Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

من الشخصيات القيادية في تاريخ العراق الحديث/ الحلقة السادسة: الإصلاحي محمد انجه بيرقدار (والي الموصل)

أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

في معرض استعراضنا لمجمل إصلاحات (البيرقدار) لم نؤشر له بأي اهتمام بالناحية العلمية، فهو لم يعكف على إنشاء المدارس ودور العلم، سوى إشارة واحدة ذكرها المؤرخ الموصلي الأستاذ سعيد الديوه جي في كتابه (جوامع الموصل في مختلف العصور) مفادها أن البيرقدار كان قد عمّر جامع سوق العلوة سنة ١٨٤١م، وبنى في فناء الجامع مدرسة، وغير معروف في الواقع هل هو الذي بناها فعلاً أم أنها كانت موجودة وجدد هو عمارتها.

يمكن إرجاع مسألة عدم اهتمام البيرقدار بالناحية العلمية إلى عاملين، أولهما : أن الموصل كانت عامرة بمدرّسيها ومدارسها التي ازدهرت منذ العهد الجليلي، وثانيهما أن النزعة العسكرية لشخصية البيرقدار قد جعلته يولي اهتمامه بالناحية العسكرية بسبب الظروف التي يعيشها شمال العراق.

وكان من ضمن ما اهتم به (بيرقدار) إنشاء ما يعرف بـ (المنزل خانة) أي (مربط الخيول) المستخدمة لنقل المدافع والتجهيزات العسكرية، وفي السياق ذاته حرص (بيرقدار) على تجهيز القطاعات العسكرية بكامل تجهيزاتها العسكرية واحتياجاتها بكاملها مع خيام العسكر وحتى الأرزاق اليابسة ومنها (الصمون الصلب) الضرورية للحملات البعيدة فكانت جاهزة في أي لحظة لميرة الجيش، كما أعد فرقة متخصصة بالموسيقى وزودها بالآلات الموسيقية الحديثة.

أولى (بيرقدار) حيزاً من اهتماماته للجانب الديني عندما قام بتعمير وتجديد جامع سوق الحنطة، كذلك أمر بتجديد ضريح النبي دانيال الواقع في محلة باب المسجد وقد مدحه أحد الشعراء على هذا العمل بقصيدته التي قال فيها:

شمخت عهودك فوق هام الفرقد *** يا مـن توحـد بالعـلا والــسؤدد
لك في تجدد دانيال فضيلة *** لقد اجتهدت بها اجتهاداً مجدداً

وفي سنة ١٨٣٦م بنى التكية النقشبندية وبتوجيه من السلطات العثمانية، حيث أشرف بيرقدار بنفسه على توفير مستلزمات هذه التكية، ومن المفيد بالإشارة إلى التكية تعتبر احدى المؤسسات الاجتماعية والخيرية التي كانت مأوى للمنقطعين والفقراء من الصوفية والدراويش وأصحاب الطرق ومنزلاً للعلماء ومكاناً لممارسة الشعائر الدينية إقامة الأذكار والمواليد النبوية.

وفيما يتعلق بالتكية النقشبندية، فإنها طريقة تنسب إلى الشيخ بهاء الدين المعروف بـ (شاهي نقشبندي) وكلمة نقشبندية مكونة من مقطعين (نقش) معناها الختم والثانية (بند) ومعناها (القلب) وبالتالي فإن معنى هذه الكلمة ذكر الله تعالى وختمه على القلب.
كما اهتم (بيرقدار) بشؤون الوقفيات، وفي هذا المجال أوقف في سنة ١٨٣٩م، ثلاث مطاحن للحنطة، كما أوقف (بيرقدار) عدداً من البساتين التي كانت عائدة إلى آل محضر باشا وآل اليازجي وهم من كبار أعيان الموصل، حيث اشترى بيرقدار هذه الأراضي الزراعية وجعلها وقفاً لمسجد قام بإنشائه بعد أن أخر نظاماَ لإدارة الوقفية ومن ثم تحويل ريعها إلى المسجد.

من جانب آخر أولى (بيرقدار) اهتماماً بالنواحي الاجتماعية وعمل على الحد من الرذيلة، حيث كان يعاقب من يتعاطى الخمر ويقدم بارتكاب المحرمات، وخدمة للغرض نفسه شكّل (بيرقدار) أشبه ما يكون بنظام (العسس) أسند إليها مهمة ضمان الأمن الاجتماعي من الانحرافات، حيث تم ربطها بالشرطة وأسند إليها مهمة تعقب اللصوص والعيارين والمهربين، كما أسس ما يشبه بنظام المعونة الاجتماعية بهدف مساعدة الفقراء والمحتاجين، وعمل على القضاء على التسول في الأسواق والأزقة، كما عمل على دفع رواتب العلماء والخطباء.

عرف بيرقدار لدى الكثيرين بأنه كان شديداً فضاً في تعامله مع المخالفين، ورغم القسوة والشدة التي طغت على سياسته، إلا أنه أبدى تسامحا دينيا تجاه الأقليات وبشهادة العديدين ومنهم (فيشر) الذي قال عنه : “… أنه تحت حكم محمد إنجه بيرقدار عاش المسيحي بجوار المسلم في أمان…”، وكثيرا ما أبدى اهتمامه بشكاويهم، وكمثال على ذلك إنصافه لشكوى قرية كرمليس وهي إحدى قرى الموصل ترتبط ادارياً بناحية برطلة، تقع جنوب شرق الموصل، التمسوا من خلالها إجلاء أعداد من الوافدين إلى هذه القرية.

أصيب (محمد إنجه بيرقدار) بمرض (الديزنتري) أو الاسهال، وتوفي سنة (١٨٤٣م) ودفن في جامع النبي شيت بالموصل، عليه يمكن القول :

لقد شكّل اختيار الباب العالي لـ(محمد إنجه بيرقدار) واليا على الموصل (١٨٣٥ – ١٨٤٣م) انعطافا جديدا في تاريخ هذه المدينة لاسيما بعد القضاء على حكم الأسرة الجليلية التي استقلت بحكم هذه المدينة للفترة (١٧٢٦ – ١٨٣٤م) والتي كان القضاء عليها ضمن خطة مركزية هدفت فيها القضاء على ما يعرف بالقوى المحلية – شبه المحلية – في الولايات العربية وبإيعاز من السلطان العثماني محمود الثاني (١٨٠٨ – ١٨٣٩م).

لقد شهدت الموصل خلال هذه الفترة أولى البوادر الإصلاحية العثمانية الرسمية من خلال برنامج إصلاحي اشتمل على مجموعة من الاعمال والإنجازات مقرونة بالشدة والصراحة والتي استخدمها (بيرقدار) لفرض النظام.

لقد شهدت الموصل في عهده استقرارا واعمارا، لكن سرعان ما سجلت تراجعا لتدخل المدينة في حقبة من الفوضى والاضطرابات بعد وفاة (محمد إنجه بيرقدار) سنة ١٨٤٣م.

المصـــادر المعتمــــدة :

١ – سعيد الديوه جي، جوامع الموصل في مختلف العصور، (بغداد،١٩٦٣).

٢ – عروبة محمد عثمان، الحياة الاجتماعية في الموصل، (١٨٣٤ – ١٩١٨م) أطروحة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة الموصل، ١٠٠٦).

٣ – حميد محمد حسن الدراجي، الربط والتكايا في الفترة العثمانية، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة بغداد، ١٩٩٦).

٤ – عروبة جميل، وضع الأوقاف في الموصل من خلال بعض سجلات المحكمة الشرعية للسنوات ١٨٣٥ – ١٩١٢م، مجلة دراسات موصلية، (الموصل، العدد ٢٨، شباط ٢٠١٠م).

Exit mobile version