Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

الحل الأمني في مواجهة التظاهرات

الباحث: حسين صالح السبعاوي

معروفة عن النظم العربية أنها تعتمد على الحل الأمني لمواجهة أي تظاهرات تخرج عليها سواء أكانت هذه التظاهرات ذات مطالب خدمية أو مطالب سياسية. ويعتبر العراق واحداً من أبرز الدول التي تعتمد على الحلول الأمنية رغم أن (الدستور العراقي) يكفل حق التظاهر السلمي وتنص فقرات المادة ٣٨ من الدستور أولاً وثالثاً على حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل … وحرية الإجتماع والتظاهر السلمي .
إن جميع من قتل أو اعتقل قد تظاهر بطريقة سلمية وحضارية. وإذا استعرضنا عدد ضحايا العراقيين بسبب المظاهرات منذ ٢٠٠٣ نجد أن الأعداد بالآلاف في قائمة القتلى، أما الإصابات والاعتقالات فنجدها اضعاف هذا العدد بعشرات المرات . لنأخذ ضحايا انتفاضة تشرين مثالا على عذا، فمنذ عام تقريبا بلغت أكثر من ٨٠٠ قتيل أما الإصابات والإعتقالات فقد تجاوزت ٢٥ الف ما بين مصاب ومعتقل .
لكن ما الذي تحقق للسلطة وما الذي حققه المتظاهرون في العراق ؟
لنبدأ من المتظاهرين. فلقد حقق المتظاهرون الكثير من أهدافهم رغم القمع الذي واجهوه ومن أهم انجازاتهم :
١- إسقاط حكومة عادل عبد المهدي سيئة الصيت .
٢- إفشال المشروع الطائفي في العراق وجعله منبوذاً بحيث بدأ يتبرأ منه حتى بعض أصحابه .
٣- تحويل الأحزاب الدينية الطائفية إلى دكاكين سياسية وقد أغلقت أغلب مقراتها بسبب الرفض الشعبي لتواجدها وخاصة في مناطق الوسط والجنوب التي تعتبر العمق الاستراتيجي كما يظن قادة هذه الأحزاب .
٤- فضح الفاسدين وتعريتهم أمام الشعب .
٥- لم يسمح المتظاهرون لجميع القوى السياسية بركوب موجة التظاهرات كما كان يحصل في المظاهرات السابقة. وهذا كان أحد الأسباب التي جعلت من المليشيات تستهدف الكثير من الناشطين حقداً عليهم لأنهم لم يسمحوا لها بركوب الموجة .
لكن هل حقق المتظاهرون جميع أهدافهم التي نادوا بها؟ أعتقد ما زال الطريق طويلا أمام المتظاهرين لتحقيق أهدافهم بالكامل خصوصا أن العراق لا يحكمه شخص واحد حتى بإزاحته ينتهي النظام، بل يحكم العراق اليوم منظومة متكاملة سياسية ودينية وأمنية واقتصادية وإضافة لكل هذا فإن هذه المنظومة مدعومة إقليميا ودولياً .
أما ما حققته السلطة ضد المتظاهرين :
لقد اعتمدت السلطة على الحل الأمني سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق ( الطرف الثالث ) كما كانت تطلق عليه حكومة عبد المهدي أو المندسين والخارجين عن القانون في حكومة (الكاظمي). ولا ينكر أن هذه الاغتيالات المتكررة ضد الناشطين أضعفت من عزيمة البعض منهم لأنه لا دور للحكومة في مواجهة القتلة وأصبح المتظاهرون بين سندان الحكومة ومطرقة المليشيات. وقد أغتيل منهم المئات ولو لا عزيمة هؤلاء الشباب واصرارهم على التمسك بمطالبهم المشروعة لكان قد انتهت هذه الانتفاضة منذ حكومة عبد المهدي التي قمعتهم ومارست شتى انواع البطش بهم . كما إن محاولة الحكومة شراء ذمم بعض الناشطين كان له الأثر السلبي على سير الإنتفاضة. لكن مع هذا بقيت الإنتفاضة مستمرة ومتمسكة بمطالبها الشرعية وقد سقط من باع نفسه بثمن بخس.
فعلى الرغم من الحلول الأمنية – بشدتها وسطوتها – لم يستسلم لها المتظاهرون ولم يتراجعوا عن مطالبهم الوطنية. وكان آخرها ما قامت به القوات الأمنية وبمساندة بعض المليشيات في قمع التظاهرات وحرق خيم المتظاهرين وأماكن اعتصامهم إلا أنها لم تنل من عزيمتهم شيئا بل أصبحت حكومة الكاظمي في وضع حرج لأنها كانت تنادي بإسم المتظاهرين وأنها تمثلهم وقد جاءت لتحقيق مطالبهم بينما النتائج على الأرض مختلفة تماماً، فأصبحت الحكومة في وضع لا تحسد عليه فهي خسرت مساندة الساحات لها من جهة ومن جهة أخرى أصبح وضعها ضعيفا أمام المنافس السياسي الآخر الذي يتربص بها ويتحين الفرص لإسقاطها. وأعتقد سيكون مصير حكومة الكاظمي أشبه بمصير حكومة عبد المهدي التي أسقطت وذهبت غير مأسوف عليها .
إن الحلول الأمنية لا تجدي نفعاً مع أصحاب المطالب الشرعية خصوصاً إذا كانت هذه المطالب تمثل الشعب. لأن الشعب سيلتف حولها ويصبح حاضنتها الكبرى. كما لا يمكن لأي حكومة أن تبقى مستمرة في قمع شعبها مستندة بذلك على الدعم الإقليمي والدولي المقدم لها. لأن هؤلاء تحركهم المصالح لا المبادئ ومتى إنتهت مصالحهم معهم تخلوا عنهم وتركوهم يواجهون مصيرهم المحتوم من قبل الشعب .
وإن غدا لناظره قريب .


مقال خاص براسام

Exit mobile version