Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

سجون وسجون وإرهاب!

جاسم الشمري

في العاشر من آذار/ مارس 2021 أصدر قسم حقوق الإنسان بهيئة علماء المسلمين في العراق تقريراً مهماً حول واقع السجون في العراق.
والسجون كما هو معلوم هي مكان إصلاحي وليس حفرة لموت المخالفين أو حتى المجرمين في دهاليزها!
وهذا ليس البيان الأول لقسم حقوق الإنسان إلا أن توقيته مهم جداً، حيث يأتي بعد أكثر من (18) عاما على الخراب المستمر في العراق.
وأكد القسم على ضرورة أن تقوم السلطات العراقية بضمان حصول جميع الأشخاص المحتجزين على محامٍ مستقل قبل المحاكمة وأن تتم محاكماتهم في غضون المدة القانونية المحددة وفق المنصوص عليه في القانون الدولي. كما يتعين على السلطات الحكومية الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المعتقلين والمحتجزين لمجرد ممارستهم لحريتهم في التعبير والتظاهر السلمي.
وكشف التقرير عن أن الموت ما يزال في السجون الحكومية المعلنة واعتقال المعارضين وزجّهم في مرافق الاحتجاز مستمرًا في العراق، بالتزامن مع زيادة ملحوظة في أعداد الوَفيَات في السجون بسبب ظروف الاعتقال المتردية والإهمال الطبي المزمن واستمرار التعذيب الوحشي الجسدي والنفسي وتطبيق سياسة التجويع والإذلال. وما تزال السلطات في العراق تتجاهل الوَفيات المتزايدة في السجون وتتقاعس عن إجراء التحقيق في مقتل العشرات من الأشخاص رهن الاحتجاز وترفض إنهاء موجات الاعتقالات التي طالت الآلاف من المتظاهرين المعارضين والمئات من ناشطي المجتمع المدني في البلاد، ولاسيّما بعد تشرين الأول/أكتوبر من العام 2019.
وذكر القسم الحقوقي بعض إحصائيات الموت في المعلنة في السجون الحكومية خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2021،
– شهر كانون الثاني/يناير:
1 سجن الناصرية المركزي: 5 معتقلين
2 سجن التاجي المركزي: 3 معتقلين
3 مركز مكافحة إجرام الرمادي: 1 معتقل

– شهر شباط/فبراير:
1 سجن الناصرية المركزي: 2 معتقلان

وخلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير الماضيين؛ رصد القسم وفاة ما لا يقل عن أحد عشر معتقلًا في سجون: الناصرية المركزي والتاجي المركزي ومركز مكافحة إجرام الرمادي، بينهم من جرى اعتقاله دون أوامر إلقاء قبض قبل سنوات وظل محتجزًا دون محاكمة طوال مدة بقائه داخل السجن، وكان توزيع حالات الوفاة التي تم رصدها: سبعة معتقلين في سجن الناصرية وثلاثة في سجن التاجي وحالة وفاة لمعتقل في سجن مكافحة إجرام الرمادي، إلى جانب رصده وفاة معتقل آخر لم يتجاوز السادسة والعشرين من عمره في سجن الناصرية المركزي، وذلك بتأريخ 2/3/2021.
وقد وثق القسم العديد من الشهادات التي تؤكد حالة الإهمال الصحي والمعنوي والنفسي للمعتقلين، ومنها شهادة المعتقل (ع. ح. ج.)، الذي أكد على أنه:” جرى اعتقالي من بيتي وتم اقتيادي إلى إحدى مقرّات الأمن، ولقد شاهدت أثناء الساعات الأولى للاعتقال أساليب تعذيب وحشية، منها التعذيب بالكهرباء والماء، وبالمثقاب الحديدي بعد وضعه على النار والتقييد بالسلاسل والجلد لساعات طويلة، وقد تعرض عدد من المعتقلين معي إلى تقطيع الأطراف من القدم واليدين والاغتصاب. وأخبرني عدد من المحتجزين الذين سبقوني إلى المعتقل أنهم شهدوا مقتل ما لا يقل عن (75) معتقلا في هذا السجن خلال أقل من أسبوعين”.
وأكد القسم عبر شهادة أحد الناشطين المدنيين، الأوضاع في السجن الذي كان محتجزًا فيه نهاية عام 2020: “نرقد أحدنا فوق الآخر، والطعام فاسد، والسجناء يقضون حاجتهم جنبًا إلى جنب. والشبان الموجودون في السجن منذ ستة أشهر على الأقل، تم اعتقالهم لأنهم كان يشاركون في الاحتجاجات الجارية ضد الفساد وغياب الخدمات وانعدام فرص العمل”. وأضاف: “لا يوجد مستوصف في السجن الذي يحوي أكثر من 2000 معتقل، وكان يزورنا طبيب واحد كل شهر تقريبًا لكل هؤلاء المعتقلين، ولكم أن تتصوروا الحال”.
وتشير جميع شهادات الشهود التي تلقاها قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق من أقارب المعتقلين الذين ماتوا في السجن أو من معتقلين سابقين إلى أن السلطات في العراق لم تحترم المعايير الدولية فيما يتعلق بحقوق المعتقلين. فالاكتظاظ في السجون الحكومية المعلنة شديد والخدمات الطبية نادرة أو معدومة وظروف الاعتقال غير إنسانية. ووفق القانون الدولي الإنساني فإن لكل محتجز الحق في أن يعامل بكرامة وأن يحصل على غذاء كافٍ ومناسب وظروف صحية جيدة ورعاية. ويجب على إدارات السجون تمكين أي محتجز مريض من رؤية الطبيب في أسرع وقت ممكن والحصول على العلاج اللازم.

إن المطلوب اليوم من المجتمع الدولي الانتباه إلى الحقائق المؤلمة في السجون الرسمية وغير الرسمية في العراق، حيث يتطلب ذلك تشكيل لجان دولية لدراسة أوضاع السجون العراقية لأن قضية ترك الأمور على الغارب وعدم متابعة واقع الحال المزري سيجعل من هذه السجون أماكن لتفريخ الخراب في بلد يعاني أصلاً من حالة اللادولة، وبالمحصلة ستكون تلك السجون والمعتقلات من أسباب دوام الخراب في المجتمع العراقي.
يجب على المجتمع الدولي والحكومة والبرلمان والمنظمات الإنسانية تشكيل لجان مشتركة لدراسة واقع السجون العراقية قبل أن نجد أن هذه الأماكن تحولت إلى تجمعات لتفريخ الحاقدين على المجتمعات الإنسانية بسبب الظلم الرسمي الذي أصاب غالبيتهم!
لنجعل من السجون أماكن لبناء الإنسان وليس دهاليزا لتدميره وتخريبه!
السجون ضرورة إنسانية لتحسين سلوك المخربين والمجرمين وليس لتخريب سلوك الأبرياء والناس الأسوياء!
لنتدارك الكارثة المجتمعية في العراق قبل أن نحصد آثارها جميعا، ولا أتصور أن ساعتها سينفع الندم، أو تشكيل اللجان.

مقال خاص براسام

Exit mobile version