أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
شغلت قضايا التعليم جانبا من مناقشات أعضاء مجلس النواب وخلال دوراته السبع وللمدة من (١٩٤٥ – ١٩٥٨م)، إذ اعتبروا أن التعليم هو أحد الأسس المهمة لإعداد جيل مثقف ومهيئ لبناء المجتمع وتطوره – كما سنرى – ومنها:
أولاً- قلة أعداد المدارس:
كان لقلة أعداد المدارس الحكومية من أولويات أعضاء مجلس النواب فقد أبدى عدداً منهم استيائهم من قلتها فقد اعتبرها نائب الموصل “محمد صديق شنشل” بأنها “مشكلة مزمنة”، قي حين انتقد نائب السليمانية “علي كمال” بعدم انتهاج الوزارة العدالة في توزيع المدارس، بقوله، “إن إنشاء المدارس وخاصة في المدن الكبرى أمر لا يتناسب مع العدالة الاجتماعية فهناك الكثير من الأولوية بحاجة الى انشاء المدارس.
أما نائب البصرة (عبد الجبار الملاك) طالب وزارة المعارف بزيادة أعداد المدارس في عدد من مناطق البصرة لأن المدارس الموجودة لا تتناسب مع عدد سكانها.. لكيلا يحرم بقية السكان من طلب العلم..
أما أحمد كاظم (نائب كربلاء) فقد اعترض على تجاهل الحكومة للتقارير التي تم رفعها الى الجهات المسؤولة التي أكدت ومن خلالها حاجة اللواء (المحافظة) الفعلية الى (٢٢) مدرسة، أما نائب السليمانية (علي كمال) فتحدث في جلسته (السابعة عشر) في ٢٧ شباط ١٩٥٨ مقارنا في مداخلته نمطين من أنماط الإدارة المحلية في بعض الالوية (المحافظات) والاقضية وانعكاسات ذلك على واقع الخدمات التعليمية فـ “هناك متصرف نشط وإدارة محلية موفقة تقوم بإنشاء المدارس وتعيين المدرسين اللازمين لها بينما متصرف آخر يهمل ويقصر في واجباته ولا يفكر بقيم المدارس…”.
أما بالنسبة للأقضية والنواحي فكانت الحالة أسوء بكثير إذ ضجت جلسات المجلس النيابي بالعديد من المناشدات والتساؤلات عن افتقار عدد كبير من المناطق الى المدارس على اختلاف مراحلها ففي الجلسة الرابعة عشر في (١٣ أيار ١٩٤٧م)، كما طالب نائب الموصل (محمود الزيباري): “الحكومة بفتح مدارس ابتدائية في قريتي هوكي وبناخي التابعتين لقضاء عقرة…”. ويلحظ ان النائب لم يتلقى أي رد على طلبه من وزير المعارف (توفيق وهبي) الذي كان حاضرا للجلسة، لذلك كرر النائب نفس الطلب ذاته، وفي جلسات أخرى دون أن يتلقى أي رد على طلبه.
