Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

عملية “طوفان الأقصى”: معركة خاطفة غيرت موازين القوى (2-5)

 

مبادئ الحرب في عملية طوفان الأقصى:
لقد نجحت القيادة العسكرية نجاحاً كبيراً في التخطيط لهذه العملية العسكرية الهجومية الخاطفة، حيث وظفت فيها مبادئ الحرب بشكل دقيق ورائع وغير متوقع، وقد رأينا ذلك من خلال السرعة، والاندفاع، والجرأة، والمرونة، والمفاجأة، والمباغتة، والتخطيط العسكري الدقيق، والسرية والكتمان، ومعرفة الأرض وتوظيفها بشكل دقيق، كما أنها نجحت في اختيار التوقيت المناسب لهذه العملية، والذي تمثل في اختيار يوم السبت الذي يعتبر عطلة رسمية أسبوعية لدى الصهاينة، وكذلك نجحت في اختيار وتحديد الأهداف، والاتجاه المناسب للهجوم، وتحديد حجم ونوع القوة اللازمة للهجوم، بحيث تمكنت هذه القوات من  أحداث فعل الصدمة التي أسهمت بشكل كبير في اختلال توزان العدو وارتباك قيادته الميدانية والسياسية التي وقفت عاجزة تماماً عن وقف الهجوم أو صده، خصوصاً وانها نجحت في أدخال أساليب قتالية جديدة في المعركة تمثلت بالأنزال الجوي والبحري الذي لم يكن ضمن حسابات الجيش الصهيوني، الذي كسرت أرادته على القتال وتراجعت معنويات جنوده، علماً إن توظيف هذه المبادئ هو دليل واضح على قدرات حماس التنظيمية والتخطيطية، وخبراتهم العسكرية في إدارة الصراع والمواجهة.  

 

خطة مخادعة سوقية:
لقد شملت خطة الهجوم على المستوطنات الصهيونية تنفيذ خطة مخادعة سوقية قل نظيرها في العصر الحديث!!، بسبب التقدم والتطور التكنلوجي والالكتروني والاقمار الاصطناعية القادرة على كشف أي تحرك عسكري بهذا الحجم قبل أن ينطلق، بالإضافة الى امتلاكها أقوى أجهزة الامن والمخابرات والاستخبارات في المنقطة والعالم، حيث نجحت المقاومة في تظليل جميع الوكالات الأمنية والاستخبارية والمخابراتية سواءً الصهيونية أو الأمريكية أو العربية، التي وقفت عاجزة عن معرفة أي تفاصيل عما ما يجري في مدينة غزة، خصوصاً وإن المقاومة نجحت في أخفاء استحضاراتها للهجوم، بما فيها مناطق الحشد، وحجم القوات، وتوقيت الهجوم!، واتجاهه، وساعة الصفر!، علماً بأن هناك تحذيرات سربت إليهم عن طريق دولة مجاورة تحذرهم من وجود شيء غير طبيعي في غزة، ومع هذا تم اهمال هذه المعلومات الأمر الذي أدى الى انهيار كبير في المنظومة الاستخبارية التي فشلت فشلاً ذريعاً في معرفة أو تحديد نوايا المقاومة.

إن الهجوم المباغت أدى الى شلل كبير في القدرات العسكرية والاستخبارية والالكترونية الصهيونية، والتي طالما تغنى بها العدو الصهيوني في الفترة الماضية، وخاصةً جهاز المخابرات العامة “الشاباك” الذي يعد من أقوى أجهزة المخابرات في العالم، وكذلك جهاز الاستخبارات العسكرية “أمان”، التي فشلت في الحصول على أي معلومة عن عملية “طوفان الأقصى”، بحيث فقد العدو القدرة على اتخاذ أي ردة فعل لوقف الهجوم أو صده، بحيث تمكنت المقاومة الفلسطينية شل احتياطات العدو بعد أن فرضت سيطرتها الكاملة على منطقة غلاف غزة، بعد أن اخترقت الجدار الأمني الذي شيده الصهاينة من الاسمنت على طول حدود مع القطاع والذي أطلق عليه تسمية “العائق”، حيث نشرت وزارة الدفاع الصهيونية عطاءات لأعمال حفر وبناء للجدار الفولاذي الذي وصفوه بالذكي بطول (65كم) يحيط بقطاع غزة حسب صحيفة ” الاستقلال “، على أن يكون بعمق (6) متر وبارتفاع (6) أمتار، كما شيدت عليه أبراج مزودة بكاميرات مراقبة الكترونية بمختلف الاتجاهات لوضع حد لتهديدات “حركة حماس”، ولمواجهة الانفاق ومنع التسلل عبرها، ولكنها فشلت جميعها هذه التحصينات أمام الهجوم الفلسطيني.

