د. فارس الخطاب
تتعقد الأمور في مجريات ومالات الحرب البشعة بين الكيان الصهيوني “إسرائيل” وحماس في قطاع غزة والتي تقترب من تمام شهرها الثالث، وما يفوق الخمسين ألف بين شهيد وجريح ومفقود فلسطيني، ليس في قطاع غزة وحسب ؛ بل في عموم الضفة الغربية ، مع إعلان الجيش الصهيوني عن مقتل أكثر من 1300 ضابط وجندي منذ السابع من أكتوبر الماضي ، تتعقد بالشكل الذي يبدو فيه أي توجه لإنهائها ضرب من الآمال غير المنطقية ، بسبب تعنت حكومة نتنياهو ومجلس حربه في شروطهم التي توافقه فيها بكل قوة وإصرار ، الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض الحكومات الأوروبية ، تلك الشروط التي تبدو مستحيلة ، ليس من حيث واقع الحال العسكري بعد ما يناهز الثلاثة أشهر ، وتكبد الكيان الصهيوني الكثير من القتلى والجرحى خلا عملياته البرية داخل القطاع ، وحسب ، بل وهو الأهم ” إصرار (نتنياهو) على شرط القضاء التام على حركة حماس أو تسليم أعضاءها أنفسهم للقوات الصهيونية ، مهما استغرقت هذه الحرب زمنياً.
ورغم استخدام الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أسلوب التصريحات والمواقف الخاصة بالإستهلاك المحلي ، تخفيفاً لتصاعد الرأي العام في بلاده خاصةً وفي العالم عامةً الرافض للحرب الإسرائيلية على غزة وعلى دور واشنطن في إفشال إقرار أي مشروع إيقاف لإطلاق النار في غزة من خلال إستخدامها المنفرد لحق النقض (الفيتو) من جهة ، وأيضاً من خلال تشكيل جسور جوية لتزويد الكيان الصهيوني بكافة أنواع الأسلحة المدمرة للمدن والقاتلة للمدنيين من سكان هذه المدن ، من هنا فلا يجب الوثوق بما يصرح به بايدن ووزير خارجيته بلينكن ومستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض جيك سوليفان ، سواءً بشكل مباشر أم من خلال تسريبات “مفتعلة” حول مواقف أمريكية تدعو “إسرائيل” للتوقف عن قتل المدنيين أو تقليلها ، محاولة عدم استهداف المستشفيات ومراكز الإيواء وغير ذلك ، كون نتنياهو ، وعقب كل زيارة لمسؤول أمريكي ، يخرج ليردد ذات المطالب فيما يخص القضاء على حماس وأيضاً النص الذي لا يصدقه أحد ، وحتى الشعب داخل الكيان الصهيوني “إن إسرائيل ستكون أكثر دقة في إستهدافها لإهداف داخل القطاع وستساهم في تسهيل تدفق المساعدات للمدنيين داخل القطاع “.
يبدو أن العالم مشغول بالحرب المتصاعدة بين “إسرائيل” وحماس، والجميع يتساءل: متى ستنتهي هذه الحرب؟ والإجابة عن هذا التساؤل تستدعي معرفة غايات وأهداف قادة الكيان الصهيوني، والتي من خلالها بدا المشهد كحرب إبادة تستهدف إسرائيل من خلالها قطاع غزة بأكمله قتلاً وتهجيراً، حيث طلبت بدايةً من المدنيين في شمال القطاع بالانتقال إلى جنوب القطاع وروجت لهذه الفرضية ” الجنوب سيكون أكثر أمناً” لكنها وبعد أن ساوت شمال غزة بالأرض بعد قصفه بالطائرات والمسيرات والمدفعية والصواريخ وأزهقت عن عمد أرواح آلاف المدنيين، عادت لقصف جنوب غزة بذات الوسائل وذات الهمجية.
