Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مظاهرات الناصرية وزيارة البابا!

جاسم الشمري

العراق بلد الحضارات وبلد السلام والمحبة، ومن هنا نجد، ربما، في كل مدينة عراقية، وفي كل زاوية حكاية تستحق الوقوف عندها لما لها من علاقة بالإنسان والبناء الحضاري.
وفي بلد مثل العراق لا يمكن القفز على الحقائق التاريخية في العديد من المدن وبالذات الجنوبية ومنها الناصرية، وبالتحديد مدينة أور الأثرية فيها!
ويؤكد المؤرخون على أنه حسب ” تقاليد الكتاب المقدس إن أور سُمّيت على اسم مُنشئها، لكن هذا التفسير محط أخذ وردّ، وترتبط أور – كذلك – بالنبي إبراهيم (عليه السلام) باعتبارها وطنه الأول الذي هاجر منه لاحقًا إلى أرض كنعان، وإن كان هناك من الباحثين مَن يرى أن موطن إبراهيم كان «أورا» قرب حران الواقعة شمالي بلاد الرافدين، وأن مدوّني سفر التكوين في الكتاب المقدس خلطوا بين المكانين”.
واليوم، ومع التطورات السياسية والأمنية والفكرية في العراق، هنالك حديث عن زيارة مرتقبة يمكن أن يقوم بها البابا فرنسيس إلى العراق خلال الأيام القليلة القادمة!
ومن المقرر أن يقيم البابا صلاة بين الأديان في موقع أور التاريخي في الناصرية، وهذه الخطوة ربما ستسلط الضوء على المدينة ثانية من جوانب أثرية وحضارية وسياحية.
ونقلت رويترز عن مدير مجلس الدولة العراقي للآثار والتراث في أور، علي كاظم غانم، قوله ” إن المجمع المجاور للزقورات يعود إلى عام 1900 قبل الميلاد، ولهذا يُعتقد أن هذا المبنى أو المنزل كان منزل النبي إبراهيم، وأن المجمع السكني رُمم عام 1999، بعد أن أعلن البابا يوحنا بولس الثاني، سلف فرنسيس، عن زيارة للعراق”.
الصعوبة التي تواجهها حكومة مصطفى الكاظمي أن زيارة البابا المرتقبة للعراق تتزامن مع تنامي المظاهرات الشعبية في الجنوب وبالذات في مدينة الناصرية المتوقع زيارتها من قبل البابا!
ويبدو أن حكومة بغداد لا تفكر اليوم إلا بتهدئة المتظاهرين لحين انتهاء زيارة البابا للعراق عموماً، وللناصرية ( أور) خصوصاً، وهذا يعني أنها اليوم في حيرة من أمرها ولا تدري كيف تتصرف مع المتظاهرين!
تخبط الحكومة، وقلقها من فشل زيارة البابا ربما أعطى الضوء الأخضر لبعض الأجهزة الأمنية لقمع المظاهرات في الناصرية، وخلال الأيام القليلة الماضية استخدمت القوات الأمنية القوة النارية المميتة لتفريق المتظاهرين وقد سقط يوم الجمعة 26/2/2021 أكثر من عشرة شهداء، إضافة إلى أكثر من 120 جريحاً، مما اضطر رئيس حكومة بغداد للطلب من محافظ ذي قار (الناصرية) ناظم الوائلي لتقديم استقالته، وتم ترشيح عبد الغني الأسدي بديلا عنه!
ويبدو أن الحكومة المحلية في الناصرية كانت مصرة على المنهج الدموي، حيث إنها ارتكبت يوم الخميس (25/2/2021)، مجزرة سابقة، وقد أفادت مصادر طبية بأن متظاهرا قتل وأصيب نحو 36 آخرون جراء مواجهات اندلعت بين محتجين وعناصر الأمن في مدينة الناصرية جنوبي العراقي، لليوم الرابع على التوالي، وأن بعض المصابين بإطلاق الرصاص حالتهم “خطرة”.
