Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

التغيير الديمغرافي في نينوى

الباحث : حسين صالح السبعاوي

تقع مدينة نينوى شمال غرب العراق محادية للحدود السورية، تعتبر أكبر مدينة عراقية بعد العاصمة بغداد عدد سكانها قرابة ٥ ملايين نسمة حسب التعداد لسنة ٢٠١٣ ومساحتها ٣٧٣٢٣ كم تحدها من الجنوب مدينة تكريت ومن الشمال مدينة دهوك ومن الغرب مدينة الرمادي أما من الشرق فتحدها مدينة أربيل، ترتبط بالمدينة ٨ أقضية و ٢٨ ناحية ومئات القرى الريفية، أبرز الأقضية فيها قضاء الموصل مركز المدينة وقضاء تل عفر وسنجار والحمدانية والبعاج والحضر وقضاء مخمور، يشكل العرب السنة نسبة ٨٠% من سكانها ثم الأكراد والتركمان والأقليات الأخرى مثل المسيحيين في سهل نينوى والأقلية الأيزيدية في قضاء سنجار والشبك وغيرها من الأقليات .
تعرضت مدينة نينوى للتهجير القسري والتغيير الديمغرافي كباقي المحافظات العراقية التي تعرضت للتهجير والتغيير الديمغرافي بعد الإحتلال الأمريكي سنة ٢٠٠٣ وكما هو معلوم فإن الإحتلال الأمريكي وحكوماته المتعاقبة اعتمدت عدة آليات للتغيير الديمغرافي في المدن العراقية فكانت الآلية التي اعتمدت في نينوى مختلفة إلى حد ما عن بقية المحافظات إلا أنها تصب في نفس الهدف والغايات .
بدأ التغيير الديمغرافي في نينوى منذ بداية الاحتلال سنة ٢٠٠٣ وبدون حدث سابق مثلما حدث من التغيير في بعض المدن بعد تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (رضي الله عنهما) في سامراء، ولم يحدث أي صراع بين مكونات الموصل من كرد وعرب وتركمان ليكون مبررا لهذا التغيير كما حدث في المحافظات الأخرى، بل منذ مجيء الإحتلال ووصول الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر أعد قانونا سمي بما يعرف بـ ( قانون الإدارة المحلية ) ووضعت المادة (٥٨) التي تنص على ما يسمى بـ(المناطق المتنازع عليها) وقد ألزم من يكتب الدستور العراقي أن يضمّن هذه المادة في الدستور، وعندما كتب الدستور سنة ٢٠٠٥ أدرج ضمن المادة ١٤٠ منه والتي نصت “على تطبيع الأوضاع في المناطق المتنازع عليها في كركوك والموصل وديالى وصلاح الدين”، ما يهمنا في هذا البحث هو ما يخص محافظة نينوى حيث اعتبرت المادة ١٤٠ أن المناطق المشمولة بهذه المادة هي كل من قضاء مخمور وناحية الكوير والحمدانية وتل كيف وجميع مناطق ما يعرف بسهل نينوى وسنجار وناحية الشمال وقضاء تل عفر، فكل هذه المناطق اعتبرت متنازع عليها بين الأكراد والعرب والتركمان أو بمعنى أصح بين الحكومة الكردية في الشمال والحكومة المركزية في بغداد، ولا يزال الصراع مستمرا على هذه المناطق بين حكومة الشمال ذات البعد القومي وبين الحكومة المركزية في بغداد ذات التوجه الطائفي .
شكلت الحكومة المركزية عدة لجان لمعالجة المادة ١٤٠ وتطبيع الأوضاع في المناطق المتنازع عليها إلا أن جميع هذه اللجان قد فشلت في تحقيق هذا الهدف واستقال جميع رؤساء اللجان أو تم استبدالهم، منها:
١- اللجنة الأولى في حكومة الجعفري سنة ٢٠٠٥ برئاسة حميد مجيد موسى .
٢- تشكلت لجنة في عهد حكومة نوري المالكي سنة ٢٠٠٧ برئاسة هاشم الشبلي ثم استقال وحل محله رائد فهمي .
٣- تشكيل لجنة سنة ٢٠١١ برئاسة هادي العامري رئيس منظمة بدر ووزير النقل في تلك الفترة لكن رفضته كركوك وبقية الأطراف .
وهكذا لم تحسم المادة ١٤٠ لحد الآن إلا أنه على الأرض لا ولاية لحكومة نينوى المحلية – بل حتى الحكومة المركزية – على جميع هذه المناطق التي ذكرت في أعلاه .
ومن الجدير بالذكر أن ما يجري هو مشروع أمريكي قبل كل شيء، وهو مشروع جو بايدن الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية الذي قال عندما كان نائبا للرئيس أوباما: إن الحل في العراق هو التقسيم إلى ثلاث كيانات” وقد سماها كردستان وشيعستان وسنستان، وفي سبتمبر من عام ٢٠١٦ دعا نواب ديمقراطيون في الكونغرس بإنشاء إقليم أو محافظة في سهل نينوى تضم الأقليات من المسيحيين والشبك والأيزيديين، وهكذا هو مشروع الإحتلال يستخدم الأقليات لتحقيق مآربه الاستعمارية .
أما المرحلة الثانية من التغيير الديموغرافي في نينوى فبدأ بعد سنة ٢٠١٤ بعدما سيطر تنظيم داعش على المدينة في ١٠ حزيران من العام نفسه بعد الإنسحاب غير المبرر للقوات الأمنية أمام ٣٠٠ عنصر من تنظيم داعش حسب ما ذكرت التقارير العراقية عن عدد أعضاء التنظيم المهاجمين بينما كان في المدينة ٣ فرق عسكرية كلها انسحبت وتركت أسلحتها لتستولي عليها داعش، وفي بداية سنة ٢٠١٦ بدأت المعارك تدور بين داعش من جهة وبين قوات التحالف والجيش والمليشيات العراقية من جهة أخرى وقد انتهت هذه المعارك بتدمير المدينة – وخاصة الجانب الأيمن منها الذي دمر بنسبة ٧٠% منه وخاصة ما يعرف بالمدينة القديمة حيث دمرت عن بكرة أبيها – بسبب الأسلحة الثقيلة التي استخدمت في المعركة وبسبب القصف الجوي والصواريخ التي كانت تطلق على المدينة، فقد تعاملوا معها بما يعرف بالمصطلح العسكري بـ ( الأرض المحروقة ) بحيث كل ما في المدينة كان هدفا مشروعا سواء كان مدنيا أو عسكريا، فدمرت المدارس والمستشفيات والجسور فكل شيء فيها أصبح هدف مباحا حتى راح ضحية هذه المعركة أكثر من ٤٠ ألف ضحية من المدنيين أغلبهم نساء وأطفال وما زالت جثث الضحايا تحت الأنقاض وقد مضى على نهاية المعارك ٤ سنوات، أمام هذا الدمار وتغريبة أهل المدينة ونزوحهم إلى المحافظات الكردية في شمال العراق أو إيواءهم في المخيمات التي تفقد كل مقومات العيش الكريم فيها أوالهجرة خارج الوطن وخاصة في تركيا الذي هاجر إليها الآلاف من السكان بدأ (المنتصرون) بتقاسم المدينة وفرض نفوذ جديد فيها سواء في الأطراف أو في قلب المدينة، فمثلا لواء ٣٠ حشد الشبك يسيطر على أطراف المدينة من جهة طريق أربيل وهو متهم بانتهاكات خطيرة ضد السكان من قتل واعتقال على الهوية وله سجن خاص به يسوم السجناء يوميا سوء العذاب، حتى إنه صدرت بحق قيادة اللواء عقوبات أمريكية لكثرة الإنتهاكات التي يمارسها ضد المواطنيين، وسهل نينوى يسيطر عليها حشد بابليون بزعامة ريان الكلداني، وقد مارس نفس الإسلوب الذي مارسه من قبلهِ لواء ٣٠ حشد الشبك، وأيضا صدرت عقوبات أمريكية ضد قيادة الحشد ولنفس الأسباب التي كان يمارسها لواء ٣٠ ضد السكان، لكن الغريب في الأمر أن الشعب العراقي تفاجئ أثناء زيارة بابا الفاتيكان في شهر آذار من هذا العام الى العراق أن البابا أهدى المسؤول عن حشد بابليون المدعو ريان الكلداني سبحة الصلاة رغم كونه متهما بكل هذه الإنتهاكات !؟

التغيير الديمغرافي داخل الموصل :
بعد تدمير المدينة أثناء المعارك مع تنظيم داعش وخاصة الجانب الأيمن لم تقم الحكومات المحلية والمركزية بإعادة بناء المدينة، وبقيت البنى التحتية مدمرة من جسور ومستشفيات ومدارس، ولم تقدم تعويضا للسكان الذين دمرت منازلهم مما جعل المناطق المدمرة غير صالحة للسكن، ويصعب على السكان العودة إلى منازلهم، أمام هذا السيناريو بدأت جهات مشبوهة من خارج المدينة بمحاولة شراء المنازل المدمرة سيما أن هذه المنطقة تقع في قلب المدينة وتصلح للاستثمار والعمل التجاري، وقد صرح بهذا رئيس الوقف السني أبو بكر كنعان في شهر يونيو ٢٠١٩ قائلا: “هناك مخطط للتغيير يحدث في الموصل من خلال إجبار أهالي المدينة القديمة على ترك منازلهم وبيعها لهذه الجهات”، وقد أكد عدد من المسؤولين والناشطين والمحامين في شهر آذار من هذا العام بأن مشروع التغيير داخل المدينة ما زال مستمرا وتقوم به جهات متنفذة من خلال ما يعرف بـ(المكاتب الاقتصادية) التابعة للحشد الشعبي مع بعض السماسرة من داخل المدينة .

المناطق المشمولة في التغيير الديموغرافي في نينوى :
١- منطقة سهل نينوى التي يقطنها المسيحيون والشبك والأزيديون والعرب، وذلك من خلال اقتطاعها من المحافظة وتشكيل محافظة جديدة .
٢- قضاء تل عفر ذو الأغلبية التركمانية، هناك مشروع مدعوم من الحكومة المركزية بتحويل القضاء إلى محافظة بذاته خصوصا بعد تهجير التركمان السنة منه بعدما كانوا أغلبية ليتحولوا إلى أقلية في القضاء، مع ضم القرى العربية التابعة للقضاء ليعلن بعدها عن محافظة ذات أغلبية تركمانية شيعية .
٣- تغيير داخل مركز مدينة الموصل من خلال شراء البيوت المدمرة داخل المدينة القديمة وهي تشمل عدة أحياء مثل حي باب الجديد ورأس الجادة ومنطقة الفاروق وباب الطوب والأحياء الأخرى فيها .

أثر التغيير الديمغرافي على مدينة نينوى :
١- تحقيق المشروع الأمريكي الذي دعا له مجموعة النواب الديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي سنة ٢٠١٦ عن تشكيل محافظة للاقليات في سهل نينوى .
٢- تحقيق أهداف المشروع الإيراني الذي يريد التمدد إلى نينوى ثم إلى سوريا ضمن مبدأ تصدير الثورة الذي دعا إليه الخميني سنة ١٩٧٩ .
٣- بعد التغيير الديموغرافي سوف تفقد نينوى صفتها كأكبر مدينة عراقية لأن نصف سكان نينوى هم يعيشون في أطرافها والذي يبلغ عددهم قرابة ٢ مليون ونصف نسمة .
٤- فقدت نينوى العديد من أريافها وأطرافها من جهة الشمال والشرق والغرب ولم يبق لها من ريف سوى من جهة الجنوب، وبهذا سوف تتدهور الحالة الإقتصادية فيها خصوصا أن هذه المناطق تحتوي على النفط مثل منطقة عين زالة ومنطقة بطمة إضافة أنها تمتلك أراضي خصبة تزرع فيها كافة المحاصيل الزراعية من خضروات وفواكه إضافة إلى الحنطة والشعير، وكانت المنطقة تسمى سابقا ( سلة العراق الغذائية )
٥- التغيير المذهبي للمدينة، إذ هو معلوم أن السنة يشكلون نسبة ٨٥% من السكان والبقية من المسيحيين والشيعة والأزيديين .
٦- بعد التغيير لن يكون للمدنية حدودا مع الدول الأخرى مثل سوريا وتركيا بل سوف تكون محاصرة من الأقليات والجهات المرتبطة بالمشروع الإيراني .

اهم ما يميز التغيير الديمغرافي في نينوى :
إن التغيير الديمغرافي في المدينة أصبح مقننا دستوريا من خلال المادة ١٤٠ من الدستور على خلاف بقية المحافظات التي اعتمدت على التهجير القسري للسكان، وإن ما جرى في المدينة هو جريمة دولية وجريمة ضد الإنسانية وقد مورست فيها كافة الإنتهاكات من قتل واعتقال وتشريد للسكان، ويكفي أن نذكر أنه ما زالت جثث الضحايا تحت الأنقاض وقد مر على نهاية المعارك أكثر من ٤ سنوات، فهل يوجد جريمة أبشع من هذه الجريمة؟ ناهيك عن المقابر الجماعية والسجون السرية والإهانات اليومية التي تحدث للسكان .
لكن الأيام دول ولا بد أن تتغير هذه السياسة الدولية التي دمرت العراق ومزقت وحدته ونهبت خيراته وهجّرت شعبه فأصبحوا شتاتا بين الدول .

مقال خاص براسام

Exit mobile version