Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

أفول حركة التغيير والاستعداد الشعبي للبديل: قراءة لنتائج الانتخابات في كردستان

شاهو القره داغي

كانت هناك الكثير من الرسائل والمفاجأت في الانتخابات البرلمانية العراقية التي أجريت في العاشر من أكتوبر الجاري، ولعل المفاجئة البارزة في كردستان العراق كانت في تدني وتراجع نسبة المشاركة، حيث قرر ما يُقارب 65% من المواطنين مقاطعة الانتخابات، إضافة إلى مشاركة شريحة كبيرة من المواطنين في حرق أوراقهم الانتخابية دون التصويت لأي طرف، في إشارة واضحة إلى حالة السخط وعدم الرضا من الأطراف السياسية الموجودة على الساحة السياسية في كردستان سواءً في الحكم أو حتى خارج السلطة.
وهناك الكثير من الأسباب وراء عزوف المواطنين في كردستان العراق عن المشاركة في الانتخابات، أبرزها تراجع الأوضاع المعيشية للمواطنين وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتأخير دفع الرواتب وزيادة الضرائب التي أثرت على حياة المواطنين بصورة سلبية، وساد الاعتقاد بأن الانتخابات ليست طريقاً للتغيير للذين يبحثون عن حياة أفضل وتحسين الخدمات والأوضاع المعيشية.
من خلال الأرقام الرسمية المعلنة فإن نسبة المشاركة في كردستان كانت متدنية بشكل عام، وفي السليمانية بشكل خاص، حيث حلت في المركز الثاني بعد بغداد في أدنى نسبة مشاركة على مستوى العراق، على الرغم من أن المدينة هي الحاضنة الشعبية للحركات المعارضة وخاصة حركة التغيير التي برز نجمها وأصبحت ثاني حزب على مستوى كردستان بعد كسبها لهذه المحافظة، وفي نفس الوقت أصبحت المدينة شاهدة على نهايتها بعدما فشلت في الحصول حتى على مقعد واحد في هذه الانتخابات الأخيرة بسبب تخلي أهالي السليمانية عنها نتيجة لتغيير سياساتها ومشاركتها في السلطة دون تقديم صورة مختلفة عن الأحزاب الحاكمة في كردستان .

تحليل النتائج
أول انتخابات عراقية شاركت فيها حركة التغيير بعد تأسيسها عام 2009 كانت الانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت عام 2010، حيث حصلت حركة التغيير على 8 مقاعد ، بينما في انتخابات 2014 وبفضل تصاعد خطاب المعارضة لدى الحركة والمطالبة بالتغيير نجحت في زيادة مقعد واحد والحصول على 9 مقاعد ، بينما تراجعت الحركة في عام 2018 وحصت على 5 مقاعد فقط بسبب وفاة زعيم الحركة (نوشيروان مصطفى) في عام 2017 مع غياب شخصية قيادية قادرة على إدارة الحركة.
كانت الانتخابات العراقية المبكرة بمثابة المحطة النهائية لحركة التغيير التي قررت أن تشارك في الانتخابات عن طريق تحالف مع الاتحاد الوطني الكردستاني، وفشلت في الحصول على ولو (مقعد واحد)، وهذه النتيجة إشارة واضحة لأفول الحركة وعدم قدرتها على إقناع الناخبين بخطابها وخاصة الطبقة الناقمة التي كانت تؤيد الحركة سابقاً لوجود أمل في التغيير، ولكن بعد مشاركة الحركة في الحكومة تحت مبررات الإصلاح دون أن تُقدم أي مشاريع إصلاحية حقيقية تساهم في تحسين حياة المواطنين، صار الجميع يتخلون عن دعم حركة التغيير وقرر المواطنون عن طريق المقاطعة معاقبة هذه الحركة وإرسال رسالة واضحة فهمتها قيادات الحركة وكانت دافعا لهم نحو تقديم الاستقالة فور اعلان النتائج.
عدد أصوات ومقاعد حركة التغيير في أربع انتخابات عراقية
2021 *** 2018 *** 2014 *** 2010
22091 *** 199611 *** 472503 *** 425793 *** مجموع الأصوات
0 *** 5 *** 9 *** 8 *** عدد المقاعد

كانت حركة التغيير تُشكل أملاً حقيقياً للتحول إلى قوة معارضة حقيقية تُساهم في تحقيق الإصلاحات وتدفع بعجلة الشفافية وإنهاء وتحجيم الفساد، إلا ان القيادات الحالية للحركة والتي احتكرت القيادة بعد رحيل نوشيروان مصطفى اتجهت بالحركة إلى النهاية والأفول التام بسبب تقديم المصالح والتركيز على المنافع والمكاسب داخل الحكومة والتخلي عن الخطاب الإصلاحي وإبعاد الشباب عن عملية صنع القرار داخل الحركة .

حلم التغيير مستمر
أفول حركة التغيير قد يُساهم في زيادة حالة اليأس لدى المواطنين وخاصة إن الكثيرين قد علقوا الآمال على هذه الحركة لإحداث تغييرات نوعية في المشهد الكردي، إلا أن نهاية الحركة وتراجعها الكبير لا يعني انتهاء الأحلام في التغيير، بل إن نتائج الانتخابات ومقاطعة 65% من الناخبين الكُرد دليل واضح على وجود كتلة واسعة تنتظر البديل ولم تقتنع بالأطراف السياسية الموجودة.
هناك شخصيات داخل حركة التغيير تُفكر في الانشقاق وتأسيس أحزاب وكيانات سياسية جديدة لكسب الأصوات الناقمة والاستعداد للمشاركة السياسية، إضافة إلى بروز (حركة الجيل الجديد) الذي على الرغم من حداثة تأسيسه إلا أنه نجح في الحصول على 9 مقاعد في الانتخابات بالاعتماد على الآلة الإعلامية التي عملت بصورة قوية للترويج لمرشحي الحركة ونجحت في تجاوز الكثير من الأحزاب التقليدية الموجودة في كردستان .
جميع الأحزاب الرئيسية من الديمقراطي الكردستاني الذي حاز المرتبة الأولى على مستوى كردستان والاتحاد الوطني الذي جاء في المرتبة الثانية والجيل الجديد الذي جاء في المرتبة الثالثة قد خسرت الكثير من الأصوات في هذه الانتخابات مقارنة بالانتخابات السابقة، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الأحزاب أعلنت الانتصار والفوز دون الاعتراف بهذا التراجع في عدد الأصوات وإجراء مراجعة شاملة لدراسة الأسباب التي دفعت المواطنين إلى العزوف عن المشاركة في الانتخابات وخسارة الأصوات الانتخابية وإجراء تغييرات وإصلاحات لتجنب الأخطاء المرتكبة سابقاً والتي أدت إلى هذه النتائج.
غياب الإصلاحات الجذرية ودراسة مشاكل المواطنين والاستجابة لمطالبهم سوف تدفع شرائح اكبر من المواطنين إلى مقاطعة الانتخابات وعدم الايمان بهذه العملية كوسيلة للتغيير والتداول السلمي للسلطة، وعلى الرغم من التجارب الفاشلة للتغيير مثل (حركة التغيير) التي انتهت بعد الانتخابات الأخيرة، إلا أن هناك الكثير من الآمال – كما قلنا – في انتظار ولادة حركات جديدة قادرة على الاستجابة لمطالب الشارع والتماسك أمام مغريات السلطة والمناصب والقدرة على إدارة المشهد السياسي والإداري بصورة سليمة، وهذه النسبة العالية للمقاطعة مؤشر واضح على انتظار المواطنين لبديل أفضل في ظل عدم اقتناعهم بخطابات ووعود وطريقة عمل الأحزاب التقليدية التي تحتكر الحكم منذ أكثر من 18 سنة في كردستان، ولا حتى الأحزاب الصغيرة الأخرى التي فشلت في التحول إلى بديل كالاتحاد الإسلامي الكردستاني وجماعة العدل الكردستانية وباقي الأحزاب الصغيرة.

مقال خاص براسام

Exit mobile version