وقبل ذلك بـ 24 ساعة نقلت قناة الحرة الأمريكية عن مصادر أمنية وطبية عراقية قولها إن نحو 60 شخصا أصيبوا جراء تجدد المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن في مدينة الناصرية جنوبي البلاد، وإن سبعة من الإصابات حصلت نتيجة التعرض لإطلاقات نارية. وبينت أن المواجهات اندلعت بعد محاولة قوات الأمن منع المتظاهرين من عبور جسر النصر وسط المدينة!
ومع هذه التطورات الشعبية، حاولت بعض القوى الفاعلة في الناصرية اثارة الفتنة العشائرية وربما حتى المناطقية، بمحاولة اغتيال الشيخ حسين الخيون يوم الأربعاء الماضي، وهو من المساندين صراحة للمظاهرات الشبابية في المدينة لكن المحاولة فشلت!
وفي يوم السبت 27/2/2021، حصلت تطورات جديدة في الناصرية، حيث أعتذر عدنان الأسدي عن تسنم منصب محافظ ذي قار بسبب رفضه من قبل المتظاهرين.
وربما يمكننا ارجاع أسباب استمرار تلك مظاهرات الناصرية إلى العوامل الآتية:
– استمرار الحالة السلبية في المشاهد السياسية والأمنية والخدمية وغيرها في المدينة.
– حرص بعض القوى الفاعلة ببغداد والجنوب على ضرب المنافسين لهم من داخل البيت الشيعي وبالذات مع قرب الانتخابات البرلمانية في تشرين الأول/ أكتوبر 2021.
– عدم قدرة الحكومة على بسط سيطرتها وكلمتها على غالبية مدن الجنوب، لأن القوى المالكة للسلاح هي صاحبة القول الفصل هناك، مما سبب بحالة عدم قبول للحكومة لدى أبناء المحافظة، وبالذات مع استمرار عمليات الاغتيالات والاختطاف الممنهجة!
– عدم وفاء حكومة بغداد بوعودها بتقديم قتلة المتظاهرين إلى المحاكم، بل على خلاف ذلك نجدها قد أكرمتهم وسيشاركون في الانتخابات القادمة وكأنهم لم يرتكبوا أي جرم يذكر في البلاد.
هذه، ربما، أهم الأسباب المغذية للحراك الشعبي في الجنوب، ومع ذلك أرى أن الأمور سائرة إلى المجهول، وربما تتطور إلى مواجهات مسلحة بين بعض القوى الكبرى المالكة للسلاح في الناصرية وعموم مدن الجنوب الشيعية.
ومع هذه التضحيات الجسام والفراغ الإداري الحالي هل ستتمكن حكومة بغداد من بسط سيطرتها على الناصرية؟
أظن أن قرار شباب العراق وبالذات في مدن الجنوب قد حُسم بعدم التوقف عن المظاهرات حتى تحقيق مطالبهم التي خرجوا من أجلها قبل أكثر من سنة في بغداد وبقية مدن الجنوب.
والحقيقة يبدو أن هنالك بعض الأطراف الفاعلة في الجنوب تحاول ركوب موجة المظاهرات وإدارة البوصلة بما يخدم تغولها في المدن المهمة ومنها الناصرية، ولهذا أظن أن بعض ما يجري في بعض شوارع الناصرية وغيرها هو نوع من الصراع الخفي بين بعض القوى الشيعية الكبيرة في الجنوب، ومع ذلك أتصور أن المتظاهرين سيقولون كلمتهم الحرة في نهاية المطاف.
وأخيراً إن بقيت الممارسات الرسمية القمعية مع المتظاهرين فأتصور أن زيارة البابا للعراق ستتأجل لإشعار آخر، وهذه ستكون ضربة سياسية ودبلوماسية ليس فقط لحكومة مصطفى الكاظمي، بل لعموم العملية السياسية في العراق!

مقال خاص براسام

Exit mobile version