Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

الإنسحاب الأمريكي من العراق

الباحث: حسين صالح السبعاوي

قررت الولايات المتحدة الأمريكية تخفيض عدد قواتها المتواجدة على الأراضي العراقية إلى ٢٥٠٠ جندي. وقد أصدر البنتاغون رسمياً هذا القرار ونشرته كافة الصحف والوكالات العالمية كما أصدر البنتاغون رغبة الولايات المتحدة بسحب كافة القوات المتبقية لها في العراق خلال الأشهر المقبلة أي قبل نهاية ٢٠٢١. جاءت هذه القرارات الأمريكية بعد خسارة ترامب للانتخابات الرئاسية مع بوادر أزمة داخلية وانقسام حاد داخل المجتمع الأمريكي بسبب نتائج الإنتخابات التي يشكك الرئيس ترامب في نزاهتها .
كما تزامن هذا القرار مع زيارة وفد عسكري رفيع المستوى لإيران برئاسة وزير الدفاع العراقي جمعة عناد الجبوري بدعوة من وزير الدفاع الإيراني. ولا يمكن أن نحكم على هذه الزيارة والتي تزامن توقيتها مع قرار الإنسحاب الأمريكي بأنها محل صدفة ولم يكن لها أي ترتيب خاصة بين إيران وأمريكا. فالقوم في السر غير القوم في العلن. إن أي انسحاب للقوات الأمريكية من العراق هو إعطاء للضوء الأخضر لإيران لملئ الفراغ وإكمال هيمنتها على العراق. أما التصريحات الإعلامية التي نشرت حول ضرب إيران من قبل أمريكا في الأسابيع المقبلة – أي قبل نهاية ولاية ترامب الرئاسية – ما هي إلا تهريج يضاف إلى التهريج الذي عاشه العرب والعراقيين منذ مجيء ترامب إلى السلطة سنة ٢٠١٦ وإلى الآن. ففي كل يوم يهدد ترامب إيران ويتوعدها ثم تذهب هذه التهديدات هباءًا منثورا وفي أدراج الرياح. لكن الغريب في الأمر أن الترامبيين من العرب والعراقيين ما زالوا يعولون عليه حتى بعد خسارته الإنتخابات ولم يغيروا رأيهم به، على أنه سوف يقضي على النظام الإيراني ويوقف تمدده في المنطقة. وما زالوا مقتنعين بأن ما بين أمريكا وإيران هو عداء وليس تخادم !
أما زيارة وزير الدفاع والوفد المرافق له إلى إيران فهي ليست زيارة عادية وقد أشارت الكثير من المواقع الإخبارية وخاصة المقربة من إيران بأن هذه الزيارة تدخل ضمن الأمن الإقليمي للمنطقة. كما عقدت صفقات لشراء أسلحة إيرانية لتجهيز الجيش العراقي وهذا ما أشار إليه بعض أعضاء الوفد من خلال الإشادة بالأسلحة الإيرانية وكفائتها. لكن الأهم من كل هذا هو ما نشرته صحيفة النهار حول الإتفاق على فتح مصانع عسكرية إيرانية على الأراضي العراقية تقوم بصناعة الأسلحة وتجهيز الحلفاء بها أو للتصدير. وبهذا الإتفاق المذل أصبحت إيران تتعامل مع العراق وكأنه أحد الولايات التابعة لها. ثم هنا سؤال يطرح نفسه: هل يحق لوزير الدفاع الضعيف الذي لا يملك من أمره شيء أن يعقد مثل هذه الاتفاقات العسكرية دون الرجوع لمجلس النواب أو على الأقل أن يقوم رئيس الوزراء شخصياً بتوقيع مثل هذه الاتفاقيات !؟
ثم هل أمريكا التي تدعي العداء لإيران لا تعلم بخفايا وأهداف هذه الزيارة أم هذا هو مرادها وهذا ما تريده للعراق أن يبقى تابعا للهيمنة الإيرانية؟
إن ما يجري على الأرض ما بين أمريكا وإيران فيما يخص العراق مختلف تماما عما يقال بالإعلام وأن الخلاف بينهما اقتصر على الحرب الكلامية الإعلامية لذر الرماد في العيون. وإذا استمر الحال على ما هو عليه فإن إيران ستفرض كامل سيطرتها على العراق ومنه ستنطلق حملاتها العسكرية ضد باقي الدول العربية. وليبقى الذين يظنون بأمريكا خيرا على ما هم عليه من أحلام وأوهام ولن تغير أمريكا سياستها تجاه إيران سواء حكمها ترامب أم حكمها بايدن فكلاهما وحزبيهما متفقين على التخادم مع إيران في تدمير العراق والمنطقة العربية وإن غدا لناظره قريب .
ثم إن ازدواجية الحكومة العراقية في تعاملها مع الدول العربية من جهة ومع إيران من جهة أخرى أصبحت واضحة وجلية ولا تخفى إلا على من أعمى الله بصيرته. وقد لا حظنا كيف تعاملت أذرع الحكومة عندما زار الوفد السعودي العراق واتفقا على الإستثمار في مجال الزراعة وبعض المشاريع التنموية والإقتصادية التي يصب ريعها في مصلحة البلدين، لاحظنا كيف قامت القيامة على مثل هذا الإتفاق وأنه يمس الأمن القومي وخطر يهدد العراق ! بينما عندما تعقد وزارة الدفاع اتفاقيات تخل بالسيادة العراقية لصالح إيران وعلى حساب المصلحة الوطنية تجدهم يخرسون ولا تسمع لهم همسا .
إن كل ما يجري ليس بغريب على من يقرأ الواقع العراقي قراءة صحيحة معتمدا في قراءته على ما هو موجود على الأرض وليس معتمدا على تصريحات الإدارة الأمريكية ووعودها الكاذبة التي ينطبق عليها قول الشاعر أبي العتاهية:
وبعض الوعود كبعض الغيوم
قوي الرعود شحيح المطر

مقال خاص براسام

Exit mobile version