Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

الفساد ينخر ويهدم الدولة العراقية بأرقام مفزعة! (الحلقة الثانية)

 يعتبر غياب الرقابة المالية والادارية والمحاسبة القانونية للفاسدين في دوائر الدولة من أهم أسباب استمرار الفساد المالي والاداري خصوصاً وأن المحاسبة التي تتم على استحياء، فالفاسدين اليوم أقوياء جدا ولا يمكن مجاراتهم أو استهدافهم في ظل النظام السياسي الحاكم، كما إن المواجهة شكلية وغالباً ما يتم الاكتفاء بالإطاحة بشخصيات تشغل مناصب وسطية دون المساس بقادة الصف الاول من مافيات الفساد، لأن الاطاحة برؤوس الفساد الكبرى مهمة صعبة ومستحيلة في هذا النظام السياسي الذي يشترك في ملف الفساد بشكل كامل، لا سيما وإن السلاح المنفلت هو أحد أهم الوسائل والأدوات التي تحمي الفساد، وهي الجهة القادرة على فرض أجندتها بقوة السلاح، وحسب ما تريده جهات خارجية من مصلحتها استمرار الوضع على ما هو عليه، لذا فملف الفساد يخضع لعملية تدمير منظمة وممنهجة لإخضاع الاقتصاد العراقي وربطه بجارة السوء إيران، وهذا أصبح سلوك لدى قوى السلطة التي زادت من سطوتها على مؤسسات الدولة، وهذا دليل على إن ما يجري ليست قضية عابرة بل هي عملية مخطط لها بدرجة عالية من الخبث والدهاء لتدمير مرتكزات الاقتصاد العراقي.

لقد ظهرت بعد الاحتلال شخصيات وشرائح اجتماعية وأحزاب سياسية داعمة لمشروع الاحتلال الأمريكي-البريطاني، الذي صنع منهم طبقة فاسدة تابعة له وصلت الى أعلى المناصب الادارية والحكومية الحيوية دون أن يكون لها أي مؤهل علمي أو أداري يؤهلها لشغل هذا المنصب أو ذاك ولكن ولائها كان مضمون له، علماً بأن هذه الطبقة خرجت أصلاً من النظام السياسي القائم وهي تعمل ضمن أحزاب وكتل سياسية فاسدة وتابعة تنفذ أجندة مختلفة لمصالح حزبية وشخصية، الأمر الذي أدى الى تفاقم الفساد الذي أصبح جزءً من بنية النظام السياسي الحاكم، وهو مدعوم من قبل شخصيات حكومية وسياسية نافذة ومتنفذة، بحيث أصبح لهذه الطبقة السياسية جذور عميقة ومتعددة، وأصبحت هناك قوى ومافيات سياسية وأخرى مسلحة تحميها وتقف ورائها وتقدم لها كل الدعم اللازم لبقائها واستمرارها، وكل من يحاول الوقوف بوجهه هذا التيار يعرض حياته ومستقبله للخطر، خصوصاً وأن العراق يعاني من بيئة سياسية وأمنية مضطربة وغير مستقرة بسبب سيطرت قوى سياسية وميليشيات مسلحة على مفاصل حيوية من الدولة العراقية، خصوصاً وإن لديها ارتباطات خارجية وتعمل خارج إطار الدولة بفتوى دينية وأخرى سياسية وطائفية، وهي من تسيطر على موارد الدولة ومقدراتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ولن تقبل بتغير الوضع القائم الذي يخدم مصالح أسيادها في طهران.

  من يراقب الوضع الداخلي العراقي يجد بأن الفساد المالي والاداري أصبح سمة أساسية من سمات الاقتصاد السياسي في العراق الذي يفتقر الى إرادة سياسية، والى سلطة قضائية ورقابية نزيهة ومستقلة على الرغم من وجود ثلاثة هيئات رقابية لذلك، علماً بأن هيئة النزاهة الاتحادية أعلنت عن تورط أكثر من (11) ألف مسؤول حكومي في قضايا فساد من بينهم (54) وزيراً، ولكن لم ولن نشهد الى اليوم تقديم أي مسؤول حكومي كبير متورط بتهمة الفساد الى القضاء، وحتى من يقدم للمحاكمة يتم الحكم عليه بحكم بسيط، وحتى اللجان الخاصة التي شكلت في زمن حكومة “الكاظمي” تم الغائها وأعتبار إجراءاتها غير رسمية، علماً بأن حكومة “السوداني” شكلت أيضاً هيئة عليا للتحقيق في قضايا الفساد الاداري وتعمل تحت إشراف مجلس القضاء الاعلى ولكن بعد يومين تم الاعلان عن سرقة كبيرة من أموال الضرائب والجمارك بلغت (2.5) مليار دولار، وهي ما تعرف بقضية سرقة القرن التي تعتبر دليل واضح على فساد الطبقة السياسية وعجز السلطات الحكومية والقضائية عن تطبيق القانون، حيث تم أطلاق سراح المدعو “نور زهير جاسم” بكفالة تسديد المبلغ المسروق، الأمر الذي جاء نتيجة للضغوطات التي مورست على الحكومة والقضاء، والتي كان يجب عليهما التشدد فيها لأنها جريمة تخص سرقة أموال الدولة ولا يمكن الاستهانة بها سواء كان المبلغ بسيطاً أو ضخماً، علماً إن هذه القضية ليست الأولى وأكيد لن تكون الاخيرة، لكونها جزء من سلسلة متكاملة من الفساد المستشري والجريمة المنظمة في البلاد، فالمصارف والشركات الوهمية ما هي ألا واجهة للأحزاب السياسية والميليشيات المسلحة. 
لقد أصبحت السرقة ثقافة لدى الطبقة السياسية الحاكمة في العراق، وليس حالة أستثنائية وهذا أنعكس بشكل كبير على الادارة في مؤسسات الدولة العراقية، وكذلك على عادات وتقاليد المجتمع العراقي، الذي بدأ يعاني من تفشي هذا الوباء المدمر للقيم والاخلاق، بحيث أصبحت الرشوة جزء من الروتين في مؤسسات الدولة، خصوصاً وإن الاجراءات الحكومية ضعيفة وغير مشجعة على محاربة الفساد، لكون الجميع متورط بسرقة المال العام وهدر ثروات الدولة، فلا أحد يستطيع التصدي لملف الفساد لأن الجميع مشارك فيه، حيث يقول رئيس لجنة النزاهة السابق “موسى فرج” واصفاً المشهد “الدولة التي تسرق نفسها”، ويشدد على “أن الفساد متربط برجال الدولة الكبار”، ويضيف “بأنه لا ينحصر في اختلاس أموال الدولة وحسب، وإنما في تبديدها بطريقة متعمدة من خلال صرفها على كل ما هو فاشل ومغشوش وفاسد”.