إن من يتابع برنامج نتنياهو الدموي في قطاع غزة لا يحتاج المزيد من المعرفة ليقرر أن رئيس وزراء الإقليم ومعه كابينته الوزارية والحربية، لديهم قرار واضح يتعلق بقتل أكبر عدد المدنيين، مكرسين اللوبي الصهيوني بكافة أنحاء العالم سواء تعلق الأمر بالحكومات أم المؤسسات بكل تخصصاتها وخاصة منها الإعلامية لجعل هذا الأمر مفتاح “أمن إسرائيل” والذي ستستخدمه لفتح أبواب التهجير من جديد من جهة، ولإعادة ترتيب المحيط الإقليمي للكيان الصهيوني من جهة أخرى.
لم يشهد الموقف الدولي تحشيداً كالذي قامت به “إسرائيل” من عام 1948م وحتى الآن؛ فرغم تحذيرات المجتمع الدولي من مغبة استمرار الحرب على غزة وما خلفته، وما زالت، من بربرية في القتل ودعم القاتل سياسياً وعسكرياً وإقتصادياً، كما لم يسبق أن تجاهلت دول العالم الكبرى مأساة مقتل عشرات الآف المدنيين، جُلهم من الأطفال والنساء، والأمّرُ والأنكى تراجع المواقف العربية والإسلامية رغم قرارات القمة العربية-الإسلامية في المملكة العربية السعودية ورغم مناشدات مدنيي غزة طيلة ما يناهز التسعون يوماً.
في زاوية أخرى فإن، غزة، وشواطئها، مليئة بالغاز والنفط، وهو أمر يتطلب إخلاء القطاع من سكانه حتى تنفرد “إسرائيل” باستخراجهما وتعزيز استثماراتها (الغير شرعية) في هذه المنطقة، أي أنها تسعى في المرحلة المقبلة إلى التخلص من كافة المدنيين الذين ستهيأ لهم طرق مغادرة القطاع مع وضمان عدم عودتهم إليه.
وكما هو الحال في المنطقة، فإن الأطراف المتحكمة في المشهد هي الولايات المتحدة، “إسرائيل” وإيران؛ فالكيان الصهيوني أطلع واشنطن على كامل الخطة التي سيتعامل بها مع الفلسطينيين بقطاع غزة، وهنا يعلق أحد المسؤولين الأمريكان بالقول “أعتقد أن الإسرائيليين كانت لديهم أفكار للحملة العسكرية في وقت مبكر جدًا”، فيما يحاول وزير خارجية الولايات المتحدة بلينكن ، تجميل جرائم “إسرائيل” حينما سئل عن الخسائر المدنية الهائلة في قطاع غزة ” بينما يعتقد أن إسرائيل لديها “النية” الصحيحة عندما يتعلق الأمر بالتقليل من الخسائر في صفوف المدنيين، إلا أن “النتائج لا تظهر نفسها دائما، ونحن نرى أن كليهما فيما يتعلق بالمدنيين الحماية والمساعدة الإنسانية”. وبالمناسبة فإن بلينكن جند نفسه منذ السابع من أكتوبر الماضي للدفاع عن “إسرائيل” وحقها بالدفاع عن نفسها، كما يشن دائماً سيل من الإشارات لحكومات العالم متعجباً أنهم ” كيف لا يطلبون من حماس تسليم أنفسهم للقوات الإسرائيلية”.
نشرت صحيفة “النيويورك تايمز” للكاتب توماس ل. فريدمان في 22 كانون الأول/ديسمبر الجاري، مقالاً بعنوان ” لقد حان الوقت لكي تمنح الولايات المتحدة إسرائيل بعض الحب القاسي”، يقول في مقدمته ” لقد حان الوقت لكي تتوقف الولايات المتحدة عن إضاعة الوقت في البحث عن القرار الأمثل الذي تتخذه الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار في غزة”. ويضيف ” لقد حان الوقت لكي تقول الولايات المتحدة لإسرائيل إن هدف حربها المتمثل في محو حماس من على وجه الأرض لن يتحقق ـ على الأقل ليس بالتكلفة التي سوف تتحملها الولايات المتحدة أو العالم، أو التي ينبغي لإسرائيل أن ترغب فيها”. فريدمان بالطبع يعلم أن واشنطن لن تتوقف عن دعم “إسرائيل” أو حتى نقاشها بشكل حاد أو بصيغة الأمر، لكن هذا سيكون عندما يحتاج الكيان الصهيوني لمخرج من طول فترة الحرب واستمرار حماس في تصديها للحرب المفروضة عليها.
