تهديد بصيغة دعوة:
في الثاني عشر من شهر نيسان/ أبريل 1990م زار خمسة من أعضاء الكونجرس الأمريكي يمثلون كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري برئاسة السيناتور روبرت دول العراق والتقوا الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في قصره بمدينة الموصل 400 كلم شمال بغداد ، بعد محاولات حثيثة قام بها كل من الرئيس المصري الأسبق ، حسني مبارك ، والعاهل الأردني السابق الحسين بن طلال، خلال زيارة وفد الكونجرس لبلديهما ، للقيام بزيارة العراق (غير المبرمجة) ومحاولة فهم الرئيس العراقي عن قرب لتلافي أية تصعيدات في المنطقة ، خاصةً بعد تهديد الأخير بـ” حرق نصف إسرائيل إذا ما أقدمت على ضرب العراق بسلاح ذري فسنحرق نصف إسرائيل بالكيمياوي المزدوج” . وفعلاً وبعد اتصال هاتفي من قبل النواب الأمريكيين بالرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش (الأب) حصلت الموافقة على زيارة العراق.
بالطبع لا نريد هنا التطرق إلى تفاصيل الحوار الطويل بين الوفد والرئيس العراقي والذي، وإن بدا لطيفاً وإيجابياً ، لكنه في حقيقة الأمر ، كان يمثل تهديداً للعراق بصيغة (دعوة) للانضمام لـ(عملية السلام) التي كانت جارية لإقناع الفلسطينيين بالانضمام لهذه العملية والتي توجت لاحقاً بما يسمى (إتفاق أوسلو) والمعروفة رسمياً باسم “إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي” وهو اتفاق وقعته منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل في واشنطن بتاريخ 13 أيلول / سبتمبر 1993م بحضور الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون. وسمي الاتفاق نسبة إلى مدينة أوسلو النرويجية التي تمت فيها المحادثات السرّية التي تمت في عام 1991 م .
لم يتحقق شيء من الأوامر والنواهي التي طرحها دول وبقية النواب الأمريكيين على صدام حسين بصيغة دبلوماسية لم تخل من الصراحة والمباشرة، فالعراق كان لديه برنامج وقناعات، برنامج تطوير أسلحته (للردع) ، وقناعات مفادها أن الولايات المتحدة إن لم تواجه بقوة تُهدِد كيانها المدلل في الشرق الأوسط (إسرائيل) فإنها سوف لن تغير من سياساتها الغير منصفة في الشرق الأوسط ، وللحقيقة التاريخية فإن ما طلبته أمريكا من الرئيس العراقي وفي ذلك الوقت تحديداً كان أمراً تعجيزياً ، فالعراق الخارج من حرب طويلة لا يمكن بأي حال من الأحوال الولوج في قضية (السلام) مم الكيان الصهيوني لإنه باختصار يتقاطع وكل المبادئ المعلن عنها رسمياً وشعبياً ، وإن حاول الرئيس العراقي في نهاية المقابلة التملص من الحاح وفد الكونجرس حول هذا الموضوع بالقول ” أرجو أن لا تنسوا أن الذي يمثل القضية الفلسطينية لدينا، كعرب ، هم الفلسطينيون ، وياسر عرفات على رأسهم ، وأعتقد الآن صار واضحاً ، أن أية جهة تتصدى باسم الفلسطينيين للقضية الفلسطينية ، وهي غير مكلفة ، لن تتوصل إلى حل سلمي، ولإننا نريد حلاً عادلاً ، ونريد السلام ، فالأفضل إن ندخل البيوت من أبوابها ، وأبواب هذه القضية هم الفلسطينيون”.
أمريكا والعد التنازلي للعراق:
بحسب خبراء العلوم السياسية فإن هناك نوعان من السياسات الخاصة بإدارة الصراع، أولاها، سياسات الابقاء على الوضع الراهن، وهي السياسات التي تسعى لعدم تأجيج المواقف وتصعيدها، بما يعني إستقرار العلاقات بين الطرفين وإستمرار مصالحهما وإن كانت القناعات والإجراءات غير المعلنة لكل طرف مستمرة، وهذا النوع من السياسات ربما يكون دفاعياً للدول الصغيرة تجاه قوة وقدرة الدولة الكبرى المعنية بالصراع. أما النوع الثاني فهو إستمرار الضغط لتحقيق مكاسب تفضي إلى رفض الأوضاع السائدة بالتعامل إزاء قضايا كبيرة وحساسة لكل طرف تؤثر بشكل مباشر على مصالحه ومخططاته، وغالباً ما تقوم الدولة الكبرى(أمريكا) بممارسة ضغوط على الدولة الصغيرة(العراق) لإجبارها على الانصياع ، ونادراً ما ترفض الدولة الصغيرة (العراق) هذه الضغوط والتمرد عليها كونها جائرة وغير عادلة وحكيمة ، لكن العراق ، وبعد مقابلة وفد الكونجرس الأمريكي و فعل ذلك ، بل زاد من وسائل التعبير عن إمكاناته بكل النواحي وخاصة بعد مؤتمر القمة العربي الذي عُقِد في بغداد في 28 مايو / آيار 1990م ، المؤتمر الذي شكلت قراراته صفعة للجهود التي بذلتها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الأب) ؛ حيث ركزت أكثر من 70 بالمائة من هذه القرارات على إدانة الولايات المتحدة وإسرائيل في قضية فلسطين والتدخلات الأمريكية بشأنها وشؤون ليبيا والعراق.
