Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

من الشخصيات القيادية في تاريخ العراق الحديث/ الحلقة الرابعة: الإصلاحي محمد إنجه بيرقدار (والي الموصل)

أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مثلما استطاع (محمد إنجه بيرقدار) إثبات كفاءته ومقدرته في إعادة فرض السلطة المركزية على الموصل في أيام السلطان محمود الثاني استطاع أيضاً إثبات مقدرته الإدارية الإصلاحية طول فترة حكمه والتي استمرت خلال عهد السلطان عبد المجيد الأول.

فما أن تولى السلطان الجديد الحكم حتى أرسل في أوائل ١٨٣٥م، فرمانا أبقى فيه (البيرقدار) على حكم الموصل، كما أرسل فرماناً آخر إلى علي رضا باشا اللاز (والي بغداد وشهر زور والبصرة)، تثميناً وتقديراً لحسن قيام الواليين بمهام منصبهما في إدارة العراق.

دخل (بيرقدار) الموصل وفي ذاكرته صورة للأوضاع المتردية التي عاشتها المدينة، ويبدو ذلك واضحاً في حجم القوات العسكرية التي رافقته لدى دخوله المدينة والتي يمكن إيجازها وعلى الشكل التالي :

(ثلاث) سرايا (بولك) وهو وحدة تنظيمية عسكرية مقسمة إلى عدة أقسام أهمها بولكات الأغوات في فرقة الانكشارية والتي يطلق على قائدها تسمية (بولك باشي)، وهي من العساكر النظامية وخمسمائة شخص من الضبطية (الهايته) وتعني (المرتزقة) ومئة شخص من (الألبان) و (٢٠٠) شخص من بني عقيل الموالين للسلطة العثمانية المحلية .

ومن الجدير بالذكر أن هذه القوات التي استقدمها (بيرقدار) شكلت فيما بعد نواة للجيش الهمايوني السادس. وتشير المصادر المحلية إلى طبيعة المهام التي أوكلت إلى (بيرقدار) والتي استندت على مرتكزين أساسيين :

أولهما : العمل للسيطرة على الأوضاع الداخلية ومعالجة المشاكل وتوطيد الحكم العثماني.
ثانيهما : بسط النفوذ العثماني على الإمارات الكردية في شمال العراق وتهيئته كقاعدة انطلاق باتجاه القوات المصرية إذا ما حاولت التوسع نحو الولايات العراقية التي وصفها (لونكريك) بأنها وصلت إلى درجة من الضعف مكن الدولة العثمانية من القضاء عليهم.
ومن الجدير بالذكر أن تنفيذ هذين المرتكزين استغرق القسم الأكبر من ولاية (بيرقدار) التي استمرت للفترة (١٨٣٥ – ١٨٤٣م).
ومن المفيد بالإشارة إلى أن السلطان العثماني محمود الثاني اعتمد على العراق ليكون خطاً دفاعياً أمام تحركات والي مصر (محمد علي باشا)، حيث كشفت تقارير الاستطلاع المصرية أن السلطان العثماني قد كلف (علي رضا باشا) بمقابلة القائد العثماني (رشيد باشا) للتشاور حول خطة الزحف على بلاد الشام من الجبهتين الشمالية من الأناضول والشرقية في العراق، كما أوعز إلى (والي بغداد) بالتحرك لاتخاذ مواقع دفاعية في شمال العراق على طول الجبهة الممتدة من مضيق “كَولك” في جبال طوروس حتى ماردين.

أما (بيرقدار) فغادر مدينة الموصل إلى جهات أورال وكركوك وأربيل، في خطة للتعرض على منطقة (بيره جك) المسيطرة علي طريق بغداد، واتحد الاثنان وتقدما بقواتهما من ماردين إلى الطريق الشمالي الغربي لولاية بغداد.

اقتضت خطة التحرك العثماني أن يتم التحرك من أربع جهات في آن واحد، وذلك بأن تتحرك الفرقة الأولى من (بيره جك) وأخرى من مرعش إلى عينتاب وثالثة إلى مضيق (كَولك) ورابعة من الشرق إلى حمص، في الوقت الذي كان (علي رضا باشا) و(محمد إنجه بيرقدار) يحشدون أكبر قدر من القوات العثمانية في الموصل استعداداً للدور العسكري المعهود له في التصدي للجيش المصري في شمال العراق في الوقت الذي كانت القيادة العثمانية في البصرة تشد أزر (فيصل بن سعود) الذي كان يقاتل القوات المصرية في نجد بقيادة (خورشيد باشا) كما زودت حكومة بغداد عشائر شمر الجربا وغيرها من العشائر بالأسلحة لخوض المعركة المقبلة ضد المصريين في الشام، إلا ان الهجوم المصري لم يحصل لأسباب يأتي في مقدمتها تردد (محمد علي باشا) في التدخل بشؤون العراق خشية من اتساع جهة العمليات العسكرية بجيوشه من جهة، وتجنباً لإثارة بريطانيا التي كانت تبدي اهتماماً خاصة بالعراق في ذلك الحين من جهة أخرى.

استمر حكم (البيرقدار) على الموصل لعدة سنوات استطاع أن يقوم خلالها إنجازات واضحة بإقدامه على إجراءات إصلاحية وإتباعه لسياسة شديدة تنفيذاً للسياسات المركزية التي كانت ترسمها إسطنبول، وكانت أولى خطوات (بيرقدار) الإصلاحية تطبيق نظام القرعة العسكرية (التجنيد الالزامي) في ولاية الموصل مستهدفاً من إجراءاته تلك تحقيق أمرين رئيسيين :
أولاً : زيادة القوات العثمانية المتجهة لإسناد الجهد العسكري الرئيسي في أعالي الفرات للتصدي للجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي باشا (والي مصر).
ثانياً : التخلص من التشكيلات العسكرية التي كان ولائها لقيادات موصلية مؤيدة للحكم المحلي (حكم الأسرة الجليلة).

لم يلق قرار (نظام القرعة العسكرية) أو التجنيد الالزامي ترحيباً من أهالي الموصل، واصيبت المدينة بعاصفة من الذعر وذلك بسبب طول فترة الخدمة العسكرية وإرسال المجندين خارج المدينة.

لقد شكل اعلان (بيرقدار) لتطبيق نظام القرعة العسكرية الشرارة التي اشعلت إحدى أقوى الثورات الشعبية التي شهدتها مدينة الموصل والتي أرخت احدى المصادر تاريخ اندلاعها في (٢٥ صفر ١٢٥٥هـ / ١٨٣٩م) والتي قادتها احدى الشخصيات الموصلية ويدعى (عبد الكريم بن سبتي بن محسن) وهو من عشيرة البو حمد وكان يقطن (محلة المكاوي)، وتذكر المصادر أنه انتخب شيخا لهذه المحلة وزعيماً للفرقة (٢٧)، ومن المفيد بالإشارة إلى أن محلة (المكاوي) تعد إحدى المحاليل الكبيرة والقديمة في الموصل، وكانت تقطنها خلال تلك الفترة عدد من العشائر العربية ومنها الشهوان والبو حمد بالإضافة إلى فرقتين عسكريتين إنكشاريتين وهي الفرقة (٣١) والتي تعرف بالتركية (أوتوزبير) والفرقة (٢٧) والمعروفة بالتركية (يرمي يدي)، والتي كان والي بغداد (إسماعيل باشا) قد نفاهم إلى الموصل سنة (١٢٤١هـ / ١٨٣٥م)، وترجع إحدى المصادر أن يكون زعماء هذه العشائر قائداً للفرقة (٢٧) وهو من تزعم الانتفاضة وقادها.
أما فيما يخص تفصيلات هذه الانتفاضة فالمعلومات حولها قليلة وهناك بعض الإشارات في بعض المصادر منها ما ذكره المؤرخ سليمان الصائغ في كتابه (تاريخ الموصل) بقوله : ” … لما ثار أهالي الموصل، وأبوا قبول القانون العسكري وتنفيذه أرسل إليهم (محمد إنجه بيرقدار) أحد أعوانه ويدعى (قاسم أفندي) ليدعوهم إلى الطاعة ويقنعهم بالإذعان إلى القانون العسكري فلما أقبل رسوله إلى الأهالي ثاروا عليه وقتلوه … مما أثارت (بيرقدار) وعدها بمثابة إعلان التمرد على حكومته، لذلك قرر استخدام القوة لمعاقبتهم وإخضاع الأهالي، وبالفعل استطاع افشال الثورة، وكلفت الموصل الكثير من الخسائر، في الوقت ذاته نفذ قراره الخاص بنظام القرعة العسكرية في الموصل وتمكن من تجنيد (٣٠٠٠) شخص بالإضافة إلى قوة من الخيالة غير النظامية وكتيبة صغيرة والتي استخدمها في حملاته العسكرية.

كما اهتم بشكل كبير بأحوال الجند وأنشأ لهم الثكنات الخاصة بهم، وحسب صنوفهم كالمشاة والخيالة والمدفعية، وأنشأ لهم العديد من الأفران، وأنشأ معملاً لصنع القنابر والمدافع والبارود أطلق عليه اسم (الطوبخانة) وجلب له الصناع المهرة من راوندوز لعمل المدافع فصنعوا له ما يقارب (٣٠) مدفعاً بإشراف الاسطة (رجب)، وقد كتب على إحداها أبيات من الشعر باللغة التركية وهي مؤرخة بسنة ١٨٤٣م.

في هذا الوقت كانت الدولة العثمانية تراقب عن كثب الأوضاع الخطيرة في شمال العراق وبالتالي تركت الصراعات القبلية والأهلية بين الامراء الكرد والتي كانت تصل إلى أعلى درجاتها باستيلاء بعض امرائها على ممتلكات البعض الآخر وضرب قبيلة بأخرى، ثم كانت الخطوة التالية تكليف وتوجيه (محمد إنجه بيرقدار) للقضاء عليهم – كما سنرى في الحلقة-

المصادر المعتمدة :

١ – ستيفن همسلي لونكريك، أربع قرون من تاريخ العراق الحديث، ترجمة جعفر الخياط، (بغداد، ١٩٨٥).
٢ – علي عفيفي علي غازي، الجزيرة العربية والعراق في استراتيجية محمد علي باشا، (مصر، ١٩٦٩م).
٣ – سهيل صابات، العثمانية التاريخية، مراجعة عبد الرزاق محمد حسن بركات، (الرياض، ٢٠٠٧).
٤ – إبراهيم خليل أحمد، التشكيلات الإدارية والعسكرية في ولاية الموصل أواخر العهد العثماني ، مجلة بين النهرين العدد (٣٧،٣٨)، ١٩٨٢م.
٥ – ذنون يونس الطائي، الاتجاهات الإصلاحية في الموصل، من زواخر العهد العثماني وحتى تأسيس الحكومة الوطنية، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة الموصل، ١٩٩٠م.
٦ – سعيد الديوةجي، بحث في تراث الموصل، دراسة في المصادر التاريخية لتراث وخطط مدينة الموصل، (الموصل، ١٩٨١).
٧ – أحمد الصوفي، خطط الموصل، ط١، (الموصل، ١٩٥٣).

مقال خاص براسام

Exit mobile version