والمتتبع لجلسات المجلس النيابي واجتماعاته يجد تكرار مثل تلك المناشدات منها مطالبة نائب الموصل (متو خلف) بفتح مدارس في المراكز المهمة من قضاء سنجار، فيما ذهب نائب كركوك (سلمان بيات) إلى أبعد من ذلك عندما طالب وزير المعارف بـ “وضع خطة واضحة ومعلومات بإنشاء مدرسة في كل قرية تحتوي على مائة بيت، وفي الجلسة الثانية عشرة المنعقدة في (١٧ شباط ١٩٥٢م) تطرق النائب داوود الجاف (نائب كركوك) الى افتقار مناطق عديدة الى وجود مدرسة ابتدائية واحدة بقوله: “بين المدينة كركوك وبين حلبجة أو جمجمال وكفري ١٢٠٠ قرية وكل قرية تتراوح بين ٣٠٠ و ٧٠٠ شخص ولا يوجد فيها مدرسة ابتدائية واحدة سواء أكان في مركز الناحية أو القضاء…”، إلا أن الجاف لم يتلق أي إجابة من المسؤولين عن المعارف لذلك كرر المطالبة ذاته في الجلسة السابعة عشرة المنعقدة بتاريخ ٢ شباط ١٩٥٨م، مؤكدا في مداخلته تواضع مطالب أهالي منطقته الانتخابية عندما قال: “… ان أهالي منطقته الانتخابية لا يريدون مدرسة ثانوية أو متوسطة إنما مدرسة ابتدائية حتى يتعلم أبناؤها…”. وفي جلسة أخرى ألقى النائب نفسه باللائمة على أعضاء مجلس النواب بسبب عدم مطالبتهم: “بفتح مدارس في القرى والنواحي… وإنما يطلبون كل شيء لبغداد أو البصرة أو الموصل…”. فيما انتقد نواب آخرون الوضع المزري الذي أمست عليه بعض المدارس نتيجة التقادم الزمني، وفي هذا المجال انتقد نائب ديالى (جميل الاورفلي) وضع المدرسة الابتدائية الموجودة في بعقوبة لكونها قديمة جدا ومعرضة للانهدام… مطالبا الجهات المسؤولة باتخاذ التدابير الضرورية المستعجلة لنقل الطلاب منها ضمانا لسلامتهم.
وبرغم ان مطالب النواب لم تكن تلقى أي تأييد من الحكومة – إلا ما ندر – إلا أن ذلك لم يمنع النواب من الاستمرار في مطالبتهم وانتقاد كل ما يتعلق بقلة أعداد المدارس وانعدامها في أماكن أخرى، وفي هذا المجال ناشد نائب أربيل (محمود خليفة) وزير المعارف بضرورة افتتاح مدرسة ابتدائية في منطقة (برادوس) التي تحتوي على أكثر من مائة قرية وليس فيها سوى مدرسة ابتدائية واحدة.
ومما يلحظ قلة أعداد المدارس المتوسطة حتى غدت مشكلة لذا طالب النواب افتتاح مدارس متوسطة فقد طالب نائب البصرة (محمد سعيد العبد الواحد) الذي أوضح من خلالها حاجة قضاء أبي الخصيب الى مدرسة متوسطة بحكم تخرج أعداد كبيرة من الطلاب من المدارس الابتدائية وأغلبهم أولاد الفقراء الذين لا تساعدهم حالتهم المادية على اكمال دراستهم على حسابهم الخاص. وتحدث أيضاً نائب الحلة (غانم الشمران) (١٩١٥ – ١٩٩٥م) شيخ عشائر آل فتلة، ضرورة افتتاح مدرسة للإناث في قضاء الهندية، التي يقطنها عشرات الآلاف من السكان ولا يوجد فيها متوسطة واحدة للبنات…
ففي خلال مناقشة منهاج حكومة (صالح جبر) في جلسة المجلس المنعقدة في ١٧ نيسان ١٩٤٧م، طالب حاجي شمدين نائب الموصل عن قضاء زاخو، بإيلاء قضاء زاخو أهمية خاصة وذلك بالاعتناء بالمدرسة الابتدائية الوحيدة التي تفتقر الى المستلزمات الضرورية وضرورة التوسع في فتح مدارس جديدة فيها، وأكد ان مدرسة ابتدائية واحدة في قضاء زاخو لم تعد تكفي، أمل (محمود الزيباري) نائب الموصل عن قضاء عقرة فقد طالب الحكومة بفتح مدارس ابتدائية في قريتي هوكي وبناخي التابعتين لقضاء عقرة، وبين بأن حرمان أبناء القريتين من التعليم قد أدى بهم الى (التخبط) في جهل مدقع. كما وجه (متو خلف) نائب الموصل عن قضاء سنجار، سؤالا الى وزير المعارف، جاء فيه:
“بالنظر لانتشار العلم والثقافة التي هي من ضروريات الحياة وفقدان المدارس في قضاء سنجار وددت أن أسأل معالي وزير المعارف هل بالنية فتح مدارس في المراكز المهمة من هذا القضاء”.
