أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
كان موضوع التجارة من المواضيع التي شغلت مناقشات مجلس الأعيان العراقي، حيث شملت التجارة الخارجية، والاستيراد والتصدير والموازنة بينهما، والتجارة الداخلية، وموقف الدولة من الأسعار، فضلاً عن مواضيع تتعلق بالرسوم والضرائب والنقل وامور أخرى.
ففي مجال التجارة الخارجية، انتقد العينان مولود مخلص وحسن الشبوط استيراد البضائع الأجنبية بشكل واسع، وطالبا بزيادة الرسوم على الكماليات والمشروبات، وأكدت الأمر نفسه لجنة الأمور المالية والاقتصادية في تقاريرها للأعوام ١٩٤٧، ١٩٥٣، ١٩٥٤، ١٩٥٥، ١٩٥٦ فتح باب الاستيراد على مصراعيه وإغراق السوق العراقية بمختلف البضائع والسلع الأجنبية، كما أشار العينان (محمد رضا الشبيبي وعلي ممتاز الدفتري) إلى ازدياد استيراد المواد الكمالية خلال السنوات الأخيرة، وطالبا بفرض قيود على استيرادها لأنها أصبحت مكدسة وتفيض عن حاجة البلد.
وفي مجال التصدير دعت اللجنة المالية والاقتصادية لعام ١٩٣٤م إلى تأليف مجلس اقتصادي يضم خيرة الرجال الأكفاء لمعالجة قضية تصدير المنتجات وتسهيل ترويجها في الخارج، وأكدت الأمر نفسه في تقريرها لعام ١٩٥١م لكي لا تبقى شؤون البلاد واقتصادياتها بالاستيراد والتصدير عرضة لأضرار كبيرة للبلاد والدخل القومي والميزان التجاري، وطالبت اللجنة في تقاريرها للأعوام ١٩٤٧، ١٩٥٣، ١٩٥٤، ١٩٥٥، ١٩٥٦ بضرورة توازن الميزان التجاري بإكثار الصادرات وإيجاد واردات ثابتة للدولة غير واردات النفط وانتقاد الحكومة على عدم اتخاذ الإجراءات من طغيان الواردات على الصادرات.
ولأجل تطوير التجارة طالب العينان (حسن شبوط ومولود مخلص) بتأليف شعبة للتجارة ترتبط بوزارة الأشغال والمواصلات لأن ذلك يتعلق بتطوير التجارة، وأشارت لجنة الأمور المالية والاقتصادية في تقريرها لعام ١٩٥٠ – ١٩٥١، على وجوب الاهتمام بكلية التجارة والاقتصاد لحاجة معظم المؤسسات التجارية في البلاد إلى أيدي لها قابلية وكفاءة لتأمين وتدوين المعاملات التجارية.
كان بعض الأعيان شديد الاندفاع للدفاع عن التجار وحقوقهم، فنجد العين (يوسف غنيمة) يقترح عام ١٩٢٨م الاستعجال بتعرفة الرسوم الكمركية لأن تأخيرها حسب رأيه يضر بالتجار، وعند مناقشة قانون التعرفة الكمركية عام ١٩٣٣م، والذي رفع ما يؤخذ من كمارك على دخول العديد من السلع الأجنبية أوضح العين (مصطفى العمري) ما يضر بالتجار وأصحاب الأموال وتؤدي الى ارتباك المعاملات التجارية، كما انتقدت لجنة الأمور المالية والاقتصادية لعام ١٩٥٦م، التعرفة الكمركية وما ولدته من ارتباك في الأسواق وأثرت بالدرجة الأولى في طبقة الفقراء والطبقة الوسطى.
كما انتقد الأعيان الرسوم والإجراءات على بعض البضائع، فقد انتقد العين (محمد علي فاضل أفندي) عام ١٩٢٥م، وضع رسوم على المصارين ، لأن هذا الرسم يجعلها مكدسة ولا يقدم تاجر على شرائها لأنها تكون أغلى مما يصدر من روسيا وأستراليا وغيرها، وهذا ضرر للبلاد ومنفعة لروسيا وأستراليا، وأكد الأمر نفسه العين (أصف أفندي) عام ١٩٢٧م، وأوضح العين (مولود مخلص) إن رسم الصابون ليس في محله لأن البلاد لا تنتج الصابون وكذلك رسم الشاي، وانتقد العينان (أحمد الداؤد وصالح جبر) حصر توزيع الخام بعدد من التجار لم يشتغلوا بالخام سابقاً بأنه أمر غير عادل، ومعناه إخراج عدد كبير من التجار من السوق والقضاء عليهم، واعترض الأعيان (مصطفى العمري ومحمود صبحي الدفتري وداود الجلبي) على الضرائب التي تفرض على الأخشاب والأسمنت لأنها تدخل في العمران، وكذلك الرسوم التي تفرض على النفط المستخرج داخل العراق، وأشار العين (عباس مهدي) إلى ضرورة إعادة النظر في المكوس على السكائر لأن هناك عدداً كبيراً من الفقراء يدخنون السكائر، وطالب العين (رايح العطية) رفع رسوم الاستهلاك عن التمور وإيجاد أسواق لتصريفها، كما انتقد أعضاء لجنة الأمور المالية والاقتصادية لعام ١٩٥٦م، زيادة الرسوم على الأقمشة القطنية والحريرية التي تلبسها الطبقة الوسطى والفقيرة.
أما بخصوص تطوير التجارة والتعامل التجاري، فقد كان للأعيان ملحوظات على ذلك، فقد أشار العين (محمد رضا الشبيبي) إلى ضرورة اتباع نظام المبادلة التجارية للحفاظ على الثروة بشرط أن المصدّر لنا يأخذ بضائع، وأن لا تكون تجارة الذهب حرة، وأكد العين (مولود مخلص) أن الاستيراد مقابل مبالغ سيجعل ثروة البلاد في تناقص، وأشار إلى الأمر نفسه العين (عبد المهدي) الذي طلب أن تكون للحكومة سياسة اقتصادية وأن لا تترك الباب مفتوحاً لتسرب ثروة البلاد، وانتقدت لجنة الأمور المالية والاقتصادية في تقريرها لعام ١٩٥٦ – ١٩٥٧م اتكال الحكومة على واردات النفط وما يعانيه في التصدير في أثناء الأزمات.
أما بخصوص النقل للتجارة الخارجية، فقد أشار العين(محمد رضا الشبيبي) عام ١٩٥٦ – ١٩٥٧م، أن العراق يصدر ملايين الأطنان فلابد من انشاء اسطول بحري، وطالبت لجنة الأمور المالية والاقتصادية لعام ١٩٥٦م توسيع ميناء البصرة وتأسيس ميناء أم قصر والاهتمام بالموانئ والطيران المدني لأغراض تجارية.
ومن الأمور المطروحة كذلك عدم تدخل الحكومة في التسعيرة مما يولد ارتباك السوق حسب رأيهم، واعتماد المكاييل والموازين المقررة لأن عدم تطبيقها فيه أضرار مادية ومعنوية.
وخلاصة مما تقدم نجد اهتماماً بموضوع التجارة ودفاعاً عن حقوق التجار، ومحاولة تنظيمها بالشكل الذي يحقق لهم الفائدة، والحقيقة كان رائدهم خدمة البلاد وتوفير البضائع للشعب بأسعار مناسبة والحفاظ على الثروة من التسرب.
مقال خاص براسام

