Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

من يُجسّر الهوة بين الأجيال في العراق

د. فارس الخطاب

يرى الباحثون في شؤون علم الاجتماع وعلم النفس المجتمعي أن موضوع الضغوط التي تعرضت لها الأجيال في العراق وحجم المتغيرات التي أصابت البنى الاجتماعية والتربوية والتعليمية تسببت بآثار سلبية كبيرة لها على العلاقة بين الأجيال ابتداءً من عام 1991م وصولاً إلى الوقت الحالي مروراً بحجوم هائلة من الدمار والقتل والتشريد وتكريس المفاهيم المتخلفة لتوليد الجهل وغرسه في أكثر من جيل.
من المعروف أن المجتمعات المنتظمة مهيأة لخلق حالة من التواصل بين الأجيال المتعاقبة بما تتوافر من آليات تعتمد القيم المجتمعية الصحيحة والبناء الحضاري الممنهج مع خطط التنمية التي تراهن الحكومات والمنظمات المجتمعية على وضعها بدقة لجعل عملية التواصل هذه تستمر بانسيابية ودون حدوث متغيرات تخلق مسافات بين جيل وآخر تؤثر بالنتيجة على واقع ومستقبل البلد وشعبه.
العراق ، الذي شهِد متغيرات كبرى ، تحديداً خلال العام 1991م ؛ حيث تم استهدافه من قبل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة التي ، وحسبما اتضح لاحقاً ، لم تكن تقصف جميع المصالح والمؤسسات العراقية ؛ الصحية ، التعليمية ، الخدمية ، العسكرية والطاقة وغيرها لمجرد إخراج القوات العراقية من الكويت ، بل من أجل إخراج العراق من دائرة القدرة وإعادته إلى عهد ما قبل الثورة الصناعية كما وصف ذلك مسبقاً وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق جيمس بيكر، وإخراج العراق بهذا الشكل والقوة والإصرار على التدمير كان من أهم عناصره هو إخراج جيل أو جيلين من سلطة الحكومة العراقية آنذاك ، من الناحية الفكرية والنفسية على وجه الخصوص.
إن الثقافة والإعتزاز بالهوية الوطنية أهم العناصر الأساسية الذي تميز كل جيل عن الآخر، أي أن هناك مشتركات قيمية تجمع جيل الأبناء مع جيل الآباء، هذه المشتركات بدأت بالتراجع بعد عام 1991م ، مع تماسك مؤسسات الحكومة آنذاك، وبدأ المجتمع يتغير نحو جيلٍ مؤمن أنه يحارب الإمبريالية ومشروعها الكبير لشرق أوسطٍ جديد ، وجيل آخر لم يكن يمتلك القدرة الحقيقية على تفسير ما يجري ، أو لماذا جرى ما جرى حتى بدا المشهد برمته وكأنه كابوس مزعج لا رابط بين تفاصيله ولا مرأى لنهايته ، من هنا كانت بدايات الفجوة بين الجيلين العراقيين.
لقد انفرز جيل من الفتية والشباب يكتم في أحيان كثيرة لومه لجيل الكبار الذي يدير دفة كل شيء بدءاً من شؤون الأسرة وإنتهاءً بقيادة الدولة مروراً بالمؤسسات التعليمية والخدمية وسواها، وربما عبرَ بعض الشباب عن هذا اللوم أو السخط أحياناً بطرق مختلفة كان بعضها الرغبة بالهجرة خارج العراق ، فيما كان البعض الآخر يستخدم دون برمجة مسبقة القصائد والأغاني كوسيلة تعبير وفقدان الإنتماء لكل ما حوله، ولإن الدولة كانت في وضع إعادة إعمار ما دمره العدوان المألف من أكثر من ثلاثين دولة ، لم تنتبه أو لم تحسب بدقة ولادة الفجوة بين اكثر من جيل تمتد من سن الطفولة إلى سن الشباب الجاهل لمصيره ومبررات كل ما حدث لبلده ونظام حياته وثقافته.
