Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

من هي الجهات المستفيدة من انبعاث تنظيم الدولة من جديد؟

المقدمة:

لاشك إن الكثير من المراقبين والمحللين في الساحة العراقية والمشهد الامني العراقي يعرفون بأن تنظيم الدولة انسحب من كثير من المدن العراقية خصوصاً بعد خسارته لمدينة الموصل، فكانت المعارك التي خاضها بعد ذلك عبارة عن مفارز تعويق ومعارك شكلية، وهذا يعني إن التنظيم لا يزال يحتفظ بقوات لم يتم الزج بها في معارك التنظيم ودفاعه عن المدن، ولكن الشيء الاكيد إن التنظيم ضعفت قوته وإمكانياته وقدراته العسكرية واللوجستية ولكنها لم تنتهي، ومن يراقب المشهد الامني العراقي يرى بأنه كلما تعقدت الامور والاوضاع السياسية في العراق يظهر تهديد تنظيم الدولة من جديد وبقوة، ويجري توظيف ظهوره من قبل الكثير من الاطراف الداخلية والخارجية لخدمة مصالحها في العراق والمنطقة، لذا نرى ظهوره بقوة بعد خروج مظاهرات تشرين الماضي ثم تلاشى بعد ذلك لفترة أخرى، ثم ظهر مرة أخرى بعد تصاعد حدة التوتر بين قوات الحشد الشعبي والقوات الامريكية بعد مقتل “قاسم سليماني”، وأبو “مهدي المهندس”، والذي صاحبه وقف الدعم الجوي والجهد الاستخباري من قبل قوات التحالف الدولي، فيا ترى من هي الجهات المستفيدة من احتمالية عودة تنظيم الدولة للمشهد العراقي مرة أخرى، أو من بقاء تهديده قائما؟، ولماذا لم تتخذ الاجراءات اللازمة لمعالجة هذا التهديد بصورة شاملة وكاملة سياسيا، وعسكريا ، واقتصاديا، واجتماعيا؟، بمعالجات حقيقة للأسباب التي أدت الى ظهوره لضمان عدم عودته مرة أخرى.

من المسائل المهمة لا بد لنا من الوقوف، عندها هي إن ما ورد من معلومات عن تنظيم الدولة في التقارير الدولية والاممية، وكذلك التقارير الاستخباراتية الامريكية، والعراقية، حول القدرات البشرية ،والعسكرية، واللوجستية لتنظيم الدولة، حيث تشير بعض التقارير الصادرة عن الحكومة الأمريكية والأمم المتحدة أنه يوجد ما يصل إلى (25)ألف مقاتل، حوالي (11)ألف مقاتل في العراق، و (14)ألف مقاتل  في سوريا، علماً بأن التنظيم فقد الكثير من قدراته العسكرية والمالية، بسبب خسارته لنفوذه نتيجة المعارك التي خاضها وخسرها في العراق وسوريا، والتي كان أخراها خسارته لمدينة “الباغوز” السورية الاستراتيجية، التي سيطرت عليها قوات سوريا الديمقراطية(PKK)بدعم أمريكي، حيث اعتقلت مقاتلين ينتمون لتنظيم الدولة ينتسبون الى(54) دولة، وهي تحتجز ما لا يقل عن(10)الاف مقاتل، بما فيهم (2000)مقاتل أجنبي، تم اسرهم هناك هذا يعني إن التنظيم فقد الكثير من القدرات والامكانيات القتالية والبشرية، بالإضافة الى فقدانه للحاضنة الاجتماعية التي يمكن أن تؤهله للعودة مرة أخرى لهذه المناطق، لذا فهو يسعى إلى إعادة تأكيد وجوده في المناطق التي فقد السيطرة عليها في العراق، ويحاول استغلال الفرص لشن هجمات انتقامية ضد القوات المحلية والحكومية.

تساؤلات في الامكانيات والقدرات:

لو نظرنا في ميزان القوى في المواجهة القائمة مع تنظيم الدولة لوجدنا هناك اختلال كبير في موازين القوى البشرية والعسكرية واللوجستية، مما يعني إن هناك خلل في ادارة الصراع بشكل كبير، علماً بأننا نعلم بأن حرب العصابات تختلف بشكل كبير عن الحرب النظامية، وهي السبب الرئيسي في اطالة أمد الصراع، لذا سنتناول بعض الامكانيات والقدرات دون الخوض في تفاصيلها، ونطرح بعض التساؤلات حول القدرات العسكرية للقوات المسلحة الحكومية وكما يلي:

أولا: تتكون منظومة القوات المسلحة العراقية من العديد من القوات العسكرية النظامية والغير نظامية ، بما فيها المنظومات الامنية، والاستخباراتية، والمخابراتية، والتي تشمل المسميات التالية:

