شاهو القره داغي
نجحت إيران خلال السنوات الماضية بالسيطرة على أربعة عواصم عربية ( بغداد، بيروت ، صنعاء ، دمشق) مستغلا ضعف الدولة و انتشار الفوضى و غياب القانون ، وقد استخدمت طهران نفوذها الاقتصادي والعسكري والسياسي للسيطرة على هذه العواصم من خلال العديد من الأحزاب المحلية و الميليشيات المسلحة وتحت غطاء رفع المظلومية عن المكون الشيعي و تصدير الثورة و نشر مبادئ ولاية الفقيه و أفكار الخميني لشعوب المنطقة و العالم .
وعلى الرغم من نشوة الانتصار لدى النظام الإيراني و الفخر بالسيطرة على هذه الدول ، إلا ان السيطرة كانت بالعنف والقوة وليس عن قناعة لدى شعوب المنطقة، وذلك بسبب انتشار البطالة و المخدرات و الميليشيات و النشاطات الغير قانونية و غياب أي رؤية اقتصادية او سياسية تخدم شعوب المنطقة ، وبعد تراكم المشاكل والأزمات بدأت شعوب المنطقة وخاصة في (لبنان والعراق) بالانفجار و الخروج على الأنظمة الموالية لطهران.
مظاهرات تشرين 2019 في العراق لم تكن مجرد حركة شبابية للمطالبة بالحقوق والخدمات المشروعة ، بل كانت عبارة عن حالة سخط ورفض للمشروع الإيراني في العراق ، وبالتزامن مع مظاهرات العراق خرج المواطنون في لبنان للتعبير عن غضبهم من نظام المحاصصة الذي يحكم لبنان و سيطرة حزب الله على الدولة و مؤسساتها بحجة مقاومة ومحاربة إسرائيل والدفاع عن اللبنانيين.
هذه الحركة الجماهيرية – مظاهرات تشرين – شكلت صدمة كبيرة عند وكلاء إيران سواء في العراق أو لبنان ، حيث حاولت الأحزاب السياسية الحاكمة في العراق إنهاء التظاهرات بأي صورة عن طريق حملة قمع ممنهجة ، وبدأت آلة القمع الرسمية بقتل المتظاهرين عن طريق استهدافهم بصورة مباشرة، في مشهد مروع انتشر على مستوى العالم، إذ كانت قوات الأمن تطلق قنابل الغاز على رؤوس الشباب المتظاهرين وكانت الميليشيات والفصائل المسلحة تستهدف الشباب والنساء والشيوخ بالرصاص الحي لردع المواطنين و قمع التظاهرات و إنهاء هذه الحركة التي تشكل خطرا على مستقبل النفوذ الإيراني ومستقبل وكلاءهم في العراق.
وحتى بعد انتهاء التظاهرات و إخلاء ساحات التظاهر في المدن العراقية ، فإن عمليات اغتيال الناشطين والكتاب والمثقفين استمرت بشكل واضح وسط حديث مخيف عن وجود وحدة اغتيالات لتصفية الناشطين المدنيين في المحافظات العراقية ، على الرغم من ارتفاع عدد الناشطين المدنيين المغتالين إلى 19 ناشطا منذ أغسطس 2019 وحتى الآن.
ومع هدوء نسبي في الساحة العراقية ، انصدمنا بخبر اغتيال الناشط السياسي و الاجتماعي اللبناني لقمان سليم ، وهو من أشد معارضي حزب الله اللبنانية ، والذي قضى حياته في مجال الدفاع عن حقوق الانسان و التوعية على أهمية المواطنة و الدولة والمساواة لتحقيق التغيير في لبنان .
هذه العملية تأتي ضمن سلسلة عمليات اغتيال شهدتها لبنان ضد الناشطين و المعارضين لسياسات حزب الله التي تشكل خطرا على مستقبل البلاد وتخلق دولة هشة و ضعيفة و غير قادرة على خدمة ابناءها ، ودائما يسجل الاغتيال ضد مجهول دون الكشف عن الجاني، و جاء اغتيال الناشط لقمان سليم في شهر شباط/ فبراير ، أي في نفس الشهر الذي تم فيه اغتيال الرئيس اللبناني رفيق الحريري عام 2005 من قبل عناصر تنتمي إلى حزب الله .
يبدو أن المصير مشترك بين العراق ولبنان ، وخاصة في الصراع الدائر بين أنصار الدولة و القانون و النظام و العدل و العدالة، وبين أنصار اللادولة و الفوضى و العنف و الظلم والفساد ، وبما أن انصار اللادولة يمتلكون أدوات العنف و السلاح و الميليشيات ، فإنهم أصبحوا الطرف الأقوى في المعادلة في المرحلة الحالية في ظل ضعف الدولة وخضوعه إلى هذه المنظومة الفاسدة .
الميليشيات الموالية لإيران في العراق ولبنان وباقي دول المنطقة لا تريد ان ترى سيناريو انهيار نفوذها في هذه الدول فتحاول أن تستهدف أي فكرة أو نشاط يساهم في تحقيق عملية التغيير لحماية مصالحها و مكاسبها و الحفاظ على الوضع الحالي ، و لجوئها الى عمليات القتل بهذه الصورة مؤشر واضح على خوفها الكبير من هذه الأصوات التي تشكل رعبا حقيقيا لهذه الأطراف التي لم تكن تتوقع سابقا ان يخرج المجتمع وخصوصا حاضنتها، بهذه الصورة و يتمرد على هذه المنظومة الميليشياوية التي تريد إبقاء هذه الدول في نفق مظلم و تحويلها الى أوراق للتفاوض و ساحات لتصفية الحسابات لصالح إيران و مراكز لانطلاق الهجمات ضد خصوم طهران .
يبدو واضحا أن هذه الميليشيات تلعب دورا رئيسيا في إفراغ هذه الدول من الطاقات و الأفكار و الكتاب و المخلصين ، حيث أنها تعتمد على الاغتيال الممنهج، وهذا ما يدفع الكثيرين الى الهجرة و الهروب من البلاد ، مما سيؤدي الى إفراغ الساحة تماما من الأصوات المعارضة و السيطرة على المواطنين و نشر أفكارهم بحرية دون عراقيل و تحويل الدولة إلى دولة فاشلة تفتقد للعقول و الأفكار و تقوم على أساس هش قد تنهار في أي لحظة .
قد تطول المعركة بين الدولة و اللادولة ، ولكن بعودة وتقوية و سيادة الدولة سوف تنتهي كل الجرائم و التجاوزات و الميليشيات ، وبتقوية الداخل سيعجز الخارج عن التدخل و نشر نفوذه و أفكاره و التسويق لسياساته و سيتوقف حينها آلة القتل و سينقطع يد الإرهاب و سيعود الاستقرار الى دول المنطقة .
مقال خاص براسام

