Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

تحركات تركيا في الخليج تقلق إيران

الباحث: حسين صالح السبعاوي

اعتادت إيران على التحرك بمفردها في المنطقة العربية وفي منطقة الخليج خاصة مستفيدة من الدعم الأوروبي والأمريكي لها إضافة لاستغلال بعض الجماعات الشيعية في المنطقة واستخدامها ضمن مشروعها التوسعي الذي يعتمد على الطائفية وولاية الفقيه والذي أشعل الحرائق في المنطقة التي أصلاً تعيش حالة من الضعف والانقسام، زد على ذلك تخلي الحليف الأمريكي والبريطاني عنها والسماح للمشروع الإيراني بالتمدد في المنطقة مستغلا هذا الضعف والانقسام العربي، مما جعل التحالف مع تركيا ضرورة لابد منها في مواجهة التمدد الإيراني الذي ليس له حدود، لكي يحدث توازن في المنطقة ولا تنفرد إيران لوحدها في الخليج العربي.

لكن علينا أن ندرك بأن هناك تحديات كبيرة تواجه هذا المشروع الذي تسعى إليه تركيا وبعض الأنظمة العربية لمواجهة التمدد الإيراني الذي تمادى كثيراً، ويمكن إيجاز هذه التحديات بما يلي:
١- العامل الدولي: هناك رغبة أمريكية – أوربية في أن لا يكون لتركيا أي دور في المنطقة، بينما على العكس مع إيران، وهي رغبة ازدواجية بالسماح لطرف ومنع طرف آخر.
٢- الحواضن الإيرانية في المنطقة سوف تقوم بكل ما في وسعها لمنع أي تطور في العلاقات التركية – العربية لأنها تدرك بأن هذا النوع من العلاقة سيكون على حساب المشروع الإيراني التوسعي.
٣- المعارضة التركية: من المعلوم أن المعارضة التركية تعمل على تغريب المجتمع التركي وترفض أي توجه تركي نحو الشرق، بمعنى تعارض أي علاقة ودية بين العالم العربي والإسلامي مع تركيا، وقد صرح زعيم المعارضة كمال قليجدار أوغلو رئيس حزب الشعب الجمهوري أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة بأنه في حال فوزه في الانتخابات سوف يصادر كافة الاستثمارات القطرية في تركيا، فضلا عن عمليات التحريض الإعلامية التي تقودها المعارضة ضد المهاجرين العرب عامة وخاصة السوريين منهم، إضافة إلى العنصرية التي هي ضد كل ما هو عربي بما في ذلك اللوحات والإعلانات المكتوبة باللغة العربية، وقد شاهدنا بعض البلديات التي تسيطر عليها المعارضة كيف أزالت جميع اللوحات المكتوبة باللغة العربية، وهذه من أهم التحديات التي تواجه التقارب التركي – العربي.
٤- غياب الوحدة العربية في مواجهة المشروع الإيراني جعل من بعض الدول تلجأ إلى إيران وتعقد معها اتفاقيات شراكة غير متكافئة، وبعض الدول العربية لجأت إلى التطبيع مع إسرائيل من أجل مواجهة إيران وهذا هو التخبط بعينه لأن إيران وإسرائيل لا يوجد بينهما عداء استراتيجي وإنما مختلفين عن كيفية السيطرة على المنطقة بمعنى كلاهما عدو، ولا يمكن الاعتماد على أحدهما في مواجهة الآخر.

