Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

العفو العام مطلب المظلومين

الباحث: حسين صالح السبعاوي

إن معنى العفو هو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، وأصله المحو والطمس، وعفوت عن الحق أي أسقطته، كأنك محوتهُ عن الذي عليه، بمعنى هو عفو عن المذنب أياً كان نوع الذنب أو جنس المذنب، لكن الغريب في العراق اليوم أننا نتكلم عن العفو عن الأبرياء؟! في حين أن البريء لا يحتاج إلى العفو، بل يحتاج الى اعتذار وتعويض، ومحاسبة مَن ظلمه وهو بريء، إن هذه المفارقة العجيبة غير موجودة إلا في العراق الذي جعل المجتمع والمنظمات الحقوقية والإنسانية تطالب بالعفو عن الأبرياء وضحايا المخبر السري أو على الأقل إعادة محاكمتهم وفق قواعد قانونية نزيهة وشفافة، ومع هذا ترفض السلطة كل هذه المناشدات، أما من يطالب بالعفو عن المذنبين فهو يحشر في دائرة الاتهام ويمكن أن يعتقل هو الآخر ويحاكم على هذا المطلب؟!

إن الساسة العراقيين لا يفهمون بأن تشريع القوانين هو مصلحة عامة حتى لو استفاد منه شريحة محددة من المجتمع، كما لا يفهمون أيضا بأن تشريع أي قانون لا يمكن أن يكون بصيغة ابتزاز للآخر أو يكون بصفقة مقرونة بتشريع قانون آخر لا علاقة له بالتشريع الأول سوى المصلحة الحزبية أو الشخصية كما يحدث الآن في العراق من استخدام قانون العفو كأداة سياسية من أجل تحقيق مصالح شخصية وحزبية لا علاقة لها بفكرة المصلحة العامة وتحقيق العدالة من أجل الاستقرار المجتمعي، وإذا ما زاد الضغط السياسي من أجل تشريع هذا القانون تجد الآخر المتنفذ يعمل على افراغ القانون من محتواه.

ففي عام ٢٠١٦ – على سبيل المثال – شرع مجلس النواب قانون العفو العام وكان أحد مطالب القوى السياسية السنية من أجل الإتفاق على تشكيل الحكومة لعام ٢٠١٤، وقد تم تضمينه البرنامج الحكومي الذي تقدم به رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي للحصول على الثقة إلا أنه قرن قانون العفو بالتصويت على قانون “هيئة الحشد الشعبي ” وبعد التصويت على قانون الحشد من قبل المجلس بدأ الآخرين بالتنصل من قانون العفو العام وبدأت المساومات حتى أفرغ القانون من فحواه الذي شرع من أجله ولم يستفد من تشريع القانون سوى اللصوص والفاسدين الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية من خلال تسوية مالية مع الدولة ودفع بعض الأموال وإعادتها إلى خزينة الدولة، وكذلك الآن في عام ٢٠٢٣ عندما تشكل تحالف إدارة الدولة كان من أهم مطالب تحالف السيادة “السني” هو إقرار قانون العفو العام وعودة النازحين إلى مناطقهم، وبعد تشكيل الحكومة بدأ الإطار التنسيقي يتنصل عن هذا الإتفاق ويشترط أن يكون التصويت على الموازنة أولا ثم يبدأ المجلس بتشريع قانون العفو، وكالعادة يعملون على افراغ القانون من فحواه كما فعلوا عام ٢٠١٦ بحيث لم يشمل القانون سوى فئة صغيرة معلومة الانتماء، بحيث أن عدد المعتقلين من المحكومين والمتهمين غير المحكومين في تلك الفترة قد بلغ أكثر من ١٤٠ ألف شخص حسب الأرقام التي صدرت من مجلس القضاء الأعلى عام ٢٠١٦ بينما لم يشمل العفو سوى ٩٥٣٩ شخصا وفقا لأرقام وزارة العدل.

إن هؤلاء لا يفهمون بأن العفو هو من مكارم الأخلاق، وإن العفو والتسامح خلقان كريمان تحتاجهما الحكومات والشعوب معاً من أجل الاستقرار والعيش بسلام، ولا ريب أن تغليب العفو والتسامح على العقاب ينجي الشعوب من الصراعات الحادة التي قد تنشأ بين مكونات المجتمع، إلا إذا تمادى أصحاب الأذى مع كثرة العفو وترك ظلمهم واساءتهم؛ فهنا يكون العقاب أولى من العفو على أمثال هؤلاء لدفع الضرر الذي يصدر منهم ضد أبناء المجتمع.

لماذا لا يطبق قانون العفو في العراق؟
١- البعد الطائفي:
من المعلوم أن أغلب المعتقلين اليوم في العراق هم من مكون بعينه، وإن السلطة وصاحب القرار من المكون الآخر الذي ينطلق في إدارته للدولة من منطلق طائفي.
٢- العامل الخارجي: من المعلوم أن أغلب المعتقلين في العراق هم ممن قاوموا المحتل الأمريكي، ولو كان المعتقلين من “المثليين والشواذ” لانتفضت القوى الدولية والمنظمات الحقوقية في أوروبا وأمريكا مطالبين بالإفراج الفوري عنهم.
٣- الفساد المالي: تعج السجون بالفساد سواء في إطعام المساجين أو في ابتزاز السجناء وأهاليهم من خلال طلب أموال مقابل إتصال السجين مع أهله، أو نقل السجين من مكان إلى مكان آخر وهناك مئات الشواهد على هذه السلوكيات وآخرها ما ذكره وزير العدل شخصيا أمام وسائل الإعلام.
٤- الابتزاز السياسي: يستخدم السجناء في العراق كورقة سياسية للضغط على القوى السياسية المطالبة بالعفو مقابل تنازلات تقدمها من خلال تشريع بعض القوانين التي تخدم فئة دون أخرى.

لم يعد الشعب العراقي يعوّل على هذه الطبقة السياسية الحاكمة لإصدار عفو عام يشمل كافة المعتقلين أو على الأقل يشمل الأغلبية منهم بغض النظر عن انتمائهم الحزبي والمذهبي، لأنه أصبح واضح لدي الشعب وخاصة ذوي المعتقلين بأن الصفقات السياسية والابتزاز السياسي هما الفيصل في تشريع القوانين، وحتى لو يشرع قانون جديد للعفو عن المعتقلين سوف يقنن ويفرغ من فحواه الحقيقي ويكون عفوا عن بعض الفاسدين والمعلوم انتماءهم السياسي والحزبي وتبقى الأغلبية من ضحايا المخبر السري داخل السجون، لأن المصالح الشخصية والحزبية مقدمة على المصلحة الوطنية العليا لدى هذه الأحزاب الحاكمة.

مقال خاص براسام

Exit mobile version