Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

البرجوازية الصناعية العراقية ودورها في الاقتصاد العراقي منذ أواخر العهد العثماني حتى عام ١٩٥٨م / الحلقة الأولى

أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

خلال العهد العثماني الأخير
انتهجت الدولة العثمانية منذ أوائل القرن التاسع عشر سياسة الإصلاح لمؤسساتها العسكرية والاقتصادية والإدارية، وقد استفاد العراق من تلك الإصلاحات، وظهر فيه ما عرف بـ (القطاع الخاص) بمفهومه الحديث، خاصة عندما تولى مدحت باشا (١٨٦٩ – ١٨٧٢م) ولاية بغداد، حيث منح صلاحيات واسعة لتنفيذ الإصلاحات في كل من ولايتي الموصل والبصرة، وقد تجلت إجراءاته في حل مشكلة الأراضي الزراعية وتأسيس إدارة حديثة وإقامة مدارس ومستشفيات ومطابع وصحافة حديثة، تزامن ذلك مع بعض المتغيرات العالمية أبرزها افتتاح قناة السويس عام (١٨٦٩م) الذي وصف بأنه أقصر طريق مائي بين موانئ المحيطين الأطلسي والهندي مما أدى إلى تقريب المسافات بين الموانئ بمقدار (٨ – ١٥) ألف كم، قياسا بالطريق السابق الذي كان يدور حول القارة الأفريقية، وبذلك انخفض الوقت اللازم للسفر من وإلى أوروبا بما يتراوح بين النصف والثلثين وانخفض رسوم الشحن من إزمير إلى لندن للفترة الممتدة من (١٨٣٥ – ١٨٧٦م) بما يعادل النصف تقريبا. واستمر الانخفاض حتى مع بعض حالات التوقف حتى عام ١٩١٤م، وهذا يعني بداية الاختراق الرأسمالي لبيئة عراقية بدائية نجم عنها خضوع تلك البيئة بعينها للقوى الرأسمالية الجديدة التي اضطلعت بدورها عبر قناتين رئيستين هما:
أولا: خضوع الفائض الزراعي العراقي لسيطرة رأس المال العالمي عبر رأس المال التجاري.
ثانيا: إن تلك العملية بحد ذاتها قد حفزت قوى التغيير داخل تلك البيئة الزراعية التجارية خلال خلق ظروف المنطقة لنشوء وتطور علاقة الملكية الخاصة، الموجه نحو السوق – أي خلق اللبنة الأولى لهذا الإنتاج الرأسمالي بسمتها المحلية.

تحت تأثير هذا التحول اتجه الاقتصاد العراقي لكي يصبح اقتصاد السوق بعد أن كان اقتصادا طبيعيا، وقد أدى هذا التطور إلى تراكم رأس المال بأيدي التجار وبالتالي إيذانا بمولد (البرجوازية العراقية) الذي كان لها دورها في ربط الاقتصاد العراقي بالاقتصاد العالمي.

يعرّف الأستاذ الدكتور كمال أحمد مظهر (البرجوازية) في مقاله الموسوم: “البرجوازية مراتبها وسبل التعامل معها”، على أنها كلمة لاتينية الأصل يقصد بها طبقة اجتماعية ارتبطت تاريخيا من حيث نشأتها بالمدن والقرى الكبيرة ذات الأسواق التجارية وكانت متميزة عن طبقتي العمال والنبلاء.

ساعد على ذلك انشاء مجموعة من البنوك برؤوس أموال أجنبية، وقد اتسعت حركة التصدير والاستيراد وتأسست شركات أجنبية في العراق، وانتظم التجار في غرفة خاصة، وفي المجال الصناعي أصدرت الحكومة العثمانية قانون تشجيع (تشويق) الصناعة عام ١٩١٣م.

لذا نرى أن عامل الزيادة الكبيرة في التجارة الخارجية التي كانت وكأنها ثورة مقترنة بزيادة الطلب على الإنتاج الزراعي والتي شجعت على تحويل اقتصاد العشيرة من حالة الاقتصاد المعيشي أو اقتصاد الكفاف إلى حالة اقتصاد السوق.