منذ أن أعلنت نتائج قمة بغداد 1990م، والدوائر الأمريكية والصهيونية بجميع أنحاء العالم، تتحرك من أجل إجهاض قراراتها أولاً، ثم من أجل تحجيم وتحديد دور العراق إلى أدنى الحدود باستخدام ضغوط اقتصادية وأمنية انعكست على قدرات العراق الفعلية ، خصوصاً ، الاقتصادية منها ، وقد تفاقمت أزمة العلاقات العراقية-الكويتية التي تم تناولها في القمة دون حل يذكر ، حتى أتهم العراق الكويت أنها تنفذ أجندة أمريكية لإضعاف العراق وإيقاف عجلته الاقتصادية والتنموية .
قد تكون بغداد مُحقة في تفسير السلوك الكويتي حينها لإنها أعلنت، وفي 18 يوليو/ تموز 1990م ، أن الكويت قامت بـ”قضم” أراضيها و”سرقة” النفط من حقل الرميلة النفطي في جنوب البلاد ، كما اتهمها بإغراق سوق النفط بشكل متعمد بكميات كبيرة من النفط مما أدى لخفض أسعاره عالمياً ، وطالب العراق الكويت بتسديد نحو ملياري يورو كتعويضات عن هذه “السرقة”، وطالبت بغداد الكويت خلال القمة العربية بإلغاء الديون التي اقترضتها منها خلال حربها ضد إيران (1980-1988) أو تأجيلها، معتبرة أنها دافعت بها عن هذه الدولة الخليجية أيضا، ورغم وساطات جامعة الدول العربية التي جرت في 20 يوليو/ تموز 1990م، إلا أن الكويت استمرت في مطالبتها العراق بتسديد ديونه والضغط الاقتصادي والنفسي على قيادته في ظل أجواء مشحونة بالتحديات للعراق المطالب بتعويض شعبه فترة حرب الثماني سنوات بشيء من الرفاهية والعودة لبناء ما دمرته هذه الحرب.
لم تكن الولايات المتحدة غائبة عن هذا المشهد؛ فقد تناولت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية موضوع المقابلة الشهيرة بين الرئيس العراقي صدام حسين والسفيرة الأمريكية ببغداد آنذاك أبريل غلاسبي، حيث أوضحت الأخيرة للرئيس العراقي أنها لا تملك رأياً في خلاف العراق الحدودي مع الكويت، كما أن وزارة الخارجية الأميركية (بحسب المجلة) كانت أرسلت أيضا تأكيدات في وقت سابق لصدام حسين تفيد بأن واشنطن ليست لديها التزامات دفاعية أو أمنية خاصة تجاه دولة الكويت ، وهو أيضاً تلميح بموافقة أمريكية للقيام بعمل عسكري عراقي ضد الكويت؛ أي أن أمر الضوء الأخضر لم يقتصر على اللقاء بين السفيرة الأميركية والرئيس العراقي في ذلك الوقت فقط.
ومع الملاحظات الكثيرة التي أبداها المحللون الاستراتيجيون عما حدث يوم 2 أغسطس / آب 1990م ، فإن واقع الحال يؤكد أن الولايات المتحدة ، وبمساعدة من حلفائها في المنطقة سحبوا القيادة العراقية المتمثلة بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين إلى منطقة القتل دون أن يتركوا له إلا منفذاً واحداً وتحت ضغط عسكري وأمني واقتصادي (حصار لم يجرِ على أي بلد في العالم ولن يجري) هائل جداً ، منفذ قد يزيح عن العراق كل هذه الضغوط ويعيده إلى الساحة الدولية والإقليمية ، ذاك المنفذ هو التطبيع مع الكيان الصهيوني ، الذي طُرح بأساليب كثيرة ووسطاء كُثُر ، وبحسب الكاتب البريطاني، نايجل أشتون، فإن رئيس وزراء الكيان الصهيوني إسحق رابين بعث برسالة إلى الرئيس العراقي صدام حسين عام 1995م، مع العاهل الأردني الحسين بن طلال طالبًا عقد اجتماع معه ، موضحا أن مضمون الرسالة يمثل آمال رابين بتحقيق (سلام) مع العراق وإيران وسوريا ، لكن العراق رفض و استمر بدعم الفلسطينيين وإسناد عوائل الشهداء الذين يقومون بعمليات داخل الأراضي المحتلة.
لقد انتهت رحلة اللعب مع الكِبار التي استمرت حوالي 35 عاماً بغزو بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا أفضى إلى احتلال كامل للعراق وإسقاط حكومته الوطنية وحل جيشه وكل مؤسساته المدنية والعسكرية والأمنية، غزو أُريد له أن يكون عِبرةً لمن يعتبر من قادة دول العالم الثالث أو دونه التمادي في مناكفة الدول الكبرى وإرباك خارطة برامجها الجيوسياسية والإستراتيجية في عالم لا يجب أن يكون أو يبقى تحت رحمة دولة واحدة وصفِت مراراً أنها “عدوةً للشعوب”.

