Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

تقلبات الكاظمي ووجهته القادمة

 

لا شك إن حكومة الكاظمي جاءت على تركة ثقيلة من التحديات التي خلفتها الحكومات السابقة، وتراكمت لسنوات عديدة من الفساد المالي والإداري، والانقسام، والتناحر السياسي، والتدهور الأمني، والاقتصادي، والاجتماعي، والصحي، بحيث تحول العراق لدولة فاشلة، وساحة لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية بين الولايات المتحدة الأمريكية وايران، ولكن قبول الكاظمي بأن يتبوأ منصب رئاسة الوزارة يعني قبوله بتحمل المسؤولية الكاملة لمواجهة جميع هذه التحديات التي قال أنه سيعمل على معالجتها، علماً أنه جزء من هذا النظام السياسي الفاسد، خصوصاً وإنه كان يشغل منصب رفيع وهو رئيس جهاز المخابرات العراقي منذ عام2014، مما يجعله على إطلاع كبير على الكثير من الملفات التي تهم الأمن القومي العراقي، كما إن الوعود الوردية التي أطلاقها في بداية توليه لمنصب رئاسة الوزارة تجعله يتحمل المسؤولية الكاملة عن مجريات الأحداث في العراق، خصوصاً وأنه وعد بأجندة جديدة للوضع العراق التي سرعان ما تلاشت تماماً عن برنامج حكومته، وبدأ يبحث عن فرصة جديدة لتولي رئاسة الوزارة مرة أخرى.لقد سخر الكاظمي كل إمكانياته الإعلامية والأمنية ليظهر صورة استعراضية لحكومته، التي حاولت أن تحاكي احتياجات المواطنين الذين ينادون باستعادة الوطن المفقود، وفرض قانون على الجميع ، واستعادة سيادة وهيبة الدولة، كما إنه قام بنشاطات متعددة منها قيامه بزيارة مديرية التقاعد العامة واهتمامه بهذه الشريحة المسحوقة التي أعطت زخما كبيراً لحكومته التي تفتقد الى الكتلة السياسية الداعمة، والتي جاءت بالتوافق بين الاحزاب والكتل السياسية، بالإضافة الى قيامه بالسيطرة على المنافذ الحدودية، ووعوده بتقديم قتلة المتظاهرين الى المحاكم، وقيامه بزيارة مجالس العزاء وقوله بأنه ولي الدم، وغيرها من المشاعر التي دغدغة مشاعر المتظاهرين بوعود خداعة، ولكن هذه الصورة الاستعراضية سرعان ما تبين كذبها وخداعها وعدم جديتها في تغير الواقع.لقد حاول الكاظمي أن يلعب على متناقضات كثيرة، وتوازنات صعبة، ومنها تحقيق توازن وحياد في العلاقة بين طهران وواشنطن الأمر الذي رفضه كلا الطرفين، كما إنه فشل في مواجهة الميليشيات المسلحة، أو الحد من النفوذ الايراني، وهو يقول لصحيفة الغارديان “أني أرقص يومياً مع الثعابين” وقال للصحفيين” إن الصبر أفضل من الانجرار الى الفوضى الدموية والحرب الاهلية” مضيفاَ” ألف عام من النقاش أفضل من لحظة تبادل إطلاق النار “ولا أعرف كيف يمكن له أن يفرض القانون وهيبة الدولة مالم يتخذ القوة والقانون سبيل لمواجهة الخارجين عن القانون؟ علماً أنه حاول أن يصور الوضع البأس الذي وصل اليه العراق من خلال وجود دولة تحكمها وتديرها أحزاب الاسلام السياسي الشيعي خارج السيطرة الحكومية، لذا فهو من جهة ينتقدهم ويشخص الخلل الكبير في الدولة، ومن جهة لا يريد مواجهتهم ويترك لهم الحرية في ارتكاب جرائمهم، ويحاول أن يمسك العصا من المنتصف، وإن يرضي جميع الاطراف من خلال عدم الاصطدام بالأحزاب والميليشيات المسلحة الولائية، مع محاولة لكسب الولايات المتحدة الامريكية لدعم حكومته، وهو بذلك يقيم وينفذ القانون وسطوة الدولة على طائفة محددة من الشعب وهي الطبقة الضعيفة التي لا تمالك القوة لمواجهته، كما حصل في “مجزرة الفرحاتية” و “أم المزاريع” في قضاء بلد.