Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

الحوار الاستراتيجي: ومصالح العراق العليا بين أجندة الميليشيات ومصالح واشنطن!

 

المقدمة:

يبدو بأن الوضع العراقي يزداد تعقيدا، بسبب الازمات والظروف الصعبة التي يمر بها، فهو يعاني من انقسام سياسي داخلي كبير يشمل جميع الطوائف والكتل السياسية، التي فشلت في ادارة الدولة وحولتها لدولة فاشلة تابعة لأجندة خارجية، كما إن هناك حراك شعبي رافض لحكم الطبقة السياسية الحالية التي دمرت البلاد وقتلت العباد، وهناك شلل شبه تام بجميع مؤسسات الدولة العراقية التي ينخرها الفساد المالي والاداري، والمحسوبية، والمنسوبية، والطائفية ،كما أنه يعاني من التغول الايراني، وسيطرة الميليشيات المسلحة التي تحاول فرض الرؤية الايرانية وارادتها السياسية بقوة السلاح، رغم الرفض الشعبي لها، وللنفوذ الايراني، كما إن هناك صراع أمريكي- ايراني يحتدم على الاراضي العراقية من خلال الضرب بالوكالة، أو من خلال ضربات مباشرة محددة، وهناك نظام سياسي ضعيف، فشل في وضع حد للتدخلات الخارجية، وفشل في أيجاد نوع من التوازن أو الحياد الايجابي في العلاقة بين الولايات المتحدة الامريكية من جهة، وبين ايران من جهة أخرى، لذا يمكن لنا أن نصف النظام السياسي في العراق بأنه ضعيف ومنقسم، وخاضع لسياسة المحاور في المنطقة، هذا بالإضافة للازمات السياسية، والاقتصادية، والمالية، والأمنية، والصحية، جراء اجتياح “جائحة كورونا” و وكذلك انخفاض اسعار النفط في الاسواق العالمية، وهذا يجعل من الصعوبة أيجاد توافق داخلي حول مصالح العراق الاستراتيجية .

 

تناقض المصالح بين اللاعبين في العراق:

إن المشهد العراقي الداخلي معقد وشائك، وهناك تناقض وانقسام داخلي كبير، الامر الذي جعل الصراع يأخذ أشكالاً متنوعة وأبعادً متعددة من التوتر الذي يمكن إن يؤدي في نهاية المطاف الى اقتتال داخلي، وفوضى عارمة قد تجر البلد الى المجهول، أما على المستوى الخارجي فالوضع أكثر تعقيداً، كون تطوراته تلقي بظلالها على الداخل العراقي بشكل مباشر، خصوصاً بعد أن انحسرت خيارات الحكومة على المواجهة بشكل كبير، فهي غير قادرة على مواجهة النفوذ الايراني الذي يتمثل بالميليشيات الطائفية المنفلتة، والتي تشكل تهديد حقيقي للحكومة العراقية وللأمن والاستقرار الداخلي، كما أنها غير قادرة على بناء شراكة حقيقية مع الولايات المتحدة الامريكية باعتبارها حليف موثوق، يمكن إن يساعدها على استعادة سيادة الدولة، وتجاوز الازمات المالية، والاقتصادية، والصحية، والامنية، التي يمر بها العراق، بسبب رفض الميليشيات لهذا الامر، وقدرتها على أحداث فوضى كبيرة تهدد النظام السياسي الحاكم، لذا فهو يسعى الى عدم اثارة هذه الميليشيات أو التصادم معها من جهة، وبنفس الوقت يسعى لترتيب وتنظيم وتحديد العلاقة حول شكل التواجد العسكري الامريكي في العراق، بما يتلائم مع بقائها في الحكم، ومواجهة النفوذ الايراني إن أمكن ذلك، ولو كان على استحياء، بحيث لا يتطور الوضع الى المواجهة العسكرية المباشرة معها، علماً إن واشنطن ترى بأن قدرة الحكومة العراقية في التأثير على السياسية الامريكية ينبثق من دورها في حماية التواجد الامريكي، ومواجهة الميليشيات المسلحة التابعة لطهران والحد من النفوذ الايراني وتشديد العقوبات عليها، لذا سنبين مصالح الاطراف الفاعلة في هذا الحوار كما يلي:

أولا/ مصالح العراق في الحوار الاستراتيجي:

