Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

دور الإعلام الطائفي في تكريس الانقسام

الباحث : حسين صالح السبعاوي

ابتلي العراق بعد الإحتلال الأمريكي سنة ٢٠٠٣ بإعلام طائفي مقيت همّه الوحيد إثارة النعرات الطائفية وإحياء المشاكل والحوادث التاريخية التي مضى عليها مئات وآلاف السنين لغرض تكريس الانقسام الطائفي بين المجتمع العراقي الواحد خدمة للمشروع الأمريكي والإيراني الذي يريد استمرار الهيمنة على العراق واشغال المجتمع في صراعات طائفية الرابح فيها هو آخر من يخسر، في الوقت الذي يجهل أو يتجاهل هذا النوع من الإعلام المبادئ والمواثيق الإعلامية والصحفية التي تنص على أن الصحافة مسؤولية اجتماعية ورسالة وطنية وإنسانية وأخلاقية ومن حق الشعوب امتلاك حرية التعبير دون المساس بحرية ومعتقدات الآخرين، ومن حقها الحصول على المعلومات الصادقة، والعمل على تأكيد الوحدة الوطنية وعدم إثارة النعرات العنصرية أو الطائفية والالتزام بالموضوعية والدقة والمهنية وعدم استغلال المهنة للحصول على المكاسب الشخصية واحترام حق الأفراد والعائلات في سرية شؤونهم الخاصة وكرامتهم الإنسانية وعدم نشر الفضائح والالتزام بالقيم الدينية والأخلاقية للمجتمع.
احترام حقوق الملكية الفكرية وعدم الخلط بين المادة الإعلامية والإعلانية والمحافظة على سرية مصادر المعلومات والتحقق من الأخبار قبل نشرها أيضا الابتعاد عن الأساليب الملتوية والغير المشروعة في الحصول على الأخبار والمعلومات بينما الإعلام الطائفي في العراق بعيد جدا عن هذه القيم والمواثيق الإعلامية وأصبح جزءا من المشكلة بدل أن يكون جزءا من الحل في نشر الأخبار الصادقة والعمل المهني والحفاظ على الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية بين أطياف المجتمع، وهذا يجري على الإعلام الرسمي وشبه الرسمي إضافة للقنوات التي تمتلكها الأحزاب أو الأشخاص المتنفذين والمسؤولين في الدولة، سيما أنه لا يمكن معرفة عدد القنوات الفضائية والقنوات الإعلامية على اليوتيوب والتلكرام وبقية المواقع الالكترونية لكثرتها مع غياب الدور الرقابي عليها سواء من الحكومة أو من شبكة الإعلام العراقية، فهي فوضى إعلامية مليئة بالطائفية والأكاذيب والفضائح والتسقيط السياسي وقلب الحقائق وجعل الباطل حقا مطلقا والحق باطلا والصادق كذوبا والكاذب صادقا، وتحارب العفة وتشجع على الرذيلة وتشيطن المكونات وتدس السم في العسل وتظهر الإمعة الجبان بأنه مقاوم جهبذ، كما وتسيء للعراق وتاريخه وحضارته وتشتم الذي بنى بغداد وأسس حضارتها، كل هذا وأكثر تجده في الإعلام الطائفي.
لم يتعرض أي بلد في العالم من قبل قنواته الإعلامية الفضائية والأرضية والمقروءة والمسموعة كما يتعرض العراق اليوم من عملية تشويه ومسخ تاريخه وحضارته وجميع مكوناته.
يبلغ عدد القنوات الفضائية في العراق بحسب ما نشرته شبكة الإعلام العراقية أكثر من ثمانين قناة وأكثر من مائة وخمسين صحيفة ومئات محطات إذاعة الراديو وآلاف القنوات على اليوتيوب و التلكرام، وأغلب العاملين في هذه القنوات ليسوا من ذوي الاختصاص والكثير منهم لا يمتلك حتى مؤهلا علميا يؤهله للعمل كمذيع أو صحفي، فتجد لغتهم ركيكة وقلة منهم من يتكلم العربية الفصحى لهذا تجد الفوضى في البث الإعلامي مما جعله إعلاما هابطا يحمل من العفن الفني الذي يزكم النفوس وتشمأز منه.
والإعلام العراقي الوحيد الذي يظهر اعترافات المعتقلين الملفقة ويسوقها على أنها حقيقة مسلم بها، فكم من معتقل ظهر على الفضائيات وهو يعترف بقتل أناس ما زالوا أحياء وكم بريء أعترف على قتل من قد مات منذ عشرات السنين وكم من بريء أعترف على جرم لم يرتكبه ثم يحكم عليه بالإعدام أو المؤبد، كل هؤلاء وأمثالهم يظهرهم الإعلام الطائفي على أنهم مجرمون وإرهابيون وما إلى ذلك من تهم ؟
إن الإعلام إما أن يكون شريكا في الهدم وتدمير المجتمع وإما أن يكون مهنيا ويساهم في بناء المجتمع فكريا وثقافيا ويحافظ على الإرث التاريخي والحضاري للمجتمع وينقله إلى العالم بكل فخر واعتزاز وبكل أمانة ومهنية.
إن مشكلة الإعلام الطائفي في العراق ليس في نقل الخبر فحسب بل هناك تراجع كبير في الدراما العراقية وعموم الأداء الفني لأن الطائفي لديه مشكلة مع التاريخ ومع المجتمع ومع كل من يختلف معه فكريا وعقائديا فهو عدو لمن يختلف معه ولا يتبنى فكرته الرجعية، كذلك هاجر أو هجر أغلب الإعلاميين والفنانين إلى خارج العراق لعدم قناعتهم بالإسلوب والأداء الإعلامي والفني الحالي الذي يريد نشر الطائفية من خلال استخدامهم كأداة سواء في الدراما أو بأي عمل فني .

إن الحل الحقيقي لمعالجة مشكلة الإعلام الطائفي وما يبثه من سموم للمجتمع هو :

١- إعتماد ميثاق شرف إعلامي تلتزم به جميع القنوات الإعلامية.
٢- محاسبة القنوات الإعلامية وإنزال أشد العقوبة على مجلس إدارتها مثل غلق القناة أو العقوبة بالسجن أو الغرامة أو بكليهما في حال قامت بأي بث طائفي يسيء إلى بقية مكونات المجتمع.
٣- عدم منح التراخيص بفتح القنوات أو الصحف إلا لمن يمتلك المؤهل العلمي مع أخذ تعهد خطي بأن يعمل بمهنية ووفق ميثاق الشرف الإعلامي المتفق عليه.
لكن أعتقد جازما بأن هذه المبادئ أعلاه لا يمكن أن تلتزم بها القنوات الإعلامية الطائفية لأن الإعلام مرتبط مباشرة بالسياسة والنظام السياسي القائم فهو المشجع لمثل هذه القنوات الطائفية وهو من يدعمها ومن كان هو المشكلة لن يكون هو الحل.

مقال خاص براسام

Exit mobile version