 

 

عملية طوفان الأقصى ونظرية الأمن الصهيوني:
لقد أسقطت المقاومة الفلسطينية في هجوم السابع من أكتوبر الماضي أسطورة الكيان الصهيوني الأمنية والعسكرية والاستخبارية والالكترونية، حيث تلاشت نظرية الأمن الصهيوني القائمة على الردع، والانذار المبكر، والقدرة على الحسم، كما أنها أسقطت منظومة القبة الحديدية، ومقلاع داوود، ونظرية الجيش الذي لا يقهر، بعد أن أصبحت نظريات الردع، والحرب الاستباقية، والحدود الأمنة، والمناطق العازلة من الماضي، بفعل العمل التعرضي الكبير الذي تداعت أمامه جميع التحصينات وتلاشت أمامه جميع الجدران التي أنشأها الكيان الصهيوني لحماية حدوده، بما فيها السياج الفولاذي، ومنظومات التجسس، والتنصت، الأمر الذي أجبر الكيان الصهيوني على استدعاء (300) ألف جندي من قوات الاحتياط لمواجهة حركة “حماس”، الأمر الذي جعل قادة الكيان الصهيوني يعلنون بأن الكيان الصهيوني في حالة “حرب” لهول الصدمة التي تعرضوا لها، بعد أن فشل الجيش الصهيوني في حماية نفسه وحماية قاعدته العسكرية في المنطقة الجنوبية، فضلاً عن فشله في حماية المستوطنات الواقعة في غلاف غزة أو ما يسمى بـ”الخط الأخضر”.

 

الكيان الصهيوني يعلن الحرب:
لقد كانت الصدمة كبير لقادة الكيان الصهيوني بسبب الخسائر الفادحة الأمر الذي جعلهم يعلنون بأنهم في حالة “حرب” مما يعني بأن الكيان الصهيوني وضع جميع مقدرات الدولة المدنية تحت “قانون الطوارئ”، بما فيها إعلان التعبئة العامة، واستدعاء الاحتياط، وتقييد النشر في وسائل الاعلام، علماً بأن هناك مشاورات أجراها رئيس الحكومة “نتنياهو” مع قادة الجيش، وأعضاء “الكابينت” الأمني المكون من(11) وزير والذي يطلق عليه تسمية “المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية”، الذي يتولى صياغة السياسات الحكومية المتعلقة بالأمن القومي الصهيوني وشؤون العلاقات الدولية والدبلوماسية، حيث حددت القيادة السياسية أهداف العملية العسكرية التي تضمنت الهجوم البري لاجتياح مدينة غزة وتدمير قوة حماس السياسية والعسكرية وأنهاء حكمها في القطاع، وإطلاق سراح الاسرى، ثم عدلت على ذلك بعد النصائح الامريكية ليكون الهجوم البري المحدود لتدمير قدرات حماس سياسياً وعسكرياً، كما إن هناك معلومات وتسريبات تشير الى وجود خطة لتهجير أهالي مدينة غزة الى مصر والأردن والدول العربية المجاورة ولكن هذا الأمر  رفض من قبل الجميع في الداخل والخارج رفضاً مطلقاً.

 

لقد أعلن وزير الأمن الصهيوني استدعاء (300) ألف جندي من قوات الاحتياط لشن الحرب على قطاع غزة مع الأخذ بنظر الاعتبار احتمالية انضمام جبهات أخرى للحرب، علماً بأن هذه القوات لا تتمتع بقدرات عسكرية وبدنية كبيرة، خصوصاً وإن الكثير منها تجاوز سن الخمسين، ولكنها تؤخذ في حسابات القوة وتقدير الموقف، علماً بأن استدعاء الاحتياط يعني شلل الاقتصاد الصهيوني ودوائر الدولة الأخرى، خصوصاً وإن الشيكل يسجل أعلى نسبة خسائر له منذ (39) عاماً، وهو في أدنى مستوياته مقابل الدولار، كما إن الكيان الصهيوني يخسر يومياً ما يقارب (400) مليون دولار دعماً المجهود الحربي، ناهيك عن النقص الكبير  في المواد الغذائية، وهناك توقف لبعض محطات الطاقة ومنها توقف تدفق الغاز من حقل غاز “تمار “، وهذا يجعلنا نسأل هل سيتحمل الكيان الصهيوني الفاتورة الاقتصادية لهذه الحرب الطويلة، خصوصاً وإن قادة الاحتلال يقولون بأن هذه الحرب ستكون طويلة؟، فما بالك أذا فتحت جبهات أخرى!.

 

الاصطفاف الغربي مع الكيان الصهيوني:
لقد سارعت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا الى تدارك هذه الهزيمة النكراء للجيش الصهيوني، حيث سارعت على عجل لتعلن اصطفافها وراء الكيان الصهيوني، كما أعلنت بأنها تدعم الكيان الغاصب بكل ما يحتاجه للدفاع عن نفسه، حيث قامت واشنطن ولندن وباريس باتخاذ إجراءات عسكرية تتضمن إرسال أسلحة وذخائر وصواريخ وقوات عسكرية وطائرات لدعم الكيان، كما صدرت منهم تصريحات تثير الريبة في المنطقة، خاصةً التصريحات التي صدرت من الرئيس الأمريكي المجرم “جو بايدن” الذي وصف حماس بأنها “منظمة إرهابية ووصف عمليتها بـ”الشر المطلق”، كما أعلن استعداده لتلبية كل احتياجات الكيان الصهيوني العسكرية للدفاع عن نفسه، ومنها توفير الذخائر والصواريخ للقبة الحديدية، كما أنه أخبر المجرم “نتنياهو” رئيس وزراء الكيان الصهيوني بأن “رد إسرائيل على العملية العسكرية التي باغتتها يجب أن يكون حاسماً”، في تحريض واضح وصريح على تنفيذ عمل عسكري بري ضد غزة.

 

 

 

 

Exit mobile version