Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

برلمان بلا معارضة

الباحث: حسين صالح السبعاوي

يرتكز النظام البرلماني على ركنين أساسيين هما السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، الأولى هي الحكومة بكل أجهزتها والثانية هم أعضاء مجلس النواب من جميع القوى السياسية سواء الأغلبية أو الأقلية أو ( الكوتة )التي تمنح للأقليات العرقية أو الدينية، ومهمة المجلس هي الرقابة وتشريع القوانين، أما الرئيس أو الملك فهو عادة ما يكون مصانا غير مسؤول ومنصبه تشريفي أكثر مما هو تنفيذي، مهمته حماية الدستور وتمثيل الدولة في بعض المؤتمرات التي تستدعي حضور الرؤساء والملوك.
يؤخذ على النظام البرلماني بأنه يعتمد على توزيع الصلاحيات والمسؤوليات ولا يجعلها بيد شخص أو جهة واحدة خوفاً من ظهور الديكتاتورية، وعلى عكس هذا يؤخذ على النظام البرلماني أيضا بأنه نظام هش ومرتبط في حالات كثيرة بعدم الاستقرار السياسي، لا سيما عند غياب ثنائية حزبية حقيقية -أحدهما حاكم والآخر معارض على سبيل المثال- تمكن من تناوب قابل للاستمرار في حال تشرذمت الخريطة السياسية وصار البلد عرضة للأزمات الحكومية ودوامات لا متناهية وعقيمة، ففي بريطانيا نجد أن حزبين يهيمنان على المشهد السياسي هما حزب العمال وحزب المحافظين ونجد أحدهما يمثل السلطة التنفيذية والآخر يمثل المعارضة – بشكل دوري – وهذه هي الحالة الطبيعية للأنظمة البرلمانية.
أما في العراق وبعد احتلاله من قبل الولايات المتحدة وتغيير النظام فيه من رئاسي إلى برلماني عمّت الفوضى في البلد بحيث فتحت الشهية لكل مجموعة صغيرة عرقية أو أثنية أو حتى قبلية أن تعلن عن تشكيل حزب خاص بها بغض النظر عن البرنامج الذي يحمله الحزب، ويعتبر قانون الأحزاب في العراق قانونا فضفاضا لا يحاسب الأحزاب على برامجها ولا عن تمويلها ولا على عدد أعضائها الأصليين، بحيث أصبح عدد الأحزاب في العراق أكثر من ٣٠٠ حزب مسجل لحد الآن لدى المفوضية العليا للانتخابات وتريد المشاركة في الإنتخابات المزمع إجراؤها في تشرين الأول ٢٠٢١ بحسب تصريحات مفوضية الانتخابات، علما أن العدد قابل للزيادة ليصبح ضعف عدد الأحزاب التي شاركت في انتخابات ٢٠١٨ والتي شهدت مشاركة ٢٠٤ أحزاب، حسب تصريحات المفوضية، كما ذكر التصريح بأن الكثير من هذه الأحزاب أحزاب منسلخة من أحزاب شاركت سابقا في الانتخابات، لكنها سلكت طريق تمويه الناخبين بالأحزاب المنسلخة منها لأنها تخشى على نفسها من الخسارة بعد فشلها في تقديم أبسط الخدمات للمواطنين.
ولا يمكن النظر إلى كل هذا العدد الكبير من الأحزاب على أنها حالة صحية في العراق خصوصا إذا ما كانت هذه الأحزاب وقيادتها متهمة بالفساد ونهب المال العام ولا يعنيها من المشاركة في الانتخابات سوى الحصول على كراسي وزارية التي تمكنهم من نهب المال العام .
هنا نريد أن نركز على أن أحد أعمدة نجاح النظام البرلماني، وهو وجود المعارضة السياسية في داخل البرلمان، ومن الجدير بالذكر أن العراق منذ أن اعتمد النظام البرلماني بعد ٢٠٠٣ وإلى الآن والبرلمان خال من أي كتلة سياسية معارضة للحكومات التي تشكلت الآن أو سابقاً، وأمام هذه الحالة الشاذة ما قيمة تشكيل اللجان البرلمانية!؟ ومن ستراقب إذا كان الجميع في السلطة؟!
أهمية وجود المعارضة في النظام البرلماني :
١- يبرز دور المعارضة في الأداء الرقابي على الحكومة .
٢- دورها في إقتراح التشريعات خدمة للمصلحة العامة .
٣- تواصل المعارضة مع منظمات المجتمع المدني والتداول معها للوصول إلى أفضل حالة تكاملية تحد من تغول السلطة القائمة .
٤- وجود المعارضة السياسية هي فرصة لتقديم نفسها كبديل جيد ذو مصداقية للأغلبية القائمة وتحميلها مسؤولية الأوضاع القائمة .
وقد لاحظنا أثناء متابعتنا لكثير من النظم البرلمانية أن للمعارضة دور مهم لا يمكن الاستغناء عنه كونها البديل السياسي في حال فشل الحزب الحاكم .
أما في العراق فالحالة مختلفة تماماً، فجميع الأحزاب تريد المشاركة في السلطة حتى لو لم يمكنها عدد المقاعد التي حصلت عليها لا تكفي للحصول على وزارة، فتتعمد الدخول في ائتلاف مع حزب آخر أو حزبين حتى يستطيعوا الحصول على الوزارة، وهذا يثبت غياب المشروع السياسي الوطني لهذه الأحزاب ولا يهمهم من المشاركة سوى الحصول على المكاسب الشخصية والحزبية والتي عادة ما تكون على حساب الشعب ونهب المال العام .
لا يوجد في العالم نظام برلماني بلا معارضة سياسية ولا يوجد برلمان يتكون من أكثر من ٣٠٠ حزب في دولة نامية من دول العالم الثالث إلا في العراق، أمام هذه الفوضى السياسية هناك أسئلة تطرح نفسها ومنها: إذا ما شارك أكثر من ٣٠٠ حزب في الانتخابات المقبلة فأي من هذه الأحزاب سوف يفوز بالأغلبية ويستطيع تشكيل الحكومة؟! إن ما يعيشه العراق اليوم من فوضى سياسية مع فقدان الأمن وتدهور الحالة الاقتصادية التي تعكس سوء الحالة المعيشية للمواطن كل هذا يثبت أن هذا النوع من الأنظمة لا يمكن أن يستقيم ولا يمكن أن يستمر لأنه لا يملك أدنى مقومات البقاء .
أما حال الشعب العراقي الرافض لكل هذه الفوضى فأعتقد بأنه سوف يحاسب الجميع بمقاطعة الانتخابات القادمة وسيثبت للعالم أجمع بأن هذه الأحزاب – التي بلغت أكثر من ٣٠٠ حزب – ما هي إلا دكاكين خاوية من أي بضاعة نافعة للمجتمع.
وينبغي على الشعب العراقي أن لا يكتفي بالجلوس على مقاعد المتفرجين بل لا بد عليه أن يعتلي مسرح الأحداث – كما هو الحال منذ تشرين الأول 2019 – ليؤدي دوره الريادي في ظل سيناريو صحيح ضمن المشروع الوطني الذي ينقذه مما هو عليه الآن.
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)


مقال خاص براسام

Exit mobile version