ساعد تطبيق نظام الطابو على تدهور المؤسسات القبلية عندما حول رجل القبيلة إلى مجرد عامل زراعي يعمل في الأرض التي أصبحت ملكاً لشيخ القبيلة التي غدا ملّاكاً عاماً يسكن إحدى المدن لذا فالوسيط بينه وبين الفلاح فرد آخر يدعى “السركال”.

نقلت الحكومة العثمانية أراضي واسعة بحسب نظام الطابو إلى طالبيها في الموصل وبغداد وديالى والكوت والسماوة والحلة والمنتفك والبصرة، حيث أصبح ملاك المدن نموذج الملاك الغائبين، وانحدرت حالة الفلاحين إلى ما أشبه بالقنانة وتحولت الأرض من نظام الريع المجاني على أساس الملكية المشتركة، إلى نظام الريع المدفوع للملكية الخاصة، وقد وصلت حصة المالك من الناتج إلى حوالي الثلثين أو الثلاثة أخماس.

تطور مجال المواصلات النهرية مع تأسيس شركة لنج للملاحة النهرية التي بدأت عملها في العراق عام ١٨٤١م ومن ثم توسعت عام ١٨٦١م بفرمان عثماني، إذ كونت شركة للملاحة التجارية للفرات ودجلة، في حين تأسست شركة الإدارة النهرية العثمانية وأدى استخدام الملاحة التجارية إلى اختصار الوقت اللازم للإيجار من بغداد إلى البصرة بين ٥٢ – ٦٠ ساعة، بعد أن كانت السفن الشراعية تقطع المسافة في غضون مدة تتراوح بين ٣٠ و٦٠ يوماً وكانت رسوم الشحن أيضا أقل، ما كان يعادل ٢٥٪ على الزوارق التجارية. في الوقت نفسه عمل إدخال الملاحة النهرية وتوسيع التجارة الخارجية وعلى نشوء مدن جديدة مثل العمارة وقلعة صالح والناصرية والكوت والعزيزية والمجر الكبير والكميت وعلي الغربي وشيخ سعد وغيرهما التي تأسست في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ووقعت أغلبيتها الساحقة على نهر دجلة، وفي القسم الجنوبي منه الطريق الرئيسي للتبادل التجاري، لاسيما بالنسبة لشركة (لنج) الإنكليزية التي اقتصرت نشاطات سفنها التجارية على نهر دجلة بين بغداد والبصرة، وقد أدى ذلك إلى نتيجة أخرى هي التطور الهائل في التجارة الخارجية للعراق بمقياس الزمان والمكان وتغيير اتجاهها نحو أوربا وتحديداً بريطانيا، فمن بين (١٦٩) سفينة غادرت البصرة عام ١٩٠٥م كانت هناك (١٦٣) سفينة غادرت البصرة إلى بريطانيا، وفي المدة من (١٩٠٧ – ١٩٠٩م) شكلت الاقمشة الإنكليزية ٧٠٪ من الكمية المستوردة من هذه البضاعة، نجم عن ذلك انحسار تدريجي لمعامل الحياكة المحلية العراقية التي أشهرت إفلاسها بسبب عدم تمكن منتوجاتها من منافسة نظيراتها الأجنبية الأرخص سعرا والأكثر تنوعاً، ففي بغداد انخفض عدد ورشات النسيج إلى بضع مئات فقط في مطلع القرن العشرين وأدى ذلك إلى زيادة في عدد المتقدمين في المدن نتيجة قوانين السوق الرأسمالية التي وضعت حدا فاصلا بينهم وبين المنتفعين منها، وحولتهم إلى آلاف مؤلفة من العمال الذين بدأوا يعملون في المؤسسات التي استفادت أو تكيفت مع القوانين الجديدة هذه، فقد بلغ عدد العاملين في شركات تصدير التمور وحدها ما يقارب (٢٥) ألفاً، وعمل كذلك آلاف العمال في المحلات الحرفية التي طرأ عليها تغيير محدود في مجال الاستخدام ولاسيما فيما يخص شيوع العمل الأجير بينها من قبيل محلات الحياكة في بغداد والموصل واستوعبت المشاريع الحكومية آلاف العمال اللذين عملوا لصالحها ومنها مشروع سدة الهندية الذي اكمل عام ١٩١٣م فقد كان يعمل فيه ما يقارب من ٣ آلاف عامل.