ثانيا: هل من المعقول إن جميع هذه القوات والوزرات الامنية والجيوش والميليشيات المسلحة المدعومة من قبل ايران، ومن قبل قوات التحالف الدولي التي وصل عدد الدول المشاركة فيه الى أكثر من(67)دولة، والتي تقدم الدعم الجوي والاستخباري واللوجيستي للقوات الحكومية منذ عام2014، جميع هذه القوات لا تستطيع القضاء على تنظيم الدولة، علماً إن القوات الحكومية تمتلك من القدرات والامكانيات العسكرية واللوجستية والمالية ما تتفوق به على تنظيم الدولة بشكل كبير وغير قابل للمقارنة، فهل يعقل أن هذه القوات جميعها لا تستطيع أن تواجه(11)ألف مقاتل ينتمون لتنظيم الدولة؟، ومنقطعين تماماً عن العالم الخارجي، ويعانون من قلة الامكانيات العسكرية والبشرية واللوجستية، وصعوبات في التمويل والتعويض، بالإضافة الى أنهم يعانون من رفض الحاضنة الاجتماعية لهم، علماً إن الاجهزة الامنية والاستخبارية والعسكرية لديها معلومات مفصلة عن المناطق الجغرافية التي يتواجد بها التنظيم، والتي نجح في أنشائها بطريقة يصعب الوصول اليها من قبل القوات الحكومية، وهي معروفة ومشخصة بدقة، ولكنهم فشلوا الى الان في القضاء عليه أو على الاقل تحجيم حركته، لذا نراه يتحرك بحرية تامة لمعرفته الجيدة في هذه المناطق، وبمجرد أن أوقفت قوات التحالف الدولي الدعم الجوي والجهد الاستخباري للقوات الحكومية والتي كانت السبب الرئيسي في دحر التنظيم في الفترة الماضية، حتى صعد التنظيم من عملياته الهجومية، ونجح في تنفيذ سلسلة من العمليات الهجومية وعلى جبهات متعددة داخل وخارج المدن، مما اربك الوضع الامني بشكل كبير جداً.

هل يشكل تنظيم الدولة خطراً حقيقياً على الامن القومي العراقي:

في البداية أقول بأن التنظيم لم يعد يشكل خطراً حقيقياً على الامن القومي العراقي لأسباب كثيرة، منها فقدانه لقدراته العسكرية، والمالية، والبشرية، واللوجستية، وتعرض الكثير من قيادته للقتل والاغتيال ، وعدم وجود حاضنة اجتماعية له في المناطق السنية التي سيطر عليها التنظيم في الفترة الماضية، خصوصاً بعد أن تسبب في هذا الخراب والدمار الكبير الذي تعرضت له هذه المناطق، على يد مقاتليه، وعلى يد القوات الحكومية وميليشياتها المسلحة، بالإضافة الى قوات التحالف الدولي، جراء العمليات العسكرية والتي أدت الى طرد التنظيم واستعادة هذه المدن، والتي لا زالت تعاني من عدم جدية الحكومات في اعادة اعمارها وتعويض المتضررين، أو حتى بيان مصير المخطوفين والمغيبين على يد الميليشيات الطائفية، التي ترفض الخروج من كثير من المناطق السنية التي تم استعادتها منذ عام2014، لذا فالتنظيم لن يتمكن من العودة مرة أخرى لهذه المناطق للسيطرة عليها، وهو يحاول أن يستفيد ويوظف ضعف الجاهزية القتالية للقوات الحكومية، وضعف الروح المعنوية لدى بعض القوات، بالإضافة الى عدم وجود التنسيق الامني والعسكري بين الاطراف المعنية وتوظيف الخلافات السياسية بين الاطراف المحلية، علماً بأن تنظيم الدولة انحصر نفوذه على جميع المستويات وكما يلي:

 

الجهات المستفيدة من بقاء تهديد تنظيم الدولة قائماً:

يبدو بأن هناك الكثير من الجهات الخارجية والداخلية تستفيد من بقاء تهديد تنظيم الدولة قائماً وتريد بقاء احتمالية عودته قائمة هي جهات  كثيرة، وعلى مستويات متعددة منها دولية، وإقليمية، ومحلية، وجميع هذه الاطراف لديها أجندة ومصالح تتطلب بقاء هذا التهديد قائماً ولو لفترة زمنية محددة حتى ولو كانت على حساب مصلحة العراقيين وأمنهم ومستقبلهم ومن هذه الجهات هي:

الخلاصة:

الكثير منا يسأل لماذا عاد التنظيم الى تصعيد عملياته الهجومية ضد القوات الحكومية؟ وهل يمتلك من القدرات العسكرية ما تمكنه من السيطرة على المدن مرة أخرى؟ أم أنها حرب استنزاف فقط أو لخط الاوراق وضمان عدم الاستقرار في هذه المناطق ؟أم إن هذه الهجمات ورائها أجندة أخرى بعيدة عن تنظيم الدولة ؟ ولغرض الاجابة على الاسئلة نقول:

إن البيئة المحلية والاقليمية والدولية قد تنمح التنظيم فرصة جديدة لتجاوز الصدمات التي مرت به ليعود بقوة لواجهة المشهد العراقي، كما إن تناقص الضغوطات الخارجية عليه قد تدفعه للعودة مرة أخرى ،والذي يمكن أن يوظف اعلامياً، ولكنه في الحقيقة لن يعود كما كان بعد حزيران عام2014، كما أننا نود أن نسأل هل هناك تغير في البيئة المحلية والاقليمية والدولية؟.

