Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

عملية “طوفان الأقصى”: معركة خاطفة غيرت موازين القوى (1-5)

المقدمة:
لقد استيقظ العالم في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام2023م، على نبأ كبير وخطير تمثل بقيام كتائب “عزالدين القسام” الجناح العسكري لحركة “حماس” بتنفيذ عملية عسكرية هجومية أطلق عليها تسمية “طوفان الأقصى”، والتي كانت عملية نوعية بامتياز، حيث شنت “كتائب عزالدين القسام” هجوماً تعرضياً مباغتاً استخدمت فيه جميع الأسلحة المتوفرة في تنسيق عالي وغير مسبوق، حيث اشترك في تنفيذ هذا الهجوم المدبر قواتها البرية، والبحرية، والجوية، والصاروخية في هجوم هو الاضخم والأكبر منذ عام 1948م، من حيث نتائجه العسكرية على المستوى الاستراتيجي، والعملياتي، والتكتيكي، بعد أن استخدمت في هجومها أسلوب المناورة بالخرق، حيث تم خرق الموضع الدفاعي المعادي بهجوم بري أستهدف مواقع الجيش الإسرائيلي في منطقة غلاف مدينة غزة، وقد تزامن الهجوم مع أنزال جوي وقصف صاروخي طال الكثير من المطارات والمدن الصهيونية، بالإضافة الى دفع كتيبة الضفادع البشرية لتنفيذ عمليات خاصة ونوعية على مواقع عسكرية بحرية صهيونية، حيث سيطرت القوات المهاجمة على عددً من المواقع ونقاط المراقبة المنتشرة على حدود قطاع غزة، الأمر الذي أدى الى انهيار المنظومة الدفاعية الصهيونية في القيادة الجنوبية، حيث تمت السيطرة على “قاعدة رعيم” العسكرية، التي تعتبر مقر قيادة فرقة غزة في الجيش الصهيوني، بعد أن سقطت نظرية الامن الصهيوني، وبعد أن فشلت الأجهزة الأمنية والوكالات الاستخبارية على معرفة أي معلومات استخبارية تبين نوايا فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة قبل بدأ الهجوم.

الدوافع والأسباب:
إن عملية “طوفان الأقصى” حملت رسائل كثيرة، جلية، و واضحة للمحتل الصهيوني مفادها بأن استمرار الاحتلال للأراضي الفلسطينية سيكون ثمنه باهضاً عليكم مهما طال الزمن وعظمت التضحيات، وإن هذه العملية قد جاءت رداً على الكثير من جرائم الاحتلال الصهيوني المستمرة بحق الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للظلم والاضطهاد والتجويع والاذلال، كما أنها جاءت لوقف هرولة الأنظمة العربية نحو التطبيع وأخرها المملكة العربية السعودية التي تنوي التطبيع من الكيان الصهيوني الأمر الذي سيضر بالقضية الفلسطينية لمى لها من ثقل عربي واسلامي، ولكي نكون دقيقين نقول بأنها جاءت للرد على الأنظمة العربية الحاكمة التي طبعت مع الكيان الصهيوني في الفترة الماضية الأمر الذي هدد بتصفية القضية الفلسطينية وأضر بحقوقها المشروعة.

كما أنها جاءت لتشكل رداً حاسماً على الاعتداءات المتكررة لقوات الاحتلال الصهيوني والتي تمثلت بعمليات الدهم والاعتقال والاحتجاز والاقتحامات التي تنفذها القوات الصهيونية ضد الكثير من البلدات والمدن الفلسطينية، وخاصةً في منطقة “جنين” وبقية المناطق الأخرى في الضفة الغربية، خصوصاً وإن وزير المالية الصهيوني قد شكلت ميليشيا تابعة له أطلق عليها تسمي “فتيان التلال” هدفها السيطرة على الضفة الغربية ومضاعفة عدد المستوطنين وطرد الفلسطينيين من أراضيهم، بالإضافة الى استمراره في بناء المستوطنات من خلال توطين أكثر من مليوني يهودي في الضفة الغربية باحتلال وابتلاع المزيد من الأراضي، يضاف الى ذلك بأنها جاءت للرد على الحصار البري والجوي والبحري المفروض على قطاع غزة منذ سنوات طويلة والذي حولها لسجن كبير.

يضاف الى ذلك بأنها جاءت رداً على التجاوزات المستمرة للمتشددين اليهود على المسجد الأقصى، والتي تتم بحماية الأجهزة الأمنية الصهيونية والأحزاب اليمينية المتطرفة، والتي تعمل على تهويد القدس، وهدم المسجد الأقصى، وبناء هيكل سليمان، بتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على منازلهم بالقوة من خلال جهاز عسكري يتبع لـ”وزير الأمن الداخلي بن غفير” أطلق عليه “الحرس الوطني” هدفه تهجير الفلسطيني من شرق مدينة القدس، يضاف لذلك بأنها جاءت لتخليص السجناء الفلسطينيين الذين يعانون في سجون الاحتلال من أمراض قاتلة، ويعيشون ظروف صعبة بسبب سياسية الإهمال المتعمدة من قبل الاحتلال، وخاصةً لكبار السن وأصحاب الامراض المزمنة الذين منعوا من الدواء والعلاج، جميع هذه الأسباب دفعت المقاومة للقيام بهذه العملية العسكرية لكي تعود القضية الفلسطينية الى واجهة الاحداث السياسية والأمنية باعتبارها القضية المركزية للعرب والمسلمين.