كما طالب نائب الموصل (بركات ناصر) بشمول ناحية الشمال بقضاء سنجار بفتح مدرسة ابتدائية فيها لأن هذه الناحية محرومة ولكي يتعلم أولادنا فيها.. ورد توفيق وهبي (وزير المعارف) في حكومة صالح جبر، مبينا أن الوزارة ستنظر في أمر فتح هذه المدارس.
وفي إطار اهتمام أعضاء مجلس النواب للارتقاء بمستوى الطلبة التعليمي من خلال مواصلتهم للدراسة الثانوية كان لعدد من النواب مداخلاتهم، ففي هذا المجال انتقد نائب كركوك (داوود الجاف) تركز المدارس الثانوية في الالوية (المحافظات) الرئيسية وحرمان الكثير من الالتحاق بالمدارس الثانوية بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية بقوله: “… إن عدد الذين تمكنهم حالتهم المجيء الى بغداد أو غيرها من الألوية لإكمال دراستهم لا يتجاوز الـ (٢٪) من خريجي المدارس المتوسطة، أما الآخرون يبقون محرومون من التحصيل “. أما نائب العمارة نوري حسين فأكد حاجة لواء (محافظة) العمارة إلى اعدادية بنات.
ومن الجدير بالذكر أن القرى والأرياف عانت المشكلة ذاتها، وبالتالي شكلت محورا لانتقادات عددا من النواب ومنهم نائب الموصل (سالم نامق) التي عدها من ضمن واجبات الحكومة، ورد وزير المعارف (توفيق وهبي) على النائب (نامق) مبرراً “عدم إمكانية فتح مدرسة في كل وحدة إدارية في الريف… لأن أبناء الريف موزعون في كثير من الأماكن بحيث لا تتوفر لدى جماعة من الأولاد ما تكون بهم مدرسة..” و “… ومبينا ترحيبه بكل من يسهم بتشكيل مدرسة أو يتبرع بمبلغ مالي…”.
وأمام تجاهل الحكومة لهذه المطالب بادر عدد من رؤساء العشائر والأهالي بالتبرع لبناء عدد من المدارس، تلك المبادرات التي لاحق استحسانا من عدد من النواب، ومثال على ذلك تلك المبادرات وما أكده النائب مجبل الوكاع وهو أحد أشهر زعماء الجبور مواليد (١٩١٨م) حول بناء خمسة عشر مدرسة ابتدائية في ناحيتي الشورة والشرقاط، التي التحق بها ما لا يقل عن (١٥٠) طالبا، وبتبرعات من أهالي هذه المناطق، وأضاف (نائب الموصل الوكاع) في جلسة مجلس النواب الـ (٢٤) المنعقدة في ١٨ آذار ١٩٥١م، قائلا: “أنا شخصيا بالمعاونة مع جماعتي تمكنا من بناء هذه المدارس ونحن مستعدون لتمليكها الى المتصرفية حتى لا يحرم أولاد المنطقة من التعليم..”.
لذا نلحظ ترتب على قلة اعداد المدارس المتوفرة مشكلات عدة لعل أبرزها عجز المتوفر منها عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب، عندما وثق (نائب الموصل) عبد الرحمن الجليلي قدرة المدارس عن استيعاب ٢٠٪ من أعداد المقبولين في هذه المدارس أما ٨٠٪ فتركناهم في الطرقات…”.
وكحل مؤقت للمشكلة لجأت وزارة المعارف الى تأجير عدد من الأبنية بمثابة بنايات، إلا أن هذا الحل لم يعالج المشكلة، بل زادها تعقيدا، “فالأبنية المستأجرة على حد قول نائب الدليم (لطيف الشاوي): لا توافق الناشئة لا من حيث التربية ولا من حيث الصحة ولا من حيث الثقافة..”، فضلا عن قدمها وتعرضها للانهدام في أي لحظة.
أما نائب أربيل (محمد النقيب) فألزم وزارة المعارف ومن خلال مداخلته في الجلسة ذاتها بـ “توفير الأموال لإنشاء مباني للمدارس فتحصل بعد ذلك على بنايات صالحة تتوفر فيها الشروط التي يجب أن تتوفر في المعاهد الدراسية..”.