إن تحاشي الحكومة مواجهة الميليشيات المنفلتة رغم الادلة التي تثبت وقوفهم وراء الكثير من جرائم الاغتيال، والقتل، والخطف، يعطي دلالة واضحة على الضعف الكبير لحكومة الكاظمي، ومؤسسات الدولة الأمنية، والعسكرية، والقضائية، كما إن قيام الكاظمي بالتقرب من ساحات التظاهر من خلال شراء الذمم، واستخدام السلطة لتعين الكثير منهم في دوائر الدولة رغم الازمة المالية التي يمر بها البلد، بالإضافة الى قيامه بأبرام اتفاقات غامضة مع الكرد كما حصل في أتفاق مدينة “سنجار”، أو تحويل الكثير من الأموال بدون اتفاقات نهائية على النقاط الخلافية مع إقليم كردستان، مع توجهه الى تشكيل حزب سياسي بالاتفاق مع عدد من النشطاء في شمال و وسط وجنوب العراق، يكشف التوجه الحقيقي للكاظمي لطرح نفسه لرئاسة الوزراء مرة أخرى، علماً أنه بدأ يكشف عن نوياها الحقيقة باستخدام القوة ضد الساحات التظاهر التي لم تتجاوب مع دعوته بفض المظاهرات بالقوة، محاولاً أقناعهم بالذهاب الى الانتخابات المبكرة لتغير الواقع وذلك بعودة الحياة الى طبيعتها، وقد بدء بفض ساحات التظاهر بدأً بساحة التحرير من خلال اتفاقات مريبة مع بعض الشخصيات، والكثير منا يراقب ما يجري بمحافظة البصرة وذي قار من فض للاعتصامات والتظاهرات بالقوة، وقد أعتقل الكثير من الناشطين الرافضين لأخلاء هذه الساحات، لذا فهو لا يختلف كثيراً عن سلفه عادل عبد المهدي، وكان عليه إن يغلق جحور الثعابين بدل الرقص معهم.لقد بدأت حكومة الكاظمي بالبحث عن حلفاء جدد لها بعد التهديد الامريكي بأغلاق السفارة الأمريكية في بغداد ونقل موظفيها لكردستان العراق، والتي كان يمكن أن يترتب عليها الكثير من العواقب، بما فيها العقوبات الاقتصادية والمالية التي يمكن فرضها على العراق، بما فيها أيقاف استيراد الغاز والكهرباء من ايران، كما إن هذه الخطوة الأمريكية تعني وجود مؤشرات على إيقاف الدعم الأمريكي لحكومة الكاظمي، بما فيها الدعم العسكري لمواجهة تنظيم الدولة، خصوصاً بعد أن اهتزت الثقة بشكل كبير بسبب التصعيد العسكري الذي تقوده ميليشيات الحشد الولائي التابعة لطهران، والتي صعدت من هجماتها الصاروخية في الفترة الأخيرة على السفارة الامريكية في بغداد، وعلى حركة الارتال اللوجستية التابعة للتحالف الدولي وخاصة في المحافظات الجنوبية، الأمر الذي أظهر حكومة الكاظمي عاجزة وضعيفة وغير قادرة على مواجهة الميليشيات المسلحة أو الحد من النفوذ الايراني الكبير في العراق، رغم التعهدات التي قطعها الكاظمي للحكومة الامريكية خلال زياته لواشنطن، ومن خلال الحوار الاستراتيجي بجولتيه الأولى، والثانية، الأمر الذي دفع الطرفين لمراجعة حساباتهم. إن التصعيد الأمريكي دفع حكومة الكاظمي للبدء بالبحث عن خيارات أخرى لدعم حكومته من خلال التنسيق مع السفارة البريطانية في بغداد، والتي تبنت حملة دبلوماسية مع العديد سفارات الدول وخاصة الاوروبية، والتي كان شعارها البقاء في بغداد ودعم حكومة الكاظمي، كما إن قيامه بجولة أوروبية شملت عدداً من دول الاتحاد الأوروبي، والتي بدأها بفرنسا، ثم ألمانيا، انتهاءً ببريطانيا، جاءت لفتح أفاق جديدة لحكومته المرتبكة، والتي تعاني من تحديات كثيرة، حيث طلب من هذه الدول تقديم وتوفير الدعم المالي لأجراء انتخابات مبكرة، الأمر الذي يعد خطوة جديدة لها ابعاد سياسية مهمة، كونها تعطي الكثير من المؤشرات حول الوجهة الجديدة لحكومة الكاظمي التي تسعى لتطوير العلاقات معها، وهي دول الاتحاد الأوروبي التي لا تزال تحتفظ بعلاقات جديدة مع ايران، بسبب موقفها من الملف النووي الايراني، وقرار رفع حظر السلاح عن ايران، رغم تقاطعها مع الموقف الامريكي، بحيث يمكن أن تشكل هذه الدول الاوروبية البديل عن الدعم الامريكي لدعم حكومة الكاظمي للفترة القادمة، ولكن السؤال هل تستطيع؟، أنا أشك في ذلك.لاشك أن الانتخابات الامريكية سيكون لها تأثير كبير على السياسات الداخلية والخارجية للعديد من دول المنطقة، فالرئيس الأمريكي القادم الى البيت الابيض أيا كان ديمقراطي أو جمهوري ستكون له سياسيات ستنعكس بشكل كبير على الداخل والخارج الامريكي، وهذا بدوره سيلعب دورا كبيرا ومهما في تشكيل الكثير من السياسات الداخلية والخارجية لدول المنطقة، وخاصة لدولة مثل العراق، التي لا تزال ترضخ تحت الوصاية والنفوذ الامريكي- الايراني، كما إن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر العراق نقطة ارتكاز رئيسية لها بعد عام 2003، خاصة وأنها الراعي الاساسي للعملية السياسية، التي وصلت الى طريق مسدود عدة مرات، ولكن الدعم الدولي والارادة الدولية التي توفرها الولايات المتحدة كانت تحول دون سقوط هذه الدولة الطائفية المريضة التي قامت بعد الاحتلال، بمعنى أخر إن أمريكا هي من غيرت النظام، واسقطت الدولة العراقية السابقة، وهي من جاءت بهؤلاء لحكم العراق، وهي اللاعب السياسي والاساسي الأول والأكثر تأثيرا على صانع القرار السياسي في العراق، والذي غالباً ما يكون مسير في كثير من المواقف السياسية أما لأمريكا أو لإيران .لقد سعى الكاظمي في جولته الاوروبية الاخيرة الى جلب الدعم المالي للانتخابات المبكرة، الأمر الذي يعطي مؤشر حقيقي على الفشل الحكومي، الأمر الذي يجعلنا نقول بأن الانتخابات المبكرة التي دعا اليها رئيس الوزراء لن تكون أفضل من سابقتها كما تشير المعطيات، كما إن تشريع قانون الانتخابات، وتقسيم الدوائر الانتخابية، وتعيين مفوضية الانتخابات المستقلة، جميع هذه الاجراءات تم تفصيلها على مقاسات الاحزاب السياسية الحاكمة وبما يضمن عودتها مرة أخرى للمشهد السياسي، لذا فجميع المعطيات تدلل على إن نتيجة الانتخابات القادمة المبكرة أذا جرت في موعدها فلن تغير الكثير من الوضع العراقي، وقد تدفع الشارع العراقي الى الاستمرار بالتظاهر وبقوة أكبر، بما فيها اللجوء الى خيارات أخرى، علماً بأن العراق يمضي للمجهول في كل الاحوال، بسبب الازمة الاقتصادية والمالية والصحية والأمنية المتفاقمة، كما إن مجريات الاحداث في العراق تقول بأن مرشح الوزارة القادم سيكون من الميليشيات المسلحة حصراً وبقوة السلاح، وهم يعدون لذلك.وفي الختام نقول بأن أجراء الانتخابات في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العراق، يجعل من الصعوبة بمكان أن تكون هناك انتخابات نزيهة، خصوصاً وإنها تأتي وسط تردي كبير في الوضع المالي، والاقتصادي، والصحي، والأمني، كما أنها تأتي وسط انقسام مجتمعي حاد، وانفلات كبير للسلاح الذي يعمل خارج إطار الدولة، وقد شهدت البلاد العديد من حالات الاغتيال، والاعتقال القسري في محافظة البصرة، والناصرية، وبغداد، لذا فالانتخابات التي تجري تحت رحمة سلاح الميليشيات المسلحة لن تكون عادلة، ولن تكون شفافة بأي حال من الأحوال، خصوصاً وإن النظام الانتخابي فيه الكثير من الاشكالات اللوجستية، والادارية، والفنية، والقضائية، التي تجعل الناخب يفقد الثقة بهذه الانتخابات قبل أجرائها، خصوصاً وأنه فقد الثقة تماماً بالنظام السياسي، ومؤسسات الدولة بصورة كاملة.

 

Exit mobile version