السياسية كيف سيكون شكل الحكومة؟ وهل سيكون فيها مكاناً للكفاءة والنزاهة؟
٢- الفوضى الأمنية: منذ أن أصدر الحاكم المدني بول بريمر قراره السيء عام ٢٠٠٣ بحل الجيش العراقي وكافة المؤسسات الأمنية واستبدالها بالمليشيات، حلت الفوضى الأمنية في العراق وكثر القتل على الهوية وعلى أسس طائفية وهجرت الناس من بيوتها وفتحت مخيمات النزوح وكثرت الاعتقالات على الشبهة أو من خلال وشاية المخبر السري، ولم تبق حتى قرية واحدة آمنة في العراق بغض النظر عن المدن الكبرى التي أصبح العيش فيها تحت رحمة المليشيات وسطوتها، والتي سامت الناس سوء العذاب ولم يجرأ أحد على محاسبتها بما فيها الحكومة .
٣- الفوضى في المال والإقتصاد: العراق هو البلد الوحيد الذي يسيطر على حدوده والموانئ فيه ومطاراته مجاميع مسلحة تتقاسم وارداته المالية على حساب الدولة، والعراق هو البلد الوحيد الذي لم تستطع الدولة السيطرة على موارده الطبيعية وأهمها النفط، الذي يهرب الى الخارج من قبل المليشيات، والعراق هو الوحيد الذي تقوم السلطات المالية بتخفيض سعر العملة الوطنية ليرتفع سعر العملة الأجنبية، والعراق هو البلد الذي انتشر فيه الفساد أفقياً وعمودياً بحيث وصل فيه الفساد من الوزير إلى بواب الوزارة والكل يشتكي من الفساد والكل يكتفي بالتفرج بما فيهم الحكومة، والعراق هو بلد نفطي وفيه نهرين وروافدهما ولكن نسبة كبيرة من شعبه تعيش تحت خط الفقر والبطالة.
٤- الفوضى الاجتماعية: يعاني العراق اليوم من فوضى عارمة وصلت إلى القبيلة والأسرة، فالأب لا يهتم بتربية أولاده ولا بتعليمهم والولد لا يهمه إلا كيفية حصوله على المال لشراء المخدرات حتى لو كان بالسرقة، والطلاق بين الأزواج انتشر بطريقة مخيفة، لينعكس ذلك سلبا على الأبناء وتتفكك الأسرة التي هي لبنة المجتمع، أما القبائل فأصبح همها الوحيد الحصول على المال والسلاح لمواجهة غزوات القبائل الأخرى، وكأننا في عصر الجاهلية الذي كانت فيه القبيلة تحل محل الدولة، وما نشاهده اليوم من امتلاك القبائل أسلحة خفيفة ومتوسطة حتى بعضها تمتلك الصواريخ، ما هذا كله إلا انعكاس لحالة الفوضى في إدارة الدولة العراقية التي حولت جميع جغرافية العراق إلى فوضى ومناطق غير آمنة.
سلطة العشيرة في العراق اليوم أقوى من سلطة الدولة في كثير من المناطق في الوقت الذي يفترض أن تكون العشيرة هي الوحدة الاجتماعية التي ترفد الدولة بأبنائها لبناء مؤسسات الدولة، أما ما دخل إلى العراق من أفكار شاذة وغريبة مخالفة تماما لعادات وتقاليد الشعب العراقي ذو الأغلبية المسلمة، بحيث أصبح الإلحاد منتشرا بين كافة أطياف المجتمع العراقي ولا يوجد اليوم حكومة أو مؤسسة تحذر من هذا الوباء الفكري الخطير الذي بدأ يغزو عقول أبنائنا وعوائلنا، والطامة الكبرى أن من يحكم البلد اليوم هي أحزاب تدعي أنها إسلامية! وأعتقد لو لا فساد هذه الأحزاب وانحرافها عن جادة الصواب لما وصل الإلحاد في العراق إلى ما وصل إليه اليوم.
هناك سمتان يمتاز بها النظام السياسي في العراق إضافة للفساد وهما الفوضوية والشعبوية في إدارة الدولة، ومعلوم أن الشعبوية والفوضوية لا تخضع لقانون يضبطها ولا لدولة مؤسسات بل الغالب عليها الاجتهادات والانفعالات ويسودها الجهل والأمية السياسية، وهاتان السمتان لم تكونا موجودتان في السياسة العراقية قبل ٢٠٠٣ والتي كانت تعتمد على النخبوية والكفاءة في العمل السياسي، أما الشعبوية فهي ممكن أن تكون داخل المجتمع ومحدودة وليست عامة وهذا حال أغلب شعوب العالم لكن أن تصل الشعبوية والفوضوية إلى رجال السلطة والسياسة فهذه حالة لم يألفها الشعب العراقي، لا في العهد الملكي ولا العهد الجمهوري، ولكنه يعيشها اليوم في ظل الاحتلال الأمريكي والإيراني على العراق، سيما أن الإثنين متخادمان ومتوافقان للحفاظ على هذه الطبقة السياسية خدمة لمصالحهم وزيادة لنفوذهم في العراق.

مقال خاص براسام

Exit mobile version