ومع ما مسبق فأمام هذه التحديات فرص كبيرة لإنجاح العلاقات التركية – العربية وتطويرها إلى عدة مجالات، فقد شهدت العلاقات بين تركيا ودول الخليج تطوراً مهما منذ عام ٢٠١٦، ومن أهم تجلياته عقد ١٢ قمة تركية خليجية جمعت الرئيس أردوغان بقادة دول الخليج، كان ست منها مع المملكة العربية السعودية، وأربع مع أمير قطر، وقمة مع ملك البحرين، ولقاء مع أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح. كل هذه القمم حدثت في عام 2٠١٦، ثم أصيبت العلاقات التركية وبعض دول الخليج بشيء من الفتور وخاصة مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وبعد فوز الرئيس أردوغان في انتخابات ٢٠٢٣ فإنه يسعى اليوم إلى ترميم علاقات تركيا مع السعودية والإمارات، فقد أيقن الجميع بأن مصالح دولهم تقتضي إعادة العلاقات الودية بينهما خدمةً للمصالح المشتركة وتطوير فرص التعاون المشترك من الناحية الاقتصادية والتجارية والأمنية، ومن هذه الفرص:
١- تركيا تربطها علاقات تاريخية وحضارية مع العالم العربي والإسلامي تمتد إلى أكثر من ٥٠٠ عام.
٢- تنطلق تركيا في علاقاتها مع الدول العربية من منطلق المصالح المشتركة، على خلاف إيران التي تنطلق من منطلق توسعي وهيمنة على الدول الأخرى.
٣- تركيا تتعامل مع العالم العربي من خلال الحكومات القائمة ووفق القانون الدولي ومبدأ العلاقات الدولية، بينما إيران تتعامل مع فئات طائفية داخل هذه الدول وتقوم بتحريضها على الأنظمة السياسية الحاكمة في حال لم تتفق مع تلك الحكومات، كتدخلها في البحرين والعراق واليمن ولبنان وغيرها من الدول العربية.
٤- على المستوى الصناعي والتجاري والزراعي والسياحي تعتبر تركيا أفضل شريك للعرب من إيران في جميع المجالات، يقابله حاجة تركيا للنفط والغاز ومصادر الطاقة المتوفرة في العالم العربي وتحديدا في الخليج، ومن هنا تكون المصالح مشتركة ومتبادلة، والعلاقات متكافئة بين تركيا والدول العربية.
٥- تعتبر تركيا حليفا صادقا على خلاف إيران التي تعتبر حليفا غادرا والشواهد التاريخية كثيرة للحالتين. كما هناك شواهد وأدلة كثيرة تثبت بأن العلاقات العربية التركية ممكن أن تتطور وتكون مستدامة ينتج عنها استقرار المنطقة وازدهارها.

ما الذي يزعج إيران من عودة العلاقات العربية – التركية؟
تريد إيران أن تنفرد بالتعامل مع الدول العربية وبطريقة فوقية وغير متكافئة خصوصا بعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة عام ٢٠٠٣، حيث أصبحت الساحة مفتوحة لها بدون منافس، وبدخول تركيا وتطوير علاقتها مع الدول العربية من خلال اتفاقيات أمنية واقتصادية سوف تكون هذه العلاقة على حساب الهيمنة الإيرانية في المنطقة، إضافة لذلك فنوع العلاقة بين تركيا والدول العربية مختلف تماما مع العلاقات التي تسعى إليها إيران مع العرب وخصوصا دول الخليج، فهي تحتل ثلاث جزر عربية إماراتية، وتهدد باحتلال البحرين، وتحرض الأقليات على الأنظمة الحاكمة، واليوم تريد السيطرة على حقل ” الدرة” وتهدد الكويت في حال اعتراضها، فعندما تدخل تركيا بشراكة مع هذه الدول لا يمكن أن تسمح لإيران بتهديد شركائها أو ضرب مصالحها كما يحلو لها.

هل ستسكت إيران على هذا الانفتاح العربي – التركي؟
بالتأكيد لا، سوف تستنفر إيران كل أذرعها السياسية والإعلامية والدينية وحواضنها في دول الخليج للحيلولة دون نجاح هذا الانفتاح التركي مع دول الخليج العربي، ويمكن أن تستعين بالقوى الدولية لإفشال هذا المشروع، لأنه سوف يحد من أطماعها في المنطقة، لكن أعتقد أن دول الخليج العربي وتركيا ليسوا غافلين عن معارضة إيران لهذا المشروع ولن يسمحوا لها بمعارضته والوقوف ضده، سيما أن الخطر الإيراني بات يهدد جميع الدول العربية وخاصة دول الخليج.

مقال خاص براسام

Exit mobile version