مع استمرار الحرب فقد الكيان الصهيوني قدرا كبيرا من التعاطف الدولي التقليدي، كما بات واضحاً أنها لم تثبت قدرتها على تحقيق الانتصار في غزة أو تقديم مشروع للسلام الحقيقي. وكذلك حماس التي أثبتت قدرتها على المطاولة، ولكن دون أي فرصة لتحقيق نصرٍ ناجز على “إسرائيل”، وفي نهاية المطاف سيرضخ الطرفان لقرار وقف إطلاق النار تعده واشنطن أو أية دولة حليفة في مجلس الأمن.
لقد تساءل الجنرال ديفيد بتريوس، القائد السابق في “القيادة المركزية الأمريكية” و “القوة متعددة الجنسيات في العراق، ثم المدير الأسبق للمخابرات المركزية” في حالة الحرب في العراق، “كيف ستستمر هذه الحرب؟ “، وجاء الجواب من قبل العديد من الباحثين والمراقبين للأوضاع في المنطقة بأن الرابح الأبرز ستكون إيران. فقد مارست بدل تخفيف الجهد العسكري الهائل على حماس وسكان القطاع، مارست حرب التصريحات غير المجدية ووجهت حزب الله اللبناني بتنفيذ عمليات محدودة وكذلك وجهت الحوثيين، وإن كانت مشاركة اليمن تمثل تحولاً خطيراً في الصراع حول العالم كله ضد القرار العربي في الإستفادة من كل الرهانات لكسب المعركة، وكما تحشدت القوى الغربية في قواعد بمنطقة الخليج العربي بحجة استعادة الكويت، سيسري ذات السيناريو فيما يخص باب المندب والبحر الأحمر. إيران برأت نفسها من عملية (طوفان الأقصى) بطريقة إعلامية ودبلوماسية وقال مسؤولون فيها أنّه لم يكن لديهم (إيران) علم بتوقيت بالعملية يوم 7 أكتوبر /تشرين الأول على مناطق غلاف غزّة.
باتريوس أكد في مقابلة سابقة مع صحيفة بوليتيكو الأميركية، أن تجربته الشخصية في إدارة الجيوش المنخرطة في “حملات وحشية لمكافحة التمرد”، تؤكد أنه “من الصعب بالنسبة لي أن أتخيل وضعا أكثر صعوبة من هذا الوضع بالتحديد، وكنت أحد الذين قادوا القوات في عدد من العمليات الكبرى في مناطق حضرية”. وأضاف “لا يمكنك الفوز في عمليات مكافحة التمرد في عام أو عامين. فمثل هذه العمليات عادة ما تستغرق عقدا من الزمن أو أكثر، كما رأينا في العراق، وكما رأينا في أفغانستان”.
لا يتخيل أحداً أن الحرب على غزة ستنتهي بشكل إنسيابي وسلس ؛ لأن (إسرائيل) تريد اجتثاث حماس من فلسطين، بما يعني أن صمود حماس سيشكل مفتاح نصرها في هذه الحرب خصوصاً بعد أن دمرت الماكنة العسكرية الإسرائيلية قطاع غزة وقتلت الآلاف من شعبه ، بما أبقى حماس بوضع لن يخشى فيه شيئاً ، وهو ما سيمنحه قدرة على قتال إحدى نهاياته (الشهادة) والأخرى إيقاع المزيد من الخسائر في جنود الجيش الصهيوني.
مقال خاص براسام