وأما تكرار المناشدات والمطالبات التي قدمها عدد من النواب بخصوص المشكلة ذاتها، وفي محاولة من وزير المعارف (توفيق وهبي) لتبرير عجز وزارته عن معالجة هذه المشكلة التي برر سببها بـ “إقبال الناس على التعليم الذي وضع وزارة المعارف أمام مشكلة من أخطر المشكلات التي جابهتها وهي مشكلة المباني”.
لذلك لجأت الوزارة وفي محاولة لحل هذه المشكلة الى استئجار … “بيوت لا تؤمن الغرض وإنشاء صرائف وأكواخ وإعدادها لسد الحاجة …”، ألا أن وعود المسؤولين شيء والواقع شيء آخر إذا استمرت المشكلة قائمة، إذ نقل عدد من أعضاء مجلس النواب صورة دقيقة عن الوضع المزري للأبنية المدرسية، “… لقدمها وتعرضها للانهدام في أي لحظة…”، فضلا عن افتقارها الى أبسط الشروط الصحية الى جانب “… خدمات الماء والكهرباء..”.
كما واجهت المدارس وبمختلف مراحلها مشكلة إضافية ألا وهي قلة الملاكات التدريسية، ولا سيما من الإناث، وتساءل نائب البصرة (عبد الهادي البجاري) عن كيفية “.. تمكن الطالبات من استيعاب وفهم دروسهم…”، أما نائب السليمانية (علي كمال) فأبدى امتعاضه من النهج الذي تنتهجه وزارة المعارف من توزيع الملاكات التدريسية والقائمة على “… اختيار أحسن المعلمين وحشرهم في المدن الكبيرة…”، ولمعالجة هذه الظاهرة طالب نائب بغداد (عبد الكريم الارزي) وزارة المعارف بـ “توزيع الفرص التعليمية (المعلمين) على المدارس توزيعا عادلا…”.
ورغم هذه المطالبات ظلت المشكلة قائمة الى الحد الذي اعتبرها نائب المنتفك (توفيق الفكيكي)، “… إحدى الوسائل لغلق عدد كبير من المدارس …”، فيما ألقى نائب الموصل (توفيق السمعاني) بالمسؤولية على وزارة المعارف بسبب افتقارها الى خطط مستقبلية توضح من خلالها حاجة وزارة المعارف الى الملاكات التدريسية…”.
وبرغم طموحات النواب التي تناولوا من خلالها وصفا دقيقا للواقع السلبي للملاكات التدريسية، إلا أن هذه الطروحات لم تحل المشكلة وأمام قلة دور المعلمين والمعلمات في الألوية (المحافظات) العراقية وقلة المتخرجين منها ومن ثم عجز الأخيرة عن تلبية احتياجات المدارس من الملاكات التدريسية – التي سياتي الحديث عنها لاحقا – كان لهذه المشكلة تداعياتها السلبية على المستوى الدراسي للطلبة في انخفاض نسبة النجاح ولمختلف المراحل الدراسية إذ قدم عدد من النواب إحصائيات أوضحوا من خلالها تدني نسبة النجاح ومنهم نائب الموصل (محمود الزيباري) الذي حدد في مداخلته نسبة النجاح في الدراسة المتوسطة والتي وصلت الى (٢٣٪)، وفي السياق ذاته حدد نائب المنتفك (توفيق الفكيكي) ومن خلال إحصائية قدمها الى مجلس النواب في جلسته المنعقدة في ٣ شباط ١٩٥٨م، نسب النجاح بالدراسة الثانوية خمن بين “الأربعة آلاف طالب بلغ عدد الطلبة الناجحين (٢,٠٦٣,١)طالبا أي بسبة ٤٩٪.
لذا لابد من وقفة في موضوعات (قلة دور المعلمين والمعلمات وعدم استقراريه المناهج الدراسية وافتقار البلاد الى مدارس مهنية لتهيئة كوادر وسطية فضلا عن مطالبات النواب بالارتقاء بالتعليم العالي بالبلاد – كما سنرى ذلك في الحلقة القادمة –
مقال خاص براسام