ونتيجة لتزايد الطلب الأوربي على تمور العراق، فقد ارتفع سعر جريب (٣٩٦٧م٢) الأرض المزروعة بمائة نخلة فقط بالقرب من بغداد من (٣٠ ليرة) في الثمانينات من القرن التاسع عشر إلى حوالي (٨٠ – ١٠٠) ليرة عثمانية في التسعينات منه.

كما أدت التطورات الاقتصادية الجديدة إلى دخول فئات من خارج الولايات العراقية وبعيدة كل البعد عن مهنة الزراعة حينما فوضت السلطة العثمانية التاجر الممول والصراف اليوناني الشهير في إسطنبول (مايكل ظريف) أراضي زراعية واسعة مساحته (٦٠،٠٠٠) هكتار في بلدروز بديالى عام ١٨٨٠م تسديدا لديونها، ولقد بلغت قيمة الأراضي (٢٥٠) ألف ليرة عثمانية، وهذا يعني ببساطة حاجة الباب العالي الملحة للأموال التي غدت الأراضي الزراعية وسيلة مهمة لضمانها.

أدت التغييرات التي حدثت في البنية الاجتماعية – الاقتصادية للمدن إلى النمو الديمغرافي فيها، كما تحولت قابلية المدينة على استيعاب التغييرات الحضارية المختلفة أكثر من غيرها إلى حافز مغر لجذب أعداد تزايد من الناس وبالتالي زيادة نسبة مسكان المدن، فلقد ازداد عدد سكان البصرة من (١٠) آلاف نسمة في العقد الرابع من القرن التاسع عشر إلى (١٥) ألف في أواسط ذلك القرن، ليقفز إلى الأذهان السؤال التالي: هل عرف المجتمع العراقي مفهوم الطبقة الوسطى، وهل عرفها حقا في حقبة (١٨٦٩ – ١٩١٤م)؟

بالنسبة للمدلول الاجتماعي للطبقة فإن المجتمع العراقي لم تتكامل وتنضج صورته البنيوية بعد، حيث كان وما يزال في مرحلة التكوين وتحت وطأة الظروف الاقتصادية وانعكاساتها التي فرضتها مؤثرات ما بعد عام ١٨٦٩ ، فإن خير من كان يمثل الطبقة الوسطى في المجتمع هي فئة المثقفين (الانتلجسبينا) وأصحاب الحرف والصناعة لكن هؤلاء مستمرين في فقدانهم لتأثيرهم الاجتماعي والاقتصادي، ففئة المثقفين كانت إما مقيدة بأعراف وتقاليد المجتمع الشعبية وثقافة الفئات العليا (المحلة – المحافظة جدا) أو كانت شبه معزولة اجتماعيا على الأقل من ناحية دورها المفترض كنخبة قيادية لذلك ظلت أسيرة دائرتها الضيقة جدا ربما بسبب عدم اعتيادهم على الظروف المحلية السائدة، وصغر السوق المحلية، فإنهم فضلوا ترك عملية البيع المباشر للتجار المحليين اللذين كانوا في معظم الحالات وكلاء (كومبرادور) نظير عمولة قدرها (٣.٥%) من قيمة المستوردات.

وقد ظهرت هذه الفئة نتيجة تراكم رأس المال الوطني بصورة عامة، بسبب الواقع المتخلف للحياة التجارية العراقية – العثمانية، والتي قيدتها معوقات فوقية وتحتية لم تعطها الفرصة، لذا فإن هذا الفراغ الاقتصادي لم تملئه من أجل بناء حركة تجارية استثمارية وطنية واعدة، لذا نرى أن هذا الفراغ لم تملئه سوى الأسواق العالمية والشركات الأجنبية التي سمحت بإعطاء الفرصة للتعاون مع شركات محلية صغيرة، ومع وكلائها (الكومبرادور) الذين تحولوا إلى حلقة وصل بين الأسواق المحلية وأسواق العالم الرأسمالي.

واستطاعت فئة (الكومبرادور) العمل لحسابها الخاص، عن طريق تأسيس الشركات الