أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
تميز الوضع السياسي في العراق قبيل الحرب العالمية الثانية بالقلق الشديد وبخاصة بعد وفاة الملك غازي في ليلة ٣/٤ نيسان ١٩٣٩م في حادثة السيارة، حيث اتهم الرأي العام في العراق بريطانيا بتدبير اغتيال الملك غازي الذي أثارت مواقفه بشأن الكويت وفلسطين غضب الإنكليز.
وأصبح (عبد الإله بن علي) وصياً على الملك (الطفل) فيصل الثاني (ذي الأربع سنوات) في ٤ نيسان ١٩٣٩م، وكان (نوري السعيد) رئيسا للوزراء في ذلك الوقت فأعاد تشكيل وزارته في ٦ نيسان ١٩٣٩م، ووعدت الوزارة في منهاجها باتباع سياسة تتفق مع أماني الشعب العراقي وتطلعاته، وفي الوقت الذي انصرفت فيه الوزارة لمعالجة الأمور الداخلية، ساء الوضع العالمي كثيراً، فأعلن نوري السعيد في ٣٠ نيسان ١٩٣٩م أن سياسة حكومته الخارجية تقوم على: –
أولاً – التحالف مع الأقطار العربية المستقلة والصداقة المخلصة مع الدولتين الجارتين تركيا وإيران متمثلة بروح ميثاق سعد آباد.
ثانياً – التحالف مع بريطانيا العظمى.
تطورت الاحداث العالمية بسرعة، فأعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا في (٣ أيلول ١٩٣٩م) مما أدى الى اضطراب الحياة السياسية والاقتصادية في مناطق مختلفة من العالم.
ففي بغداد أصبحت الأوضاع التجارية والمالية غير مستقرة وأوقفت الودائع في البنوك وبدأ احتكار المواد الغذائية وارتفعت الأسعار فجأة، وكان لليهود دور أساسي في ذلك بمساندة الإنكليز.
وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية سيطر اليهود على الوظائف الإدارية في القطاعات الاقتصادية المهمة في العراق، مثل قطاعات سكك الحديد ودوائر ميناء البصرة التجاري وكذلك الكمارك والمكوس، فقد كانت دوائر السكك شبه مستقلة يديرها الإنكليز واليهود بالتعاون مع الموظفين اليهود الذين كانوا يشكلون الأغلبية من العاملين في السكك، فقد كان عدد العاملين الكلي في السكك (٧٦٥) شخصاً، بلغ عدد الإنكليز منهم (٥٠) موظفاً، والهنود (١٥) موظفاً، واليهود (٥٥٠) موظفاً، أما الباقي فكانوا على الأغلب من العمال العراقيين باستثناء عدد قليل منهم يعملون كموظفين بلغ عددهم (١٥٠) شخصاً.
وفي عام ١٩٤٤م قامت إدارة التموين في السكك التي كان يتولى إدارتها الموظفين اليهود باستيراد بضائع صهيونية كتب عليها سلع فلسطينية تحوي أقمشة قطنية مختلفة الألوان والاشكال، وقامت الدائرة المذكورة بالإشراف على توزيعها وبيعها لمنتسبي السكك داخل وخارج بغداد، كذلك خلال وبعد انتهاء الحرب عملوا على استيراد (بالات) صهيونية المنشأ تحوي ملابس شتوية مستعملة (جاكيت ومعطف) وقاموا ببيعها للعمال وموظفي مراجل السكك.
كما هيمن اليهود على معظم الوظائف الإدارية في ميناء البصرة واستخدموا شتى الوسائل والاغراض في سبيل الاستحواذ على الوظائف المهمة حيث شكلوا نسبة ٥٠٪ من مجموع العاملين العراقيين في الميناء، أما دوائر الكَمارك والمكوس فقد استحوذ الموظفون اليهود على معظم الوظائف التنفيذية وكانت الأعمال التجارية ينتابها الفتور أيام عطل اليهود الرسمية، لغياب هؤلاء الموظفين الذين كانوا يشكلون الغالبية، حيث كان عدد الموظفين اليهود في كَمارك البصرة (١٨) موظفاً من المجموع الكلي للموظفين البالغ (٣٢) موظفاً.
عمل اليهود في الكَمارك على إعطاء الأولية في تسهيل معاملات التجار اليهود مما أدى إلى تذمر باقي التجار ورفع عرائض الشكاوى ضد معاملتهم وعمل الموظفين اليهود على تسهيل دخول البضائع الصهيونية إلى العراق بأساليبهم المعروفة لصالح المستوردين اليهود، فقد كانت أقفاص البرتقال وأكياس الكاكاو وصناديق المشروبات الكحولية تدخل مستودعات السكك ويعملون بعدها على ترويج معاملات الإخراج الرسمية لها في الكمارك.
وبالنسبة للقطاع التجاري فقد لعب اليهود دوراً سلبياً مقيتاً زاد في تعقيد مشاكل التموين خلال الحرب العالمية الثانية فهيمنوا على نسبة ٨٠٪ من تجارة المواد التموينية والضرورية المستوردة وقاموا باحتكار معظمها والتلاعب بأسعارها وتهريبها إلى الدول المجاورة بهدف جمع الطائلة وتحطيم القدرة المالية للتجار المنافسين لهم من غير اليهود.
كما أن التجار اليهود كانوا يدخرون البضائع الضرورية وعمدوا خلال الحرب إلى إضعاف أربعة أخماس ما لديهم في مخازنهم السرية وتركوا الباقي عرضة للرقابة والتفتيش الحكومي ولغرض تبيان نشاط اليهود التجاري ابتداءاً من عام ١٩١٤ وحتى عام ١٩٥١م نبينها في الجدول التالي كما أوردها (خلدون ناجي معروف) في مؤلفه الموسوم (الأقلية اليهودية في العراق ١٩٢١ – ١٩٥١م) ج١:
بعد عام ١٩٤٨م لغاية
١٩٥١م بعد سنوات الحرب العالمية الثانية ١٩٤٦- ١٩٤٨م خلال سنوات الحرب العالمية الثانية
١٩٣٩ – ١٩٤٥م الحرب العالمية الأولى ١٩١٤- الى قبيل الحرب العالمية الثانية ١٩٣٨م
٢٠٪ ٥٠٪ ٨٠٪ كانت ٩٥٪ من واردات العراق بيد اليهود
٥٪ ٢٪ ١٠٪ كانت ٩٠٪ من عقود العراق بيدهم
٢٪ ٢٪ ٥٪ كانت ١٠٪ من صادرات العراق بيدهم …
تعاون اليهود مع الإنكليز في سبيل الاستئثار بتجارة الاستيرادات فقد كانت لجنة الاستيرادات التي كان يتنفذ فيها موظف يهودي (داؤد خضوري) مع الإنكليز لحصر إجازات الاستيراد بالتجار اليهود، فمثلاً لما حددت (لجنة الاستيرادات) منح الإجازات لكل تاجر يملك مبلغ (ألف دينار) عمد التجار اليهود إلى التعاون فيما بينهم من أجل رفع المبلغ إلى (٥٠٠٠) دينار كحد أدنى لمنح الاجازات ليحصروا بذلك إجازات الاستيراد فيما بينهم على حساب باقي التجار العراقيين، وكان الموظفون الإنكليز يسيطرون على مديرية الاستيرادات العامة التي كانت تمنح إجازات الاستيراد للتجار ففسحوا لهم المجال لاستيراد شتى السلع والتجهيزات التموينية والضرورية ذات الكسب السريع والتصرف بها بشكل مطلق، فكان الإنكليز يبيعون إجازات الاستيراد والأسرار التجارية للمستوردين اليهود وخاصة (لوبلان) مسؤول شعبة النقليات الذي كان يبيع إجازات استيراد السيارات والاطارات بالتعاون مع الكابتن (فلنت) مراقب الاستيرادات والمسز (كَوبر) السكرتيرة الخاصة للكولونيل بيليس (خبير التموين)، وعمل كبار التجار اليهود على تلويث سمعة موظفي التموين وذلك بإغرائهم بشتى الوسائل من أجل تحقيق مصالحهم، ويضيف (محمد مهدي كبة) رئيس حزب الاستقلال في مذكراته الموسومة (مذكراتي في صميم الأحداث ١٩١٨ – ١٩٥٨م)، أن الموظفين المنتدبين من مركز تموين الشرق الأوسط هيمنوا على إدارة شؤون التموين والاستيراد في العراق، وعمل كبار التجار اليهود على إرضائهم بشتى الوسائل وأقاموا صلات وعلاقات ودية معهم واستحوذوا بذلك على نسبة ٦٠٪ من الاستيرادات المخصصة للتجار العراقيين وبالعملة الصعبة.
وفي مجال التلاعب بالأسعار عمد اليهود منذ نشوب الحرب إلى رفع أسعار المواد الغذائية والضرورية بصورة فاحشة واستأثروا باحتكارها مما أثقل العبء على كاهل الفئات الفقيرة التي أخذت تستاء من تصرفاتهم، كما لعبوا دوراً مقيتاً في انتفاضة مايس ١٩٤١م وقاموا بمساندة الإنكليز – كما سنرى في الحلقة القادمة -.
مقال خاص براسام

