أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
– قلة دور المعلمين:
واجهت المسيرة التعليمية في العراق خلال مدة البحث (١٩٤٥ – ١٩٥٨م)، لذا نلحظ وعبر جلسات مجلس النواب انبرى عددا من النواب بإثارة الموضوع لأهميته فقدموا ملاحظاتهم – ألا وهي قلة أعداد دور المعلمين والمعلمات، وفي هذا المجال وجه نائب الدليم (الأنبار) نظيف الشاوي سؤاله الى وزير المعارف (نجيب الراوي) حول “خطة الوزارة فيما يتعلق بدور المعلمين..”، أما نائب البصرة (عبد الهادي البجاري) بجلسة المجلس الـ (٣٣) المنعقدة في ٢٤ حزيران ١٩٤٧م، مؤكدا على “فشل خطة وزارة المعارف عندما تركز افتتاح مثل هكذا مراكز تعليمية على العاصمة بغداد مما شكل عائقا أمام التحاق طالبات مختلف الألوية (المحافظات) بهذه الدور ..” ولهذا كثرت شواغر مدارس البنات في الألوية الأخرى..”.
وتحدث علي كمال (نائب السليمانية) في جلسة المجلس الرابعة المنعقدة في ١٥ أيار ١٩٥٠م، بضرورة افتتاح دور المعلمين في الألوية (المحافظات) لكن لم تلق أي توضيحات أو إجابة من وزير المعارف (سعد عمر) الذي كان حاضرا الجلسة ذا الرقم (٦) المنعقدة في الأول من كانون الثاني ١٩٤٨م.
حاولت وزارة المعارف حل المشكلة بافتتاح عدد من دور المعلمين والمعلمات في عدد من الألوية إلا أن هذه الدور كانت ناقصة، وحسب قول نائب الدليم (الأنبار) نجيب الراوي أن الإكثار من فتح دور المعلمين دون التأكد من وجود معلمين كافين لإدارتها هو عمل غير ناجح.. وهذا ما حدث في العمارة والحلة فهي بالاسم دور للمعلمات…”.
وفي الجلسة (١٢) المنعقدة في ١٢ نيسان ١٩٤٧م، طالب عددا من النواب موضوع حيوي ومهم بضرورة إصدار تشريع حكومي خاص يكفل لهذه الشريحة رفع مستواها المادي والمعنوي، تلك المطالب التي لقيت تأييدا من وزير المعارف الذي كان حاضرا الجلسة مؤكدا في خطبته المطولة حرص الوزارة على إصدار مثل هذا التشريع. لكن يلحظ أن الوزارة لم تكن صادقة في هذه الوعود مما فسح المجال لتجدد تساؤلات النواب حول مصير هذا التشريع، وكان ذلك في جلسات المجلس ففي جلسة المجلس ذا الرقم (١٦) المنعقدة في ٥ تشرين الأول ١٩٤٨، وجلسة المجلس ذا الرقم (٢٥) المنعقدة في ٢٤ تشرين الثاني ١٩٤٨ ، وفي جلسة المجلس ذا الرقم (٤٥) المنعقدة في ١٨ حزيران ١٩٥٠م، اثر ذلك تقدمت حكومة نوري السعيد الحادية عشر الى مجلس النواب بجلسته المنعقدة في ١٨ آذار ١٩٥١م، بلائحة “قانون الخدمة التعليمية” التي لقيت ترحيبا من عدد من النواب منهم نائب الموصل (محمد صديق شنشل) الذي عدها “… مطلبا شعبيا تردد مدة من الزمن … فالاستجابة الى هذا المطلب خطوة حسنة”.
ألقى توفيق وهبي (وزير المعارف) بجلسة المجلس ذا الرقم (١٢) المنعقدة في ١٩ نيسان ١٩٤٧م، أكد فيه حرص الوزارة أن تستند المناهج المزمع تأليفها على مرتكزين رئيسين هما “الاستقرار والتطور والذين يقومون بوصفها أساتذة ومدرسون مختصون على أساس التجارب المكتبية وقابليات الطلاب …” مؤكدا عزم الوزارة على ” … تعيين اللجان الفنية لوضع الكتب المقتضية وتنقيح الكتب التي بين يدي الطلاب”.
ومع ذلك ظلت قضية المناهج الدراسية وعدم استقرارها إحدى النقاط التي كانت محورا لمناقشات ومداخلات عدد من أعضاء مجلس النواب، تحدث علي كمال (نائب السليمانية) مبدئا اعتراضه على مناهج الدراسة الابتدائية التي لا تلائم مدارك الطلبة، مبيناً: “… لا يمكن أن يعطي الطلبة في مدينة الرميثة أو جبل شقلاوة نفس ما يدرس في نيويورك أو لندن …”، في حين ركز نائب الديوانية (فاضل معلة) في مداخلته على مسائل عدة أبرزها افتقار الدراسة ولكافة المراحل الدراسية لـ (منهج دراسي ثابت)، كما نلحظ انتقاد نواب آخرين موضوع قلة (الكتب المنهجية) ورداءة طباعته وكثرة الأخطاء المطبعية فيها، ففي جلستي مجلس النواب ذا الرقم (١٥) في ٢٧ كانون الثاني ١٩٥٦، والجلسة ذا الرقم (٤) في ٢ كانون الثاني ١٩٥٧م.
تحدث سليمان بيات (نائب كركوك) مطالبا الوزارة بـ … تجهيز الصفوف الأولية بالكتب المنهجية بصورة كاملة.. “ محملاً في الوقت ذاته وزارة المعارف مسؤولية هذا التقصير بحكم … توفر المطابع في العراق وكثرة دور الطبع والنشر في البلاد العربية.
أما فيما يخص التعليم المهني نصيب في مناقشات مجلس النواب، حيث لوحظ افتقار غالبية الألوية (المحافظات) العراقية الى المدارس المهنية برغم الدور الذي بالإمكان يضطلع به خريجو هذ المدارس في رفد المعامل وباقي المؤسسات الصناعية والزراعية والتي كان من المزمع أن تقوم الحكومة العراقية بإنشائها، وخاصة ألوية مهمة مثل الصرة والموصل التي لا يوجد فيها مثل هكذا مدارس، لذا ركزت مطالب نواب هذه الألوية وكل حسب منطقته الانتخابية على افتتاح مثل هكذا مدارس (صناعة، تجارة، زراعة)، وشخص النواب حتى الموجود منها ليست بالمستوى المطلوب، ومنها مدرسة صناعة كركوك، إذ حاول نائب كركوك (علي رفيق) بجلسة المجلس ذا الرقم (٤٧) في ١٠ أيار ١٩٥١م، في مداخلته لفت أنظار وزارة المعارف إلى “… نقص الملاكات التدريسية والأثاث وغيرها من الوسائل التي تمكن المدرسة من الاستمرار …”. في حين هاجم علي كمال (نائب السليمانية) بجلسة المجلس ذا الرقم (٤٨) المنعقدة في ١٣ أيار ١٩٥١م، وزارة المعارف لإهمالها وعدم اهتمامها … بالتقارير التي كانت تقدمها اللجان المالية … التي كانت تطالب في كل عام بتوسيع الدراسة المهنية…” حتى وصل الإهمال بهذه المدارس الى الحد الذي وصفها النائب نفسه بأنها: “… مدارس ناقصة في تشكيلاتها ومشلولة في أعمالها…”.
ومن المفيد بالإشارة الى استعراض (عبد المجيد محمود) – وزير الإعمار – في جلسة مجلس النواب ذا الرقم (٢٤) والمنعقدة في ١٦ شباط ١٩٥٥م، خطة مجلس الإعمار للسنوات (1955 – 1959م) أمام أنظار مجلس النواب مبينا طبيعة المشاريع التي تضمنتها الخطة مؤكدا “…أن نية الحكومة تدريب الكفاءات العراقية على مختلف المهن والصناعات ليحلوا محل الفنيين الأجانب …” مؤكدا تخصيص مبلغ قدره (1.250.000) دينارا لإنشاء مدرسة للصناعة في بغداد والموصل وكركوك …”، بالرغم من ذلك بقيت الدراسة في هذه المدارس تعاني هي الأخرى من الإهمال بدليل استمرار مناشدات النواب من تردي واقع هذه الموازين حتى نهاية العهد الملكي، ومن الجدير بالذكر أن افتتاح هذه المدارس تأخر حتى بداية العهد الجمهوري.
– التعليم العالي في مناقشات مجلس النواب:
تعود البدايات الأولى للتعليم العالي في العراق الى عام 1908م حيث جرى في هذا العام افتتاح أول مدرسة للحقوق في العراق، أعقبها افتتاح عدد من المدارس العالية ففي عام 1924م جرى افتتاح دار المعلمين العالية ثم تكاملت حتى أخذت شكلها عام 1939م، وفي عام 1927 م جرى افتتاح كلية الطب ثم كلية الصيدلة، أعقبها افتتاح كلية الهندسة عام 1942م وكلية الجارة والاقتصاد ثم كلية طب الأسنان عام 1952م.
تناول عدد من النواب السياسة التي تنتهجها وزارة المعارف فيما يتعلق بأوضاع التعليم في الكليات، ففي الجلسة السادسة المنعقدة في الأول من كانون الثاني 1948م تحدث نائب بغداد (عبد المجيد القصاب) الذي انتق فيه المستوى التعليمي لبعض الكوادر التدريسية وفي بعض الكليات اللذين “حشروا في هذه الكليات حشرا من هنا وهناك بتأثير الوساطات والمحسوبيات وبدون مراعاة لأبسط القواعد التي تراعيها الأمم الناهضة في تعيين أساتذة كلياتها وجامعاتها…”.
وضمن مداخلات مطولة انتقد عدد من النواب عدم مراعاة الوزارة للظروف الاقتصادية التي يمر بها العديد من الطلبة ومن ثم عجزهم عن دفع أجورهم الدراسية على الرغم من مطالبتهم الجهات المسؤولة بتخفيض الأجور ومنهم نائب بداد عبد الكريم كنه، الذي نقل شكاوى عدد من طلاب كلية الحقوق مبديا استغرابه من استغلال الوزارة “… الضائقة المالية التي يعانون منها كذريعة لحرمانهم من دراستهم..”، وردا عل ما طرحه النائب أوضح وكيل وزارة المعارف (جلال بابان)، “ان الدراسة الجامعية هي حكر للطلبة المتمكنين ماديا” عندما قال “… ان الطالب الذي يروم الدخول في كلية الحقوق لابد أن يكون متمكنا من دفع هذه الأجور المقررة، فاذا كان متمكنا فلا كلام فيه..”، أما بالنسبة للطلبة غير المتمكنين فطالب بـ “بإعفائهم من الأجور عندما يقدموا شهادات تثبيت فقرهم ..”، ويبدو أن الإجابة لم تقنع النائب المذكور الذي أكد فشل مثل هكذا حلول مطالبا وزارة المعارف، “..بحلول جذرية وبالتالي فعلى الوزارة أن تتبنى نشر التعليم في جميع أنحاء العراق ولكل أبناء البلاد ودونما أجر..”، وأمام استمرار شكاوي الطلاب اقترح نائب الموصل (متي سرسم) _ ولحل هذه المشكلة – بأنه يجب أن تتحمل الحكومة العراقية جزءا من هذه المسؤولية من خلال “.. صرف مبالغ مالية من أجل تذليل الصعاب أمام الطلبة…”.
أما فيما يتعلق بموضوع الأسس التي تعتمدها وزارة المعارف في قبول الطلاب الكليات والمعاهد العالية، انتقد نواب على هذا الموضوع حدث نائب بغداد (حسين جميل) بجلسته المنعقدة في 13 أيار 1951، مبينا اقتصار القبول في “… المعاهد العالية في العراق بخريجي الدراسة الثانوية … بحيث سيبقى عدد من المتعطلين …”، موجها عدة أسئلة عن الوسائل التي “… ستعالج الوزارة بها مشكلة المتعطلين من خريجي الدراسة الثانوية – ويقصد بها الطلبة الغير مقبولين … وقد برر وكيل وزارة المعارف في معرض رده على مداخلة النائب المذكور فشل وزارة المعارف في حل هذه المشكلة المستعصية إنما يعود لافتقار وزارة المعارف لـ “خطة مدروسة أو مرسومة مستندة على احتياجاتنا” إنما هناك خطط مرتجلة وغير مدروسة أسهمت في تفاقم المشكلة عام بعد عام …”.
كما أبدى عدد من النواب حماسة واندفاعا في موضوع تنفيذ مشروع إنشاء (الجامعة) في العراق، ومنهم نائب الموصل (عبد الرحمن الجليلي) من الحكومة بجلسة مجلس النواب ذات الرقم (24) في 8 تشرين الثاني 1948م، عن الإجراءات التي اتخذتها “لإخراج هذا المشروع الحيوي الى حيز الوجود”، ورد جلال بابان (وكيل وزير المعارف في حكومة مزاحم الباجةجي مبينا، “أن هناك لجنة تقوم بدراسة مشروع إنشاء الجامعة”، أما نائب الكوت (سامي شوكت) فطالب وزارة المعارف بـ “تأمين أساتذة لكافة كليات الجامعة أو غالبيتها”، أما النائب رزوق شماس (فناشد) هو الآخر في جلسة المجلس ذا الرقم (24) في 8 تشرين الثاني 1948م، وزير المعارف الى الإسراع في افتتاح الجامعة”، لان البلد في حاجة ماسة اليها، وطالب محمد صديق شنشل (نائب الموصل)بضرورة فتح كليات متعددة في الألوية (المحافظات) الأخرى كالموصل والبصرة، حتى تكون نواة لجامعات عراقية في المستقبل، وقال خلال جلسة المجلس ذا الرقم (47) في 10 أيار 1951م “أن موضوع التعليم وتأخره في العراق أصبح من مظاهر وبواعث الألم في نفوس العراقيين”، ورد وزير المعارف في حكومة نوري السعيد الحادية عشرة، مؤكدا ان الوزارة تولي اهتماما خاصا بالتعليم العالي وفي جلسة مجلس النواب ذا الرقم (29) المنعقدة في 19 ايار 1953م، اقترح كلا من النواب (متي سرسم وعبد الرحمن الجليلي ومحمد طاهر النقشبندي نواب الموصل) بفتح كلية طب ثانية في الموصل للتوسع في المجال الطبي، كما اقترحوا نقل بعض الكليات والمعاهد العالية الى الألوية (المحافظات) بدلا من تمركزها في بغداد على اعتبار أن ذلك سيؤدي الى توسيع التعليم العالي وتطوره.
ومن المفيد بالإشارة أن فكرة إنشاء الجامعة الى عام 1943م، عندما أوعزت الحكومة العراقية الى وزارة المعارف بتشكيل أول لجنة لدراسة مشروع الجامعة والتي استندت رئاستها الى الخبير البريطاني هملي (Hamley) والتي ضمت في عضويتها عدد من العمداء والمربين العراقيين والأجانب، أوصت اللجنة بإنشاء جامعة عراقية تتألف من كلية الآداب ودار المعلمين العالية والطب والحقوق والهندسة، وبالفعل وبعد انتظار تم تقديم لائحة مشروع الجامعة العراقية في الجلسة التاسعة والعشرين لمجلس النواب المنعقدة في 31 آذار 1956م التي لقيت ترحيبا من عدد من النواب نذكر منها مداخلة المنتفك عبد الغني الدلي الذي عد تأسيس الجامعة بمثابة حدث تاريخي مهم، وتحدث (عبد الحميد محمود) نائب المنتفك فأكد في مداخلته أهمية مثل هكذا “صرح حضاري” معربا عن أسفه لتأخر المشروع طيلة هذه المدة، لاسيما وأمام ازدياد عدد خريجي الدراسة الثانوية من (150) طالب عام 1946م الى (3000) طالب عام 1955م، مبينا حاجة البلاد الى وسائل التعليم الجماعي بشكل يؤمن هذه الحاجات المتزايدة.
ورغبة من عدد من النواب في التوسع في التعليم العالي وعدم اقتصاره على بعض الكليات، طالب النائب (محمد مشحن الحردان) بافتتاح عدد من كليات الزراعة وفي عدد من الألوية العراقية خدمة للصالح العام بقوله: “… كل حكومة تريد أن تؤدي خدمة للبلد عليها أن تبادر بتخريج عدد كاف من المهندسين الزراعيين ومن أبناء البلد لمعالجة الأوضاع الزراعية، في طالب النائب محمد صديق شنشل بتوزيع عادل للكليات “وعدم اقتصارها على العاصمة بغداد ومنها الموصل والبصرة وحتى تكون هذه الكليات نواة لجامعات عراقية في المستقبل، وأمام حاجة الألوية العراقية للكوادر الطبية طالب نائب الموصل (عبد الرحمن الجليلي) و (محمد طاهر النقشبندي) خلال مداخلتهم في الجلسة التاسعة والعشرين لمجلس النواب المنعقدة في 19 أيار 1953م بافتتاح كلية طب ثانية في (لواء الموصل) تحديدا.
أما المناهج الدراسية في الجامعات لم تكن هي الأخرى بمنأى عن مناقشات عدد من النواب خلال جلسات المجلس ففي الجلسة (17) المنعقدة في 2 شباط 1958م، ركزت مداخلاتهم على “ضعف المستوى التعليمي لبعض الملاكات التدريسية للذين حشروا في بعض الكليات حشرا من هنا وهناك بتأثير الوساطات والمحسوبيات وبدون مراعات لأبسط القواعد التي تراعيها الأمم الناهضة في تعيين أساتذة كلياتها وجامعاتها، على حسب قول نائب بغداد (عبد العزيز القصاب)، ولمعالجة هذه المشكلات طالب عدد من النواب بزيادة البعثات ولتشمل اختصاصات عدة بغية رفع كفاءة الكوادر التدريسية الجامعية، وهنا قدم (نظيف الشاوي) نائب الدليم تساؤلات عدة الى وزير المعارف (إبراهيم عاكف) حول خطة الوزارة في قضية البعثات، إذ تلقى النائب أجابه على تساؤله من الوزير المعني الذي كان حاضرا الجلسة عندما أكد الأخير أن الوزارة “… درست احتياجات الوزارة والدوائر الرسمية للاختصاصات وهيأت الفروع التي تتطلب التخصص …”، مع الأخذ بنظر الاعتبار الإكثار من عدد طلاب البعثات للتخصص في الأمور الفنية والميكانيكية والمهنية كالدباغة وتعمير المكائن والكهرباء ومزارع الحيوانات، مؤكدا أن هذه البعثات سوف لا تقتصر على خريجي الدراسة الثانوية بل سيتم تخصيص بعض المقاعد للحاصلين على “… الشهادات العليا من أساتذة ومدرسين..”.
وفي الاطار نفسه انتقد نائب البصرة (عبد الهادي البجاري) قلة أعداد طلبة البعثات التي لم تتناسب وحاجات الوزارة “… فخلال المدة من تأسيس الحكم الوطني حتى الآن لا يتجاوز عددهم الـ (400)طالب وطالبة وهو عدد قليل … وان الوزارة قررت إرسال حوالي (150) طالبا في العام الدراسي القادم، لكن هذا العدد قليل جدا لا يسد الثغرات”.
أما نائب الموصل (سالم نامق) فطالب بأن يكون اختيار طلاب البعثات وفق ضوابط منها “… لزوم إجراء امتحان للطلبة المرشحين للبعثات”.
فيما نقل نواب آخرون الصعوبات التي تواجه طلبة البعثات ومنها قلة مخصصاتهم .
لذا نرى أن هذه السلبيات رافقة العملية التربوية في العراق فضلا عن طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية – التي تطرقنا لها سابقا – الى نتيجة طبيعية ألا وهي نسبة الأمية بين صفوف المجتمع العراقي والتي وصلت الى نسبة (90%) في عقد الخمسينات ، وبالتالي شكلت هذه المشكلة محورا لعدد من النواب لتقديم تساؤلاتهم حول خطة وزارة المعارف “لمكافحة الأمية” ومنهم نائب الدليم (نظيف الشاوي)، فيما قدم نواب آخرون ومن خلال مناقشاتهم المدعمة بإحصائيات أوضحوا من خلالها تدني المستوى التعليمي للألوية العراقية، إذ يعد تقرير نائب السليمانية (بهاء الدين نوري) أنموذجا على هذه الانتقادات عندما قارن بين أعداد التلاميذ الملتحقين فعليا في مدارس الألوية العراقية ومقارنة هذه الأعداد مع نفوس العراق، موضحا بما لا يقبل الشك ارتفاع نسبة الأمية محملا أسباب تفشي هذه المشكلة الى “… السياسات المتراكمة للوزارات السابقة لافتا أنظار المسؤولين الى انخفاض أعداد التلاميذ الموجودين في المدارس الى أقل من الحد الأدنى المتفق عليه دوليا هو 10% من نفوس البلاد..”، ووفقا لنفوس العراق عام 1947م وهو (5،4) مليون نسمة ووفقا للسياقات العالمية فالمفروض أن يكون عدد التلاميذ الملتحقين بمقاعد الدراسة هو (540) ألف تلميذ، أما الموجود فعليا في مدارس الألوية العراقية فلم يتجاوز الـ (113) ألف تلميذ، مؤكدا أن الوزارة الحالية – وزارة صالح جبر – غير مسؤولة عن نتائج الحالة المذكورة ملقيا باللائمة على الحكومات السابقة متهما إياها بعدم توجيه سياستها الى الغاية المنشودة ألا وهي توسيع المعارف ..”، أما نائب بغداد (علي أبو التمن) فطالب هو الآخر وزارة المعارف بانتهاج سياسة قائمة على أسس قويمة تكفل مكافحة الأمية.
وعند مناقشة لائحة قانون الميزانية العامة لسنة 1947م المالية، وجه نائب الموصل (عبد الرحمن الجليلي) تساؤله حول الوعود التي قطعتها الحكومات المتعاقبة لتقديم – لائحة مكافحة الأمية، محملا هذه الحكومات مسؤولية تنامي هذه المشكلة وبشكل ملفت للنظر موضحا من خلال مداخلته تدني أعداد الطلبة المقبولين في صفوف الابتدائية، عندما أكد “… أن المدارس الابتدائية قبلت هذا العام 20% من اللذين تقدموا للدخول في المدارس أما الـ (80%) فتركناهم في الطرقات…” متسائلا “… ألسنا قد عاونا على نشر الأمية…”.
وأمام استمرار الشكاوي التي قدمها النواب وعلى مدى جلسات مجلس النواب، أكد وزير المعارف (خليل كنه) في الجلسة الثامنة والمنعقدة في 16 كانون الثاني 1951م، الى جهود الوزارة في مكافحة الأمية موضحا أن الحكومة العراقية قد خصصت مبلغا مقداره (3) الاف دينارا فضلا عن مخصصات الإدارات المحلية وفي الألوية العراقية كلا على حده للحد من تنامي هذه المشكلة وخلال العام الدراسي (1951 – 1952)، وعلى ما يبدو أن هذه الإجابة لم تقنع عددا من النواب منهم نائب بغداد (عبد المجيد القصاب) مؤكدا في مداخلته عدم كفاية المخصصات لان وزارة توفيق السويدي كانت قد قدرت الكلفة بنحو نصف مليون دينار سنويا ولمدة عشر سنوات…”، مما أدى الى تفاقم هذه المشكلة وهذا ما أشار إليه نائب الموصل (عبد الجبار الجومرد) في مداخلته التي وضح فيها تدني مستوى التعليم في العراق الذي لا يتجاوز على حسب قوله نسبة (1,5%) مناشدا الحكومة الاهتمام بالجانب التعليمي0
أما نائب بغداد (إسماعيل الغنام) فألقى بمسؤولية تدني الواقع التعليمي على المسؤولين المتعاقبين على سياسة المعارف…” واللذين نظروا نظرة غير جدية الى مكافحة الأمية في البلاد وجعلوا من هذه المهمة الحيوية مهمة ثانوية…”.
وخلاصة القول: نقول: إن الفترة (1945 – 1958م) شهدت تراجعا في الخط البياني للواقع التعليمي ولكافة مراحله، رغم محاولات الحكومة المتعاقبة للنهوض بهذا الواقع من خلال إصدارها لعدد من التشريعات الحكومية آخرها قانون وزارة التربية والتعليم ذي الرقم (39) لعام 1958.
يعد هذا التراجع نتيجة تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كان يمر بها العراق، نخص بالذكر منها ظاهرة عدم الاستقرار السياسي والمتمثلة بسرعة تغيير الوزارات فخلال فترة (1945 – 1958) تشكلت في العراق خمسة وعشرون وزارة، ولم يكن قطاع التعليم بمنأى عن الآثار السلبية لهذه الظاهرة إذ ساد طابع الارتجال على خط
ط وزارة المعارف وبرامجها.
لذا يعتبر مجلس النواب احدى المنابر التي شهدت جلساته نقدا لعموم الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونخص بالذكر منها الواقع التعليمي في العراق من خلال طروحات النواب التي عرضوا ما يعانيه هذا القطاع من سلبيات من أبرزها:
قلة التخصيصات لوزارة المعارف وقلة أعداد المدارس بكافة مراحلها بل وانعدامها في بعض المناطق الريفية الذي قاد الى نتيجة حتمية ألا وهي ارتفاع نسبة الأمية في المجتمع العراقي رغم ذلك لم تلق غالبية طروحات النواب أية استجابة من الحكومات العراقية وتحت ذرائع شتى رغم تقديم النواب الحلول لكثير من تلك المشاكل.
– المصادر والمراجع المعتمدة:
1 – محاضر جلسات مجلس النواب العراقي، دوراته العشرة الأخيرة (1923، 1958) مطابع (الحكومة، بغداد).
2 – عمر محمد الطالب، موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين، مركز دراسات الموصل، (الموصل، 2007م).
3 – عبد الرزاق الهلالي، معجم العراق، الجزء الأول، مطبعة النجاح، (بغداد، 1953م).
4 – حميد المطبعي، موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين، دار الشؤون الثقافية، (بغداد، 1998م).
5 – محمود فهمي درويش ومصطفى جواد وأحمد سوسة، دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960م، مطبعة التمدن، (بغداد، 1961م).
6 – حسين حاتم الكرخي، مجالس الأدب في بغداد، المؤسسة العربية للدراسات (بيروت،2003م).
7 – رجاء زامل كاظم الموسوي، جلال بابان ودوره السياسي في العراق لغاية عام 1958م، رسالة ماجستير، كلية التربية ابن رشد، (جامعة بغداد، 2002م).
8 – عبد العزيز القصاب، من ذكرياتي، دار عويدات للنشر، (بيروت، 1962م).
9 – نادية مسعود شريف، الخدمات الصحية في الموصل (1958 – 1968م) دراسة تاريخية، أطروحة دكتوراه، جامعة الموصل، 2017م.
10 – صالح محمد حاتم، تطور التعليم في العراق 1945 – 1958، دراسة تاريخية أطروحة دكتوراه، كلية الآداب، جامعة بغداد 1994م.
11 – أحمد جودة، تاريخ التربية والتعليم في العراق، وأثره في الجانب السياسي دراسة تحليلية عن تاريخ التربية والتعليم في العراق 1534 – 2009م، مرتضى الكتاب العراقي (بغداد، 2009م).
12 – خالد سليمان أحمد العبيدي، تقويم التعليم الإلزامي في العراق، رسالة ماجستير كلية التربية، (جامعة بغداد، 1982م).
13 – حميد رشيد، الأوضاع الصحية في العراق 1945 – 1958م، دراسة في التاريخ الاجتماعي للعراق المعاصر، (دمشق، 2010م).
14 – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، عشرة أجزاء، (بغداد، 1988م).
15 – عمار مزهر خريسة، نجيب الراوي ودوره السياسي في العراق حتى نهاية العام 1958م رسالة ماجستير، كلية التربية ابن رشد، جامعة بغداد2017م).
16 – سالار عبد الكريم فندي الدوسكي، دور نواب السليمانية في مجلس النواب العراقي، (دهوك، 2008م).
17 – سمير عبد الرسول العبيدي، محمد صديق شنشل دوره السياسي في العراق حتى عام 1959، كلية الآداب، جامعة ، (بغداد، 1979م).