أنا أعتقد بأنه يوجد تغير ولكن نحو الاسوأ !أذن نقول لا يوجد تغير بل إن الاوضاع تنحدر نحو الاسوأ، بسبب تضارب المصالح بين الفاعلين المحليين في الداخل والخارج، فالانقسام السياسي الداخلي أصبح حاداً بين المكون الواحد، بعد أن كان بين الطوائف في الفترة الماضية، كما إن التنظيم يستفيد من الخلافات الداخلية بين المكونات الرئيسية وبين الكتل السياسية ضمن الطائفة الواحدة، كما يحاول أن يوظف الخلاف بين الحكومة المركزية وحكومة اقليم كردستان، وهو يستفيد ويوظف الخلافات والانقسامات التي تعصف بالمشهد العراقي، ويحاول أن يوظفها لمصلحته من خلال أعادة ترتيب صفوفه والتموضع في ثنايا الاختلافات السياسية المحلية، والإقليمية، والدولية.

أن التدخل الايراني في العراق وسوريا واليمن والبحرين جعلت التنظيم يستفيد منه لتجديد خطابه الاعلامي والشرعي، وتوظفيه في تجنيد الشباب المندفع، كما إن إعلان الولايات المتحدة أنها ستسحب قواتها من سوريا، بثت في قيادات التنظيم الامل بالعودة مرة أخرى للمشهد العسكري، ثم جاء الاعلان الامريكي بالسماح لتركيا بشن عملية عسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية الحليف الاستراتيجي لها في مواجهة تنظيم الدولة، كفرصة جديدة في تخفيف الضغط العسكري والميداني على التنظيم، كما وفر مساحة أكبر لتنظيم الدولة لممارسة نشاطه القتالي، مما جعل الاخيرة تهدد بأطلاق سراح الالاف من المساجين التابعين لتنظيم الدولة والمسجونين لديها أذا لم يتم وقف العملية العسكرية التركية في الشمال السوري ، بعد إن نجح الكثير من المساجين من تنظيم الدولة في الفرار، وجميع هذه التطورات دفعت قوات سوريا الديمقراطية الى التراخي في ملاحقة التنظيم والقضاء عليه، وقد عمدت الى ذلك ليستمر تواجدها ودعمها من قبل واشنطن، مما سبب عرقلة للجهود الرامية للقضاء على تنظيم الدولة، واربك المشهد بشكل كبير، كما أن تصاعد حدة التوترات والتهديدات بين القوات الأمريكية وايران من جهة، وبين ميليشيات الحشد الشعبي من جهة اخرى، بعد مقتل “سليماني” وأبو “مهدي المهندس” أوقف جهود محاربة التنظيم وأضعفها بشكل كبير، وجعل من الصعب على هؤلاء الشركاء التنسيق والتوافق على مواجهة تنظيم الدولة، علماً بأن القوات العسكرية الامريكية قد انسحبت من بعض المواقع العسكرية في العراق، مما أدى الى انخفاض الضغط المسلط على تنظيم الدولة، الامر الذي مهد الطريق لتنظيم الدولة الى تصعيد عملياته الهجومية كخطوة أولى، لاستعادة قوته ونشاطه والذي يمكن أن يصبح تهديداً مستقبلياً من الصعب احتوائه. 

الخاتمة:

هذا يجعلنا نقول بأن التنظيم قادر على تنفيذ عمليات هجومية، ولن تمنعه هذه أي معوقات من القيام بعمليات هجومية تواكب تعقيدات المرحلة التي يمر بها التنظيم، والتي يمكن أن تعيده مرة أخرى الى  الواجهة الاعلامية، لذا فهو يحاول العودة الى حرب العصابات، كونه لا يزال يمتلك مرونة عالية، وقدرات عسكرية، ولوجستية، وتكتيكية، وهجومية متنامية، مع قدرته المتزايدة على الحركة والتنسيق مع خلاياه المنتشرة في مناطق تواجده الجغرافي لشن سلسلة من العمليات الهجومية، بعد أن فشل في خوض الحرب النظامية، بسبب التفوق الجوي الذي غير موازين القوى على الارض، وأجبر التنظيم على التقهقر والتراجع، لذا فهو يسعى لتنفيذ حرب استنزاف طويلة الامد، من خلال قيامه بشن عمليات هجومية نوعية خاصة ضد المتعاونين مع القوات الحكومية، وضرب أهداف تؤدي الى عدم الاستقرار الامني، متى ما سمحت الظروف بذلك، ولكنه لن يكون قادراً على السيطرة على المناطق كما حصل في حزيران عام2014.

                                                                                  

Exit mobile version