إن تفشي الفساد في العراق أظهر طبقة من الأغنياء ورجال الأعمال بثراء فاحش ومخيف وسريع كونهم غير معروفين سابقاً، علماً بأن هؤلاء تابعين للطبقة السياسية، وهؤلاء لا يخضعون للقوانين أو الروتين الذي يستنزف الوقت والمال حسب السياق المعمل به في دوائر ومؤسسات الدولة، ناهيك عن الرشوة والعطايا المتفشية التي تقدم لتسيير الأعمال وتسريع الاجراءات، بحيث وصل الأمر الى استيلاء هذه الطبقة على بنايات واراضي وعقارات تعود ملكيتها للدولة العراقية وهي ترفض الخروج منها، ناهيك عن المناطق التي تم استعادتها من تنظيم الدولة والتي لا زالت تحت سيطرت الميليشيات الى يومنا هذا، وهم يرفضون عودة الناس اليها بتوجيهات من إيران ولبنان، والدولة تقف بكافة مؤسساتها وسلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية عاجزة عن إخراجهم منها، فما بالك بفتح ملف الفساد الذي لا يجرؤ على فتحهِ أحد مهما كان منصبه وعلى مقامه، لأن التصدي لملف الفساد يعني أنهيار الدولة والمنظومة الحاكمة لكونها متورطة بهذه الآفة الخطيرة.

لقد تعددت أوجه الفساد في العراق الذي بدأ بحالات فردية ثم تحول الى ظاهرة جماعية تمارسها الطبقة السياسية وأتباعها بحيث أصبح الفساد الرئة التي تتنفس منها الطبقة السياسية الحاكمة للبقاء في الحكم، خصوصاً وإن الفساد أصبحت له قاعدة ووجوه، ورؤوس وواجهات متعددة، وهو يمارس بالجملة وبالمليارات، لا سيما وإن هذا التيار وظف السلطة لممارسة الفساد!،وبنفس الوقت يستخدمه لبلوغ السلطة وهو يمارس من خلال: الرشوة، والسرقة، والمحسوبية، والمحاباة في تفضيل جهة على أخرى، وتفشي الوساطة، والتزوير والاحتيال، وتهريب الاموال للخارج من خلال مزاد بيع الدولار حتى أصبح المسؤولون الحكوميون يتسابقون على تهريب العملة، ناهيك عن الاتاوات التي تفرض بغير وجه حق، والابتزاز المالي، والمشاريع الوهمية والتي تقدر بأكثر من (6) ألف مشروع، أخذت اموالها من الدولة ولم تنفذ، حيث تشير موازنة عام 2014 الى أنه تم أنفاق(190) مليار دولار على (6) آلاف مشروع غير مكتمل أو متوقف أو وهمي، بالإضافة الى هدر وتبديد المال العام من خلال منح امتيازات كبيرة وغير معقولة لمناصب وشخصيات معينة في الدولة بلا مبرر قانوني كما يحصل مع محتجزو رفحاء، بالاضافة الى المتاجرة بهذه المناصب، والتهرب الضريبي، وتبيض الاموال، وتهريب النفط، والمخدرات، وكذلك المكاتب الاقتصادية التابعة لميليشيات واحزاب سياسية باتت تفرض على الوزرات نسبة معينة لإحالة أي مشروع، لا سيما وإن المصالح الحزبية والخاصة أصبحت مقدمة على المصالح الوطنية، وقد قدرت حكومة “عادل عبد المهدي” حجم الفساد في (9) آلاف مشروع حكومي بعضها وهمي، الأمر الذي كلف الدولة العراقية (300) مليار دولار.

 

Exit mobile version