عملية طوفان الأقصى في الميزان العسكري:
لا شك بأن عملية “طوفان الأقصى” تكتسب أهمية استراتيجية كبيرة على المستوى الاستراتيجي والعملياتي، والتكتيكي لأنها غيرت موازين القوى على الأرض بعملية هجومية خاطفة، استطاعت من خلالها كتائب عزالدين القسام ذات القدرات العسكرية البسيطة من ناحية العدد والعدة والعتاد أن تلحق هزيمة عسكرية مدوية بقوة غاشمة تمتلك قوات مدربة بشكل جيد، ولديها أسلحة حديثة، وقوة جوية وبحرية استخبارية متطورة ومتقدمة عالمياً، كما أنها تتلقى دعماً دولياً واقليمياً وعربياً، ومع هذا فشلت في مواجهة فصائل حماس في مدينة غزة التي أحدثت صدمة كبيرة لقادة الكيان الصهيوني السياسية والعسكري من حيث توقتها وسريتها ونتائجها.

لقد بدأت هذه العملية المباغتة والمفاجأة للعدو بهجوم صاروخي كبير وواسع النطاق، بدأ من الساعات الأولى ليوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث اطلقت القوة الصاروخية التابعة لكتائب عزالدين القسام أكثر من (5000) صاروخ كقصف تمهيدي، طال الكثير من المدن والمطارات داخل الأراضي المحتلة، وخاصة المستوطنات في غلاف مدينة غزة، الأمر الذي أدى الى ارتباك كبير في المنظومة الدفاعية الصهيونية التي فشلت في صد الهجوم، كما فشلت في احتوائه أو حصره، بعد أن فقد العدو القدرة على الرد والمواجهة، الأمر الذي شل حركته وارباك قطعاته العسكرية، مما أدى الى انهيار منظومته الدفاعية.

لقد نجحت قطعات الصفحة الأولى في دفع مجاميع قتالية مدربة بشكل جيد قامت باختراق الجدار الأمني وعبوره لعمق المستوطنات الصهيونية التي تقع في منطقة غلاف مدينة غزة، بعد أن نجحت الطائرات المسيرة “الزواري” في تدمير كاميرات وأبراج المراقبة، كما نجح الجهد الهندسي في أزالة وفتح وتدمير السياج الحدودي خلال الساعات الأولى من الهجوم لتصل وتسيطر قطعات الصولة الأولى والثانية الى أكثر من (20) مستوطنة صهيونية، وأكثر من (11) موقع عسكري صهيوني، بما في ذلك مقر القيادة العسكرية لفرقة غزة المسؤولة عن الجبهة الجنوبية والتي تم أسر قائدها.

لقد أدت قطعات الصولة التابعة لكتائب “عزالدين القسام” في هجومها التعرضي الخاطف أداءً عسكرياً كبيراً ومذهلاً، تميز بتغير أساليب الحرب ووسائلها وتكتيكاتها، ومنها انتقالها من الدفاع الى الهجوم، ومن ردة الفعل الى الفعل العسكري المباشر المدعوم بتخطيط عسكري دقيق وبحنكة قيادية واضحة في وضع خطة الهجوم التي استندت على معلومات استخبارية دقيقة، وسرية تامة، وكتمان غير مسبوق، وتدريب عالي، واستخدام راقي للأرض والأسلحة، كما تمتع المقاتلون بمعنويات عالية جعلت الشباب يتسابقون لتنفيذ الواجب ونيل الشهادة، كما استخدمت “كتائب القسام” الأنزال الجوي بقدرات بسيطة من خلال الانزال بالطائرات الشراعية متجاوزة نقاط الرصد والمراقبة والتحصينات ونقاط التفتيش الى مواقع خلف خطوط العدو الأمر الذي أربك العدو وأفقدته توازنه وجعله يتخبط من هول الصدمة.

لقد استطاعت كتائب عز الدين القسام من أسر الكثير من القيادات العسكرية والأمنية والإدارية منذ الساعات الأولى للهجوم، وحصلت على الكثير من الأسلحة والمعدات والاليات العسكرية المتطورة، بالإضافة الى حصولها على الكثير من المعلومات العسكرية والأمنية وأجهزة الحاسوب التي تحتوي على معلومات عسكرية وأمنية خطيرة تابعة لجهاز المخابرات “الشاباك ” وجهاز الاستخبارات “أمان”، والتي تمثل كنز استخباري كبير لما تحتويه من معلومات عسكرية سرية تتضمن أسماء العملاء والجواسيس في مدينة غزة والضفة الغربية، وكذلك الخطط العسكرية التي تتضمن معلومات سرية مهمة بما فيه خطط اجتياح مدينة غزة.

Exit mobile version