لاشك أن أي تواجد أجنبي على الاراضي العراقية هو أمر مرفوض وغير مقبول، والمطالبة بخروجه حق مكفول في جميع الاديان السماوية والقوانين والاعراف الدولية، ولكن يجب إن يكون لمصلحة راجحة تنطلق من مصالح استراتيجية، وتفاهمات، وتوافقات بين جميع مكونات الشعب العراقي، وخاصة في بلد مثل العراق يعاني من انقسام أفقي وعمودي، كما إن هذه القرارات الخطيرة والتي تتعلق بمستقبل البلاد للفترة القادمة، لا يمكن أن تتفرد به جهات مسلحة تعمل خارج اطار الدولة، ولها ارتباطات خارجية، وتنفذ أجندة لمشروع توسعي طائفي في العراق والمنطقة لصالح ايران، كما إن اقحام رأي المرجعية في الحوار الاستراتيجي لا يصلح، لأنها مرجعية دينية لطائفة معروفة وليس لكل العراقيين، ولكن يبدو بأن إقحامها جاء لقوية موقف الحكومة، وللتخفيف من تداعيات الجولة الاولى من الحوار الاستراتيجي التي جرت بين بغداد وواشنطن، والتي تجاهلت خروج القوات الامريكية وركزت على علاقات التعاون، والصداقة، واستعادة السيادة، في اطار اتفاقية الإطار الاستراتيجي المبرم عام2008، على أن تشمل هذه الجولة من الحوار مصالح العراق الاستراتيجية، والتي تتضمن التعاون الاقتصادي، والعسكري، والامني، لمواجهة تنظيم الدولة والميليشيات المسلحة، لذا فهو يمثل فرصة لحكومة الكاظمي لتقدم نفسها كشريك قوي وموثوق به لمواجهة النفوذ الايراني والحد منه، كما إن ما يجري من تصعيد للتوتر والصراع على الاراضي العراقية لا يخدم مصالح العراق ابداً، ولكنه يخدم مصالح الدول  المتصارعة، والتي بإمكانها أن تتصارع على الاراضي الايرانية أذا أردت ذلك، ومع هذا فحكومة الكاظمي تسوق رؤيتها للحوار الاستراتيجي لتحقيق المصالح التالية:

ثانيا/ مصالح الولايات المتحدة الامريكية في العراق:

إن الولايات المتحدة الامريكية تسعى لبقاء طويل الامد في العراق، وقد صرح قائد العام للقيادة المركزية الامريكية “ماكينزي” إن واشنطن ستخفض قواتها في العراق ، ولكنها ستحافظ على تواجد طويل الامد، ولكنه لم يفصح عن حجم هذا التواجد،  محاربة الارهاب، والحد من النفوذ الايراني، ولكن هناك مسؤولين امريكيين قالوا إن المناقشات التي ستستأنف في هذا الشهر قد تؤدي الى خفض القوات الامريكية الى(3500)، جندي أمريكي، علماً إن ميزان القوى في العراق يرجح لصالح طهران وميليشياتها أكثر من واشنطن، التي تحاول الان تجنب المواجهة المباشرة مع طهران ووكلائها في المنطقة على الاقل الى ما بعد الانتخابات الامريكية القادمة، ولكنها بنفس الوقت تعمل على استعادة نفوذها الذي خسرته بعد عام2011، وموازنته مع النفوذ الايراني، كما أنها تسعى من خلال الحوار الاستراتيجي ايجاد شريك حقيقي لها في حكومة الكاظمي واستخدامها لمواجهة النفوذ الايراني، علماً إن حكومة “الكاظمي” تتعرض لضغوطات داخلية وخارجية كبيرة جداً من قبل ايران وميليشياتها المسلحة، فهي تخشى من الانسحاب الامريكي من العراق الذي سيؤدي الى سيطرة كاملة للنفوذ الايراني على العراق، وتبعث برسالة خاطئة لإيران ووكلائها، الامر الذي سيجعلها أكثر جرأة في مهاجمة المصالح الامريكية في المنطقة.

إن واشنطن تنظر الى العراق بأنه يشكل مصلحة راجحة لها، خاصة الى نظرت الى البديل الذي سيحل محلها سوءاً أيران، أو روسيا، أو الصين، وقد جربت ذلك عندما انسحبت في عام2011، وتركت الباب مفتوحاً أمام النفوذ الايراني للتوسع والتمدد، الامر الذي تعده الادارة الامريكية الحالية بأنه خطأ استراتيجي كبير ارتكبته الادارة الامريكية السابقة برئاسة “أوباما”، كونها سمحت ومكنت النفوذ الايراني بشكل كبير من العراق والمنطقة، كما أنهم يرون بأنهم هم من أحتلوا العراق، وهم من وضعوا قواعد اللعبة، لذا لا يمكن لهم أن يسلموا العراق لإيران وينسحبوا بهذه السهولة التي يتوقعها حلفاء ايران في العراق والمنطقة، هذا بالإضافة الى أنها لعبت دور كبير في دحر تنظيم الدولة واستعادة المناطق التي سيطر عليها التنظيم في العراق، وسوريا، وهي تسعى لجعل الحكومة العراقية شريكاً موثوقاً لها في مواجهة التمدد والنفوذ الايراني، وهو شرط اساسي لدعم حكومة الكاظمي لتجاوز الازمات التي يمر بها العراق، كما إن لديها مصالح في العراق والمنطقة يقتضيها الامن القومي الامريكي ومنها:

ثالثا/ مصالح ايران في العراق:

تعتبر ايران المستفيد الاكبر من اسقاط الدولة العراقية السابقة، التي كانت تشكل سداً منيعا أمام المشروع التوسعي الايراني في المنطقة، كما أن تغير نظام الحكم والمجيء بنظام حكم شيعي وطبقة سياسية تابعة لها كانت هدف وحلم أيراني، طالما فشلت طهران في تحقيقه طوال الفترة الماضية بما فيها حرب الثمان سنوات التي خرج العراق منها منتصراً، لذا فايران ترى بأنها حققت أهدافها بعد عام 2003، واستطاعت أن توظف أدواتها السياسية، وميليشياتها المسلحة لتسيطر وتهمين على نظام الحكم في العراق، وخاصة بعد عام2014، ولكن الذي لم يكن بالحسبان هو انطلاق الحراك الشعبي في الاول من تشرين الماضي ، الامر الذي هز اركان الحكم في العراق، خصوصاً وإن من أهدافه الرئيسية هو خروج النفوذ الايراني من العراق، لذا فايران تخشى من ضياع نفوذها في العراق، علماً إن وكلائها تعرضوا لضربات جوية أمريكية واسرائيلية في سوريا والعراق ، ومنها الضربة التي أدت لمقتل رجلها القوي “سليماني” وأبو “مهدي المهندس”، والذي فشل في اخراج القوات الامريكية وهو على قيد الحياة، فكيف لإيران أن تنجح في ذلك بعد مقتله؟.

إن ايران ترى بأن بقاء القوات الامريكية في العراق يشكل تهديد كبير لنفوذها في العراق وسوريا، وتهديد مباشر لها في عقر دارها، لذا فهي تحاول أن تضغط على حكومة بغداد من خلال وكلائها في العراق، للدفع باتجاه خروج القوات الامريكية، بعد أن نجحت في اصدار قرار من البرلمان يوصي بتخويل الحكومة بإكمال اجراءات خروج القوات الاجنبية، من خلال الحوار الاستراتيجي الذي يجري بين واشنطن وحكومة بغداد، وفي الحقيقة هي تدفع باتجاه حماية الامن القومي الايراني، ومصالحها عن طريق وكلائها في العراق، الذين أطلقوا الكثير من التهديدات قبل بدء الحوار، ونفذوا الكثير من الهجمات الصاروخية بعد انتهاء الحوار، وكان أخرها ضرب رتل مدني خرج من معسكر “التاجي” يحمل معدات عسكرية امريكية، وسقوط صاروخ بالقرب من أحد بوابات المنطقة الخضراء بالقرب من الجسر المعلق بتاريخ11أب/ أغسطس الجاري، بالإضافة الى ضرب قاعدة “بلد” بثلاثة صواريخ “كاتيوشا”، وكذلك سقوط ثلاث صواريخ في محيط مطار “بغداد” الدولي، كما أنهم حاولوا دفع قيادي منهم ليكون جزءاً من الوفد الحكومي المفاوض، الامر الذي يظهر مخاوف ايران وحلفائها من ضياع نفوذهم، وما يمكن أن يحمله هذا الحوار من تغير كبير في قواعد اللعبة ، وتقيد وتحييد نفوذهم، وهم يدركون جيداً بأن هناك تراجع واضح للنفوذ الايراني في العراق منذ تشرين الماضي، لذا فمن أهم المصالح الايرانية في العراق هي ما يلي:

 

الخاتمة:

إن الدعوة لهذا الحوار لم تكن لمصالح العراق، بل كانت لمصالح الميليشيات وايران، وعلى حساب المصالح الاستراتيجية العليا للعراق، كون جميع المشاكل التي يعاني منها العراق كانت مع تواجد وتوافق أمريكي- ايراني، فما الذي يجعل الحل اليوم بتقارب وتعاون امريكي- عراقي؟، أو أيراني، وهم من أتوا بهذه الطبقة الفاسدة لحكم العراق ودعموها طوال الفترة الماضية،  لذا فهم جزء من المشكلة وليس من الحل، كما إن حكومة الكاظمي تتعرض الى ضغوطات شديدة داخلياً، وخارجياً يصعب معها ايجاد التوازنات أو الوقوف على الحياد، وخاصة في قضية تواجد القوات الاجنبية في العراق، وخاصة الامريكية، مما يجعل مصالح العراق الاستراتيجية العليا مرهونة بتطورات الصراع، وموافقة الاطراف الفاعلة في العراق، ومصالحها، ، ومنها الميليشيات المسلحة ومن ورائها ايران، كما إن حكومة “الكاظمي” فشلت في وقف صواريخ “الكاتيوشا” ومواجهة الميليشيات الولائية التابعة لطهران، بسبب ضعف الحكومة، وعدم قدرتها على حصر السلاح المنفلت بيد الدولة، مما يجعل من الصعب بمكان فرض الامن والاستقرار في ظل الازمات التي يمر بها العراق، كما إن قيام “الكاظمي” بإجراء بعض التغيرات في المناصب العسكري والامنية، قد تكون خطوة مهمة يمكن أن يستند عليها “الكاظمي” لمواجهة الميليشيات، وفوضى السلاح المنفلت، أذا توفر القرار السياسي، والدعم الخارجي الموثوق لذلك، من خلال زيارته للولايات المتحدة الامريكية التي قد تحمل الكثير من المفاجآت للملف العراقي، وخاصة في الجولة الثانية من الحوار الاستراتيجي.

                                                                                                

Exit mobile version