جاء العام المشؤوم، 2003م، ليعيش العراق بكل أجياله سوداوية الاحتلال ، وبدا المشهد للجميع مهولاً ، غير قابل للنقاش ولا التفسير ، الحقيقة الماثلة أمام الجميع ؛ دبابات أمريكية تجول شوارع بغداد وعمليات سلب ونهب في عموم العاصمة للبنوك ومؤسسات الدولة ، مع غياب مطلق للدولة التي كانت تعني الكثير للعراقيين سلباً أو إيجاباً ، فبدا مشهد المجتمع كقطيع قُتل قائده فوقف حراكه ، كما وقفت ساعة الزمن عنده لتبدأ في اليوم الثاني من احتلال بغداد بالرجوع إلى الوراء بغية الوصول بالعراقيين إلى عهد ما قبل الثورة الصناعية.
ومع تعمد الولايات المتحدة تعاملها السيء مع العراقيين على اختلاف أجيالهم، ومع تأسيسها لنظام جعلت السلطة فيه على أساس عرقي وطائفي يقوده زعماء تم اختيارهم على أساس الولاء لواشنطن أو السلطة الطائفية، وليس على أسس قيادية أو مهنية تصلح لنقل العراق من الوضع الجمهوري القائم منذ عام 1958م حتى 2003م إلى الوضع الذي تريده واشنطن وبما اصطلح على تسميته بــ”العراق الجديد” الذي بنته واشنطن على نظرية “الصدمة والرُعب” التي وضع لمساتها وأفكارها وزير دفاع الولايات المتحدة آنذاك ، رامسفيلد، والتي طبقها الجيش الأمريكي ومرتزقته باستهتار وقسوة مفرطة وإعدامات متهورة بحق الأبرياء من المدنيين العراقيين وبدم بارد ودون ملاحقة قانونية حتى هذه اللحظة.
إن الدمى السياسية التي وضعها الاحتلال الأمريكي في واجهة العراق “الجديد” ساهمت في نشوء واجهات جديدة للإرهاب وحولت النموذج الديمقراطي العراقي الذي وعد به جورج دبليو بوش الأبن إلى أسوأ نماذج الحكم في العالم كان من أهم ملامحها السقوط الأخلاقي للولايات المتحدة بفضيحة سجن أبو غريب ، ثم عمليات استباحة المناطق السنيّة في العراق باستخدام الجيش الأمريكي والمليشيات الشيعية الموالية لإيران ، وقبل هذا وذاك فتح أبواب العراق على مصاريعها لإيران لتكون الحاكم الفعلي لهذا البلد دون المساس بالمصالح الأمريكية فيه.
لقد تحملت الفئات العمرية للشعب العراقي كل هذا المخطط الشيطاني الذي ساهمت كل من واشنطن وطهران في إعداده وتنفيذه، وبالتالي كانت حصص كل جيل تصيبه بدقة لتجعل من المستحيل بمكان جمع هذه الأجيال على مستوىً نضالي واحد ، فجيل الآباء بدا وكأنه استسلم لقدره ، وكثير من أقدار هؤلاء كان القتل من قبل المنظمات الموالية لإيران وبخاصة منظمة “بدر” و”جيش المهدي” التابع لمقتدى الصدر سواء أمام بيوتهم أم في سياراتهم أو في الأسواق ، ثم جيل الشباب ، الذي عاش أسوأ سنوات عمره عندما أسست الولايات المتحدة وشجعت على الفصل الطائفي بين مكونات الشعب العراقي ، فرذا بهؤلاء الشباب ينازعون بعضهم لا لشيء وإنما لكون هذا سنيّ وذاك شيعي ، وغالباً ما ألصقت تهمة الانتماء لفصائل المقاومة لشباب من السنّة ، كان مصيرهم القتل ببنادق الجيش الأمريكي أو الاعتقال دون سند قانوني ولفترات غير محددة ، يخرج بعدها الشاب وهو ليس ذات الشاب الذي دخله.
أما أطفال عام 2003م فقد نالهم الكثير من المآسي التي جعلت منهم جيلاً مملوءاً بالعقد ويجمع في داخله بين إحساس الخوف، من كل شيء حوله، أو الرغبة على مواجهة كل شيء، وهذه النماذج بدت واضحة في حراك ثورة تشرين 2019م التي قادها وقدم الدماء لها جيل ولِد مع أو بعد الاحتلال وضاق ذرعاً بالنظام السياسي الفاسد والطائفي الذي وضعه الاحتلال وتقوده إيران بشكل واضح وصريح.
ومع استعراض الأجيال الثلاث؛ الكهول ، الشباب والأطفال في العراق نجد أن الفجوة بينها كبيرة وشائكة بسبب غياب دور المؤسسة الضابطة للمجتمع والتي تمثلها الحكومة بكل تفاصيلها، فكل الحكومات التي استلمت مسؤولياتها في عراق ما بعد 2003م كان قاسمها المشترك ، الفساد ، والطائفية ، وعدم الاهتمام لا بسيادة العراق ولا بتعزيز الهوية الوطنية لشعبه ، لكن الأهم ، والذي يعول عليه عادة لردم الهوة بين الأجيال ؛ وهو نُظم التعليم ، هناك تعمد وإصرار على إبقائه خارج دائرة الوعي الجمعي وخارج القدرة على نبذ الواقع الفاسد والأفكار المتخلفة التي تمثلها الممارسات التعليمية في المدارس الإبتدائية ورياض الأطفال.
أما نظام التعليم العالي في العراق فتقول منظمة SPARK الهولندية أنه “على الرغم من الجهود المستمرة لتحسين نظام التعليم في العراق، إلا أن الفجوة بين سوق العمل والتعليم العالي لا تزال قائمة، مما يجعل من الصعب على الخريجين العثور على عمل والمساهمة في النمو الاقتصادي للبلاد”. وفيما يشهد القرن الواحد والعشرون تغيرات هائلة، فإن العراق يحتاج الكثير من الجهد وتطوير أساليب العمل للحاق بنظم التعليم العالي في العالم.
إن شعب العراق المتعطش دائماً لإغناء معرفته والتعرف على ثقافات الشعوب الأخرى يحاول ، وبجهود فردية ، وأحياناً عن طريق منظمات دولية ، أن يقلل من حجم الفجوة بين أجياله الحالية ، ولعل الكثير من أبناء الفئتين العمريتين الأهم ؛ الطفولة والشباب ، يركزون على الجانب التكنلوجي والمعلوماتي لبناء جسور المعرفة عبر العالم ، وهم بذلك يساهمون في تغيير طريقة التفكير وعدم الإستجابة لنداءات التجهيل وصناعة التخلف التي تمارسها قوى لا تريد للعراق النهوض والعودة إلى دوره الحضاري ، لا تريده أيضاً الحكومات المتعاقبة لإنها جزء من هذه القوى وأداة من أدواتها .
إن هدم الهوة بين الاجيال وإعادة تشكيل العلاقات ما بينها يمكن أن تشكل الثورة التي ستطيح بالنظام السياسي الطائفي في العراق، والتي ستسعى من أجل “تطوير التعليم” وتشذيبه من كل ما لحق به من نصوص ومعلومات لا علاقة لها بالواقع والحقيقة ولا بتطور البلاد ، ثم “توجيه الثقافة” بما يعني ذلك من تغيير السلوك العام للناس وتغيير الافكار السائدة ، وأخيراً التعامل العلمي والحضاري مع إدارة “التنمية البشرية” وتنظيم المؤسسات على اسس مدروسة ومخطط لها بعيداً عن تأثيرات الدول الأخرى.

مقال خاص براسام

Exit mobile version