Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مجلس الأعيان العراقي (١٩٢٥ – ١٩٥٨م) وموقفه من الأوضاع الاقتصادية/ أولا : الزراعة (الجزء الأول)

أ‌. د. عدنان القطان : باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

أولى مجلس الأعيان في مناقشاته أهمية كبيرة بضرورة رفع مستوى الطبقات الفقيرة ورفع المستوى المعاشي للمواطنين والاهتمام بالثروة الأقتصادية التي تعمل على تطوير البلاد ورفع مستوى الفرد العراقي المعاشي والرفاهية، وكان للزراعة والصناعة والتجارة اهتماما خاصا في مناقشات المجلس – كما سنرى –

أولاً : الزراعة :
كما هو معروف تعد الزراعة أهم مصادر الاقتصاد العراقي لذا شغلت حيزاً في مناقشات مجلس الأعيان، ونعزو ذلك لسبيبين أَساسيين أولهما أن نسبة عالية من الأعيان هم من ملاكي الأراضي، وثانيهما أن الزراعة كانت تعد أهم مصادر الاقتصاد العراقي – كما ذكرنا سابقا – وبشكل خاص قبل أن يكون انتاج النفط مجزياً.

من الأمور المهمة التي دعا إليها الأعيان لتطوير الزراعة، هي مكافحة الآفات الزراعية وزيادة مخصصاتها، وكان من أهم الآفات الزراعية التي تناولها الأعضاء بالمناقشة هي آفة الجراد، فقد طلب العين (يوسف عما نوئيل) من الحكومة النظر حالاً في أمر الزراع المنكوبين، وتدبير قضية جمع بيوض الجراد لتلافي تجدد الأزمة، وأيده في جلسة مجلس الأعيان لعام ١٩٢٥م الأعيان (أصف أفندي وفؤاد الدفتري وحسن الشبوط وجميل صدقي الزهاوي) في حين انتقد الأعيان (داؤد الجلبي وأصف أفندي وفؤاد الدفتري وحسن الشبوط) الحكومة لتأخرها بواجب القيام بمكافحة الآفات الزراعية.
ودعا الأعيان إلى الاهتمام بالأمور العلمية الخاصة بالزراعة، فقد طالب العين (محمد علي فاضل أفندي)، الاهتمام بالإرشاد الزراعي وضرورة تعيين مأمورين ومعاونين لكل قضاء للإستفادة من شهاداتهم العلمية الحديثة.
وأكد الأمر نفسه العينان (مولود مخلص وحسن الشبوط) في جلسة الأعيان لعام ١٩٢٥ – ١٩٢٦م، طالبين فضلاً عن المأمورين بجلب الخبراء الفنيين للاهتمام بالزراعة، وانتقدا مزرعة الرستمية بوصفها مزرعة تجريبية.
وفيما يتعلق بالآلات الحديثة والمكائن الزراعية طالب عدد من الأعيان ضرورة استخدامها لتحقيق زيادة الإنتاج وتقليل جهود الأفراد، وبهذا الصدد انتقد العين (مولود مخلص) الحكومة لاعتمادها على الآلات البدائية في الزراعة، مشيرا إلى التطورات الهائلة التي يشهدها العالم، مبينا أنه لا يزال الفلاح العراقي لا يجد إلا المحراث القديم، في حين طالب العين عبد المحسن شلاش بإرسال بعثات من الفلاحين أنفسهم إلى الخارج لكي يتطلعوا على التجارب العالمية وينقلوا التجربة لبلادنا، وفي الجلسة نفسها لمجلس الأعيان لعام ١٩٣٨م، طالب العين (داؤد الجلبي) تقسيم الزراعة إلى أقسام منها (تجارب وإرشاد ومكافحة)، وذكر كيف فشلت تجربة زراعة الفستق وكيف ظهرت الأشجار ذكوراً، ودعت اللجنة المالية والاقتصادية لعام ١٩٣٨م، لتوسيع دائرة الزراعة وخاصة شعبة الإرشاد، كما طالب العين (جلال بابان) بتوسيع نطاق التجارب.
وتضمن تقرير لجنة الأمور المالية والاقتصادية لعام ١٩٤٧م، بمعالجة فشل دوائر الزراعة ووجوب جمع طلاب البعثات الزراعية الذين عادوا إلى البلاد في مختلف دوائر الحكومة وحشدهم في مديرية الزراعة للعمل فيها.
أما في مجال تطوير المحاصيل الزراعية ومشاريعها، فقد تقدمت مشاريع الري والمكائن والآلات الزراعية على غيرها في مناقشات الأعيان، فقد دعا العين (حسن الشبوط) إلى إصلاح حالة الري المتخلفة، وكان يرى أن يكون في الميزانية مخصصات لفتح الأنهار وجلب الآلات للنهوض بالزراعة، في حين طالب العين الشبوط نفسه ومعه العين أصف أفندي، بضرورة الاهتمام بمياه مندلي وقزانية وزرباطية، لأن مندلي من الأقضية المهمة في العراق، لأن فيها ثروة من أشجار النخيل، وبيّن أصف أفندي أن نهر الدجيل الذي أصبح لا يدخله الماء، حرم الكثير من الأهالي من الزراعة. كما طالب (أفندي) نفسه بحفر آبار ارتوازية في المنطقة الشمالية، وأكدت الأمر نفسه اللجنة المالية والاقتصادية في تقريرها لعام ١٩٢٨م. وأشار العين (مولود مخلص) إلى أن الحالة الزراعية غير مطمئنة لقلة الأمطار ونضوب مياه الأنهار والآفات الزراعية الأخرى، واستفسر عن مشاريع الري التي تقوم بها الحكومة، كما طالب العين (أصف أفندي) بمبازل كربلاء ومشروع الغراف ومشروع أبو غريب وري الموصل ومياه مندلي وزرباطية.

وأكد الأعيان على أهمية مشروع الغراف مرات عديدة، فقد وصفه العين (حسن الشبوط) عام ١٩٣١م، بأنه أنبار العراق وكنزه الثمين وسماه بـ (البقرة الحلوب) التي تجلب الفضة والذهب للبلاد، وطلب أن يقدم على القصر والجسر والمدرسة، وأكد الأعيان محسن أبو طبيخ وأصف أفندي وناجي السويدي وياسين الخضيري ورشيد عالي الكيلاني على موضوع مشروع الغراف وأهميته الاقتصادية والاجتماعية.
ومن الجدير بالذكر أن مشروع الغراف لم يكن المشروع الوحيد الذي أكده الأعيان، بل هناك مشاريع كثيرة، كان تأكيدها مستمرا، فلم تمر مناسبة دون أن يؤكد فيها العين محسن أبو طبيخ مشروع إنهاء ظاهرة (النكارات) التي هي عبارة عن تخسفات تحصل في قاع النهر بحيث يتحول إلى شبه شلال ونتيجة لذلك تنخفض مياه النهر لدرجة كبيرة مما يؤدي إلى عدم الاستفادة منه، ويكون متركزا في المشخاب وأماكن أخرى، وأكد موضوع النكارات الأعيان ناجي السويدي وعبد المحسن شلاش ورابح العطية مؤكدين أهمية مكافحتها.
استمر تأكيد الأعيان على أهمية الري والمبازل والمشاريع المتعلقة بهما، فقد أوضح العين عزرا مناحيم دانيال عام ١٩٣٧م، أنه يود أن يرى مشاريع الري تنال نصيباً أوفراً، أيّده في ذلك العين أحمد الداؤد مؤكدا أن الزراعة لا تتم إلا بالري، وأكد العينان عبد المحسن شلاش وداؤد الجلبي، أهمية مشروع الحبانية لدفع مضار كثيرة ولجلب منافع كثيرة، كما طالب العينان جلال بابان وعبد المحسن شلاش زيادة مخصصات الري وتقديم مشاريعه على المشاريع الأخرى، وفي جلسات مجلس الأعيان لعام ١٩٥٨م، طالب الأعيان (محمد رضا الشبيبي وعبد المهدي ومحسن أبو طبيخ) بالاهتمام بمشاريع الري والبزل كونها من واجبات الحكومة وهي التي تتحمل تكاليفها.
كان التأكيد على بناء السدود والخزانات من الأمور التي شغلت مناقشات الاعيان أيضا، فقد طلب العين جلال بابان تنفيذ المشاريع للتخلص من الفيضان وأكد أهمية مشروع سد (بخمة) ومشروع الطويلة (قزرباط) وكذلك موضوع السدود للتخلص من الغرق، وطلب زيادة تخصيصات الري بما يناسب والمساحات الشاسعة من الأراضي التي يمكن استغلالها وأيده العين حمدي الباجه جي، وأشار إلى الموضوع نفسه العين عبد المحسن شلاش، الذي طالب بالاهتمام بخزن المياه ورفع مستواها عن الأرض والسدود وفتح الجداول والترع، وطالب العين (محسن أبو طبيخ) انجاز مشاريع لا تكلف كثيرا كمشروع الغرار والرميثة، وغيرها، ودعا العين (عزرا مناحيم دانيال) في جلسات مجلس الأعيان لعام ١٩٤٥م، إلى استقدام أفضل الخبراء في أمور الري ووضع الخطط لما هو مطلوب إنشاؤه وإن تطلب الأمر اقتراض مبالغ كبيرة.
ولم تكن الدعوة للاهتمام بالري تقتصر على الأعضاء فحسب، بل تضمنتها توصيات اللجان في المجلس ولمرات عدة، فقد أوصت لجنة الأمور المالية والاقتصادية الحكومة باستغلال الأراضي الأميرية، وتهيئة مشاريع ري منظمة على غرار مشروع الدجيل وأبي غريب واليوسفية، وتوزيعها على أساس ملكيات صغيرة على الفلاحين، وصغار الضباط والموظفين المتقاعدين وتشجيع العاطلين عن العمل، وأكدت لجنة الأمور المالية والاقتصادية الأمر نفسه في تقاريرها للسنوات ١٩٤٨ – ١٩٥٧م.
هكذا طرقنا إلى مناقشات ومواقف الأعيان ومطالبهم من أجل تطوير البلاد في القطاع الزراعي ونظرا لسعة الموضوع فكان هذا الجزء الأول وسنتطرق في الجزء الثاني – إن شاء الله – إلى مواقف وطروحات ومناقشات السادة الأعيان من المحاصيل الزراعية وتطويرها وكذلك المطالبة بالعناية بالثروة الحيوانية والضرائب والرسوم على الزراعة ودور المصرف الزراعي في مساعدة الفلاح والتطرق إلى الملكيات الزراعية وأخرها التي كانت مثار خلاف ونقاش العلاقة بين الفلاح والملاك – كما سنرى –

مقال خاص براسام

Exit mobile version