Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

أثر الانسحابات على الانتخابات العراقية

الباحث: حسين صالح السبعاوي

رغم مقاطعة أغلبية الشعب العراقي لكل اانتخابات تجرى في البلاد إلا أننا أمام سيناريو جديد وهو مقاطعة المرشحين والكتل السياسة لهذه الإنتخابات المزمع إجراؤها في تشرين الأول من هذا العام، ويبدو أن المشهد السياسي العراقي يعيش أسوء مراحله بعد ثمانية عشر عاما أجريت فيها خمسة انتخابات برلمانية منذ ٢٠٠٥ وإلى الآن، وكانت الانتخابات الأولى قد قاطعها العرب السنة ولم يشارك فيها أحد منهم ورغم ذلك تشكلت حكومة إبراهيم الجعفري من خلال هذه الانتخابات، أما بالنسبة للانتخابات المقبلة فالمشهد أكثر تعقيدا فهناك دعوات للمقاطعة من قبل الناخبين بسبب عدم تحقيق ما قبلها من انتخابات لأي هدف كانوا قد وعدوا به الشعب العراقي حتى وصل الناخب إلى مرحلة اليأس من أن هذه الانتخابات سوف تعالج الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في البلاد، ومعلوم السبب هو لعدم نزاهتها مع هيمنة السلاح المنفلت واستخدام المال السياسي وهيمنة الفاسدين على المشهد الانتخابي، لكن مالم تشهده أي انتخابات هو انسحاب كتل شيعية مهمة من المشهد الانتخابي، خصوصا أن هذه الكتلة هي من أهم الكتل التي كانت ترتكز عليها العملية السياسية والانتخابية في العراق وهي كتلة التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، إضافة لكتل أخرى أعلنت انسحابها من الانتخابات، وكذلك أعلن الكثير من المرشحين انسحابهم من الانتخابات المقبلة، وما يثير الشك والدهشة أن هذه الكتل لم تعلن عن فشل العملية السياسية في العراق ولم تعلن عن تركها العمل السياسي نهائيا ولم تفرض شروطا جديدة للمشاركة بل كان انسحابها مفاجئا وتركت اتباعها في دوامة التفكير والتحليل والتبرير لهذا الانسحاب وخاصة كتلة التيار الصدري أو ما يعرف بسائرون، كما إن لهذا الانسحاب أثره على الكتل الأخرى وله مخاطر على المشهد العراقي ويمكن أن نجمله بما يلي :
١- إن انسحاب مقتدى الصدر – وهو يعتبر من أكبر الكتل لدى الفاعل السياسي الشيعي – سوف يربك المشهد وسيفكك ما يسمى بالبيت الشيعي خصوصا إنهم يدركون حجمه وأثر مقاطعته للانتخابات .
٢- يمتلك التيار الصدري أكبر مليشيا مسلحة وهي ما يطلق عليها سرايا السلام وهم يدركون أن طريقة تفكير زعيم هذه المليشيا حيث يعتمد على القوة في حال عدم تحقيق مطالبه بالسياسة والحوار، سيما إنه طالب برئاسة الوزراء المقبلة .
٣- عقد التيار الصدري عدة تحالفات مع الكتل السياسية للمرحلة المقبلة وخاصة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني وبعد هذا الانسحاب تعقّد المشهد في هذا التحالف، وكذلك في التحالفات الأخرى مع الكتل السياسية فيما بينها، بحيث أصبح الجميع لا يثق بأي تحالف الآن وقد صرح مسعود البارزاني عن التيار الصدري حيث قال: ” إن التيار يتخبط بقراراته واتفاقاته وأن هرم الكتلة لا يعرف ما يريده”، كما ذكر بارزاني إن التيار الصدري قد اتصل بهم وطلبوا منهم الانسحاب من الانتخابات المقبلة لكنهم رفضوا .
٤- لقد وعد التيار الصدري جمهوره بأنه سوف يحصل على قرابة مائة نائب في الانتخابات المقبلة وأن منصب رئيس الوزراء سيكون للتيار وبطريقة مفاجئة ينسحب التيار من الانتخابات، وهو ما سينعكس على تفكك التيار وتشتت الكثير من اتباعه خصوصا وإن كثير من مواقف زعيم التيار الصدري فيها تناقض كبير، خصوصا في الآونة الأخيرة مع انتفاضة تشرين واستهداف أتباعه لهم بعدما كان يعرف بأنه مع مطالبهم ومع الاصلاح، كل هذا سوف يعكس سلبا على اتباع التيار الصدري .
ابرز الكتل السياسية المعلنة اسنحابها من الانتخابات :
١- كتلة سائرون بزعامة مقتدى الصدر
٢- المنبر العراقي الحر بزعامة إياد علاوي
٣- جبهة الحوار الوطني بزعامة صالح المطلق
٤- الحزب الشيوعي .
كما توقعت المفوضية العليا للانتخابات أن يتجاوز عدد المنسحبين من الانتخابات إلى أكثر من مائة مرشح، جاء ذلك على لسان مسؤول الإعلام في المفوضية حسن سلمان في ٢٣ تموز ٢٠٢١
ومن الجدير بالذكر أن أصل الانتخابات المبكرة جاءت نتيجة الضغط الجماهيري من خلال انتفاضة تشرين في ٢٠١٩ وكان من المفترض أن يتشكل كيان سياسي للانتفاضة لغرض المشاركة لكن قيادة الانتفاضة كانت على وعي كبير من هذا الفخ الانتخابي فاعلنت عدم مشاركتها في الانتخابات وطالبت جميع الأحزاب المشاركة بعدم التكلم باسمها وأن أي مرشح يدعي أنه يمثلها فإن انتفاضة تشرين بريئة منه ولا يمثلها وبهذا قطعت الطريق على من يريدون ركوب موجتها مما أربك الحسابات لكثير من الأحزاب .
هنا يرد السؤال المهم: إذا لم تشارك انتفاضة تشرين في الانتخابات ومع كل هذه الانسحابات المتتالية من قبل الكتل السياسية يضاف لذلك مقاطعة الشعب العراقي لها فما قيمة الانتخابات المبكرة ؟!

ماهي الاسباب التي دعت الكتل السياسية للانسحاب من الانتخابات :
١- اتفق جميع المنسحبين بأن الأجواء السياسة والأمنية غير ملائمة للانتخابات في هذا التوقيت .
٢- أغلبية المنسحبين أشاروا إلى أن السلاح المنفلت والمال السياسي الفاسد هو السبب لهذه الانسحابات .
٣- ذكر اغلب المرشحين بأنهم تعرضوا لتهديدات من قبل مسلحين وقوى متنفذة اجبرتهم على الإنسحاب من الترشح .
٤- الكثير من الكتل والمرشحين أدركوا عدم حصولهم على فرصة لفوزهم في الانتخابات مما جعلهم ينسحبون قبل الدخول بالسباق حفاظا لماء الوجه .
كل ما ذكر أعلاه، ذكره سابقا المعارضون للعملية السياسية مؤكدين على أن هذه العملية هي عملية عرجاء وعوراء قد جاء بها الإحتلال الأمريكي ليمزق من خلالها المجتمع العراقي على أسس طائفية وعرقية، وإلا كيف لانتخابات محسوم فيها عدد المقاعد في البرلمان لكل مكون وأن المناصب السيادية موزعة وكذلك الوزارات والدرجات الخاصة وحتى على مستوى المدراء والموظفين؟! ما قيمة انتخابات لا توجد فيها اغلبية سياسية حاكمة وأقلية سياسية معارضة تراقب الأداء الحكومي وتشخص أخطاءه وتصوبها؟ ما قيمة انتخابات والمليشيات تهدد الناخب بقوة السلاح وأصحاب المال الفاسد يشترون الأصوات بأموالهم؟
إن الحل السياسي للعراق والخروج من هذه الأزمات هو إنهاء هذه العملية السياسية الفاسدة والشروع في بناء عملية سياسية جديدة تبنى على أسس وطنية بعيدة عن الطائفية والعرقية وتكون فيها الانتخابات حرة ونزيهة يختار الناخب فيها من يريد انتخابه حسب ما مطروح أمامه من مشاريع وطنية وتنموية ويثق بقادة هذه المشاريع لكي لا يذهب صوته سدى وفي مهب الريح.
وإن الشعب العراقي يتطلع إلى مثل هذا اليوم الذي يتخلص فيه من الفاسدين والذين سرقوا المال العام ودمروا الدولة ومؤسساتها .
( وإن غداً لناظره قريب )


مقال خاص براسام

Exit mobile version