Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

جمعية فلسطين العربية في باريس ١٩٤٤م

أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مدخل :
كان لصدور وعد بلفور في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧م، المتضمن عطف بريطانيا على فكرة إنشاء (وطن قومي) لليهود في فلسطين، فاتحة صراع جديد بين العرب الساعين للاستقلال والوحدة، وكل من الاستعمار وحليفته الصهيونية العالمية، فقد أثار سخطاً عربياً واسلامياً في عموم العالمين العربي والإسلامي. وبينوا أن وعد بلفور باطل حقوقيا لأنه هبة صدرت من غير مالكها، وهو أمر لا يتفق والمبادئ الإنسانية التي تتحلى بها الأمم.
مع تطورات القضية الفلسطينية، لاحظ الطلبة العرب الدارسين في فرنسا وتحديدا في باريس الأعيب الصهيونية العالمية ومطامعها وتآمرها على العرب وتشجيع الدول الاستعمارية لها، ولم تكن الدراسة الشغل الشاغل لهؤلاء الطلبة الذين كانوا يتلقون تعليمهم في باريس، بل كانت فلسطين هي المحور الأساسي لتواصلهم مع بعضهم البعض فضلاً عن قضايا الأقطار العربية الأخرى، وما كانت تعانيه من جراء التسلط الاستعماري عليها، وقد أسس هؤلاء الشباب (جمعية الشباب العربي) وانتخب عبد الجبار الجومرد (من العراق) رئيسا لها وضمت في كنفها أعضاءً من مختلف الأقطار العربية، واتخذت من (نادي الجزائريين) بباريس الذي كان يرأسه (الفضيل الروتلاني) مقرا لها. وكانت هذه الجمعية تعقد اجتماعات ولقاءات دورية للتداول من أجل العمل على دعم نضال فلسطين.
عقد الطلبة العرب اجتماعاً في باريس في صيف عام ١٩٣٧ قرروا خلاله عقد (مؤتمر الطلبة العرب الأول) في بروكسل للفترة من ٢٧ – ٢٩ كانون الأول ١٩٣٨م، على أن يحضره سائر الطلبة العرب الدارسين في جامعات أوروبا الغربية لدراسة أوضاع الوطن العربي، ولتحتل القضية الفلسطينية وسبل الدفاع عنها مكان الصدارة فيه.
وعلى أثر نزول قوات الحلفاء في باريس في حزيران ١٩٤٤م ومن ثم هزيمة الألمان نشطت الحركة الصهيونية في باريس، حيث لم تشهد الساحة الفكرية والسياسية في فرنسا قبل عام ١٩٤٤م، نشاطا لمنظمات صهيونية على النطاق السياسي، بل كان هذا النشاط يتبلور في بعض المظاهر الثقافية والتعليمية، غير أن تطورات الأحداث أنتجت منظمات سياسية تتولى مهام الدفاع عن مصالح الجالية اليهودية، لأنها تشكل خلية منفصلة عن المجتمع الفرنسي حسب ادعاءات الأوساط الصهيونية، فضلا عن عملها لتحقيق فكرة تحويل “فلسطين الى دولة يهودية”.
تحرك الطلبة العرب الدارسين في باريس للوقوف بوجه هذا النشاط الصهيوني ودعايته، وقاموا بتأسيس (جمعية أصدقاء فلسطين العربية) في صيف ١٩٤٤م، اتخذت من (نادي شمال أفريقيا) بباريس مقراً لها، الكائن في شارع (سان ميشيل) بناية ١١٥.
تم انتخاب هيئة إدارية من بين المنتمين إليها قوامهم خمسة عشر عضواً، والتي ضمت كلا من (عبد الجبار الجومرد) من العراق، وإبراهيم مغيرة وأبو بكر مهدي وعثمان العاتبة والطيب حشيشة وأحمد الأشرف (من أقطار المغرب العربي) ومحمد القصاص والسيد البدوي ومحمود القاسم (من مصر) وأحمد علوي وعوني بركات ومحمود بلولان وعبد الوهاب حومد سلطان (من سوريا) ونجيب صدقة وسعيد دويهي (من لبنان)، وانتخب الهيئة الإدارية في أول اجتماع لها عبد الجبار الجومرد (من العراق) رئيسا لها ونجيب صدقة (من لبنان) سكرتيراً لها.
تحرك عبد الجبار الجومرد رئيس الجمعية ورفاقه من الطلبة العرب للوقوف بوجه هذا النشاط الصهيوني ودعايته.
لاقت الجمعية بعد شروعها بالعمل تجاوباً ودعماً من الجالية العربية في باريس، فضلاً عن المناصرين للقضية الفلسطينية من الفرنسيين الذين كانوا يقومون بالتبرع لدعم نشاطاتها، وقامت الجمعية بطبع المناشير والنشرات الإعلامية التي توضح أحقية الشعب العربي في فلسطين، داحضة في الوقت نفسه مزاعم الصهيونية.
– مأساة فلسطين العربية :
أقدم عبد الجبار الجومرد رئيس الجمعية وضمن نشاط الجمعية الإعلامي في عام ١٩٤٥م، على طبع كتاب ألّفه باللغة الفرنسية بعنوان (مأساة فلسطين العربية) بغية اطلاع الرأي العام العالمي عامة والفرنسي بشكل خاص، على الخطر الصهيوني، وعلى الجريمة التي سترتكبها الصهيونية العالمية بدعم واسناد من الاستعمار على أرض فلسطين العربية.
اعتمد عبد الجبار الجومرد في مؤلفه هذا على مصادر عديدة ووثائق أساسية ورسمية متناولا فيه القضية الفلسطينية منذ جذورها الأولى حتى عام ١٩٤٥م، وقد قدم من خلاله قضايا أساسية، أهمها أن فلسطين ليس بالإمكان أن تعدُ “أرضا لليهود”، بل إن الصهيونية ليس لها أي حق بفلسطين وأرضها. كما طرح مسألة في غاية الأهمية وهي ان حل ما يسمى بـ “المسألة اليهودية” على حساب فتح فلسطين العربية (لليهود)، تتعارض مع منطق التاريخ وتطوره، كما فند مزاعم “وعد بلفور” الذي أصدرته الحكومة البريطانية في تشرين الثاني ١٩١٧م، لاسيما ارتباطه ببنود الانتداب البريطاني على فلسطين، ومن حيث تعارضه مع البند (٢٢) من الميثاق سواءً عند إقرار المؤسسات أو في التطبيق، مؤكداً وجوب أن يؤدي تطبيق الانتداب في نهاية المطاف الى إعطاء الاستقلال لفلسطين.
وفضلا عن ذلك تصدى (الجومرد) في مؤلفه، الى قضية “الهجرة الصهيونية” التي كانت ضد الإرادة العربية وضد القوانين التي لم ترعَ حرمة حقوق سكان عرب فلسطين، وكانت الغاية من الكتاب بالأساس، هي اطلاع الرأي العام الغربي والفرنسي منه بشكل خاص على الجوانب العادلة لكفاح العرب العادل إزاء الغزو الصهيوني الجديد المتحالف مع الامبريالية بغية الحفاظ على هوية فلسطين العربية.
ومن المفيد الإشارة الى أن مؤلف (مأساة فلسطين العربية) يعد من طلائع الكتب التي صدرت في تلك الفترة عن القضية الفلسطينية باللغة الفرنسية ونال اهتمام الصحافة الفرنسية والعربية والعراقية، في وقت كان الصهاينة ينتهزون أية فرصة للدعاية وتزييف الحقائق.
وقامت (جمعية أصدقاء فلسطين العربية) بتوزيع هذا الكتاب على المؤسسات الاجتماعية والقنصليات الأجنبية والمقاهي ودور الطباعة والنشر، ولأجل إيصاله إلى أكبر عدد ممكن من الناس حددت الجمعية سعر بيعه بمبلغ زهيد وهو فرنك فرنسي.
ترك الكتاب صداه الإعلامي المؤثر على الرأي العام الفرنسي، بحيث قامت العناصر الصهيونية في باريس بشراء كميات كبيرة من نسخه التي وزعت على المكتبات لبيعها، وقامت بإحراقها.
وهكذا نكون قد عرضنا بشكل موجز كيف كان الشباب العربي قبل ما يقارب ثمانية عقود من الزمن مناصرين للقضية الفلسطينية عن إيمان وعمل ولسان حالهم يقول :
وهل ارتقت للعز إلا أمةً
كثرت فعائلها وقل كلامها
إني أرى إن لم تشدوا عزمكم
ضاعت فلسطين وذل كرامها

المصادر المعتمدة :
١ – شاكر نوري، الحركة الصهيونية في فرنسا، (منذ دريفوس حتى الوقت الحاضر)، (بغداد، ١٩٨٦).
٢ – إبراهيم خليل احمد وآخرون، قضايا عربية معاصرة دراسة تاريخية سياسية، (الموصل، ١٩٨٨).
٣ – حول وعد بلفور، يراجع، يوسف هيكل، فلسطين قبل وبعد، (بيروت، ١٩٧١).
٤ – عبد التواب أحمد سعيد، العراق والقضية الفلسطينية بين ١٩٣٦ – ١٩٤٧، كلية الآداب، جامعة عين شمس، (القاهرة، ١٩٧٨).

Exit mobile version