أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
تطل مدينة البصرة على نهر العشار التي يقسمها إلى قسمين رئيسيين فضلاً عن وجود عدد من الجداول الفرعية التي تتقاطع مع الأنهار الرئيسية، وكانت القوارب هي الواسطة السائدة للنقل ، وكانت الدوائر الحكومية والأسواق منحصرة في الجانب الجنوبي من نهر العشار، وأمام التوسع العمراني لمنطقة العشار ظهرت الحاجة إلى فتح طريق بري يصل البصرة بالعشار، أسند (نظيف) تنفيذ ذلك الطريق إلى بلدية البصرة التي كان يرأسها آنذاك (عبد المحسن باشا الزهير) وأشرف (سليمان نظيف) بنفسه على هدم عدد من الدور التي كانت تزاحم الطريق منها دار المنديل ودار البهرة الكبير، ومن المناطق التي شملها الهدم سوق (السيمز) العائد للتاجر آغا جعفر، وقد تم انجاز الطريق على مرحلتين، ثم جرى اكساءه بالحجر الصلب واطلق على الشارع تسمية (جادة الرشادية) وبعد إنجازه بالكامل تبرع رئيس بلدية البصرة بإنارتها بالفوانيس التي جرى استبدالها فيما بعد بمصابيح زيتية (لوكس).
انتعشت الحياة في منطقة العشار أثر افتتاح ذلك الطريق، كما انتعشت الحياة الاقتصادية وتحديداً التجارة الأجنبية فضلاً عن افتتاح عدد من الأسواق، فأصبح نهر العشار مرسى للبواخر الحديثة وقامت على ضفتيه البيوتات التجارية والأسواق.
كما أمر (سليمان نظيف) بقص طريق أبي الخصيب من باب سليمان إلى باب العريض ثم أمر بمده إلى باب الطويل في أبي الخصيب، إلى جانب ذلك حاول (نظيف) ربط مدينة البصرة بالميناء من خلال مد خط تراموي يسير بمحاذاة نهر العشار بعرض (١٤ م)، وبالفعل باشرت البلدية باستملاك الدور الواقعة على ذلك النهر وهدمت قسماً منها تمهيداً لرصف الطريق بالحجارة، إلا ان صعوبات عدة حالت دون إتمام ذلك المشروع منها عدم توفر الموارد المالية الكافية، لذلك بقي المشروع معلقاً.
كان مشروع (سد الفاو) أحد المشاريع التي استحصل (سليمان نظيف) الموافقات الرسمية لإنجازه، غير أن استقالته اوقفت تنفيذ ذلك المشروع.
كان السور المعروف بأبو الهضبة الذي كان يقع قرب مدينة الناصرية قد تعرض لتدمير جزئي مما عرض المدينة لخطر الغرق بسبب سيول الأمطار فضلاً عن الخسائر الاقتصادية التي تلحق بالأراضي الزراعية، فجرى العمل على ترميه الذي انتهى عام ١٩١٠م. أولى (سليمان نظيف) للجانب الصحي أهمية خاصة، إذ نظم خلال مدة ولايته للبصرة حملة واسعة لردم البرك والمستنقعات ضماناً لعدم انتشار الأوبئة والامراض، كما أمر ببناء مستوصف ومحجر صحي.
وإدراكاً منه لأهمية الخدمات التلغرافية في تأمين الاتصالات بين البصرة وباقي المدن والوحدات الإدارية التابعة لها تم مد خط تلغرافي بين الفاو وأقضية الزبير وأبي الخصيب.
وفيما يتعلق ببناية دائرة كمرك البصرة التي كانت تقع على شط العرب فقد قام بعض الولاة بإجراء الترميمات عليها ومنهم والي بغداد مدحت باشا (١٨٦٩ – ١٨٧٢م) الذي قام بتجديد تلك البناية وتوسيعها، لكن تعرضها للإهمال فيما بعد ومع التقادم الزمني أصبحت غير صالحة لتلبية متطلبات العمل، إذ لم تعد صالحة لحفظ البضائع، فضلاً عن تراكم السلع على أرصفة الميناء قرب تلك الدائرة في انتظار شحنها مما عرضها للتلف وإلحاق خسائر مادية بالتجار الذين قدموا الاحتجاجات للسلطات المحلية وإلى السلطات العثمانية طالبوا عن طريقها التعويض عن التلف الذي أصاب سلعهم المتروكة على أرصفة الميناء.
أمام تلك الضغوطات حاولت السلطات المحلية المباشرة عام ١٩٠٧م إنشاء دائرة كمرك جديدة الا أن العمل سرعان ما توقف بعد فترة قصيرة، بسبب ظهور مشكلة جديدة تمثلت بتراكم ترسبات النهرين قرب دائرة الكَمرك القديمة نتيجة لعدم اجراء عمليات تنظيف وكري المناطق القريبة من الدائرة، لذلك كان على السفن الانتظار في عرض النهر ولمدة طويلة، حتى يتهيأ لها الوقت المناسب للمد الربيعي لتتمكن من التوجه إلى بناية الكمرك، مما خلق عاملاً إضافيا أسهم في الحاق الضرر بالسلع الموجودة على تلك السفن، وتزامن ذلك مع التدهور في الأحوال التجارية لمدينة البصرة أثناء تولي (سليمان نظيف) أمورها الإدارية، عندها صدرت الأوامر بالمباشرة بأعمال الكري والتنظيف لشط العرب ومساحات من نهر العشار، وتحديداً المناطق الغربية من دائرة الكَمرك لتأمين وصول البواخر إلى أرصفة الميناء لتفريغ حمولتها من البضائع، إلى جانب ذلك جرى التعاقد مع إحدى المؤسسات البريطانية عام ١٩١٠م لإكمال تشييد بناية الكمرك، وبالفعل بدأت الشركة بمشروع البناء، إلا ان العمل توقف أيضا مع استقالة سليمان نظيف.
والجدير بالذكر إن الثورات التي قام بها عدد من العشائر في العمارة والمنتفك في ولاية البصرة خلال العقد الأول من القرن العشرين هي التي دفعت بالسلطات إلى تنصيب (سليمان نظيف) والياً للبصرة لكونه شخصية سياسية كفوءة لمعالجة تلك التحديات والتي دلت عليه إصلاحاته، وسنواصل الكلام عن اصلاحات (نظيف) في الجزء القادم إن شاء الله.
المصادر المعتمدة :
١ – حسين محمد القهواتي، دور البصرة التجاري في الخليج العربي ١٨٦٩ – ١٩١٤م، (بغداد، ١٩٨٠).
٢ – عبد العظيم عباس نصار، بلديات العراق في العهد العثماني١٥٣٥ – ١٩١٨م، دراسة تاريخية وثائقية (د. م. د. ت).
٣ – عبد الله رمضان آل عبدة الرفاعي، أعيان البصرة في القرنين التاسع عشر والعشرين (دمشق، ٢٠١٦).
٤ – جعفر عبد الدائم المنصور، التاريخ الصحي لمدينة البصرة أواخر العهد العثماني حتى سنة ١٩٢٩م، دار الفيحاء، (لبنان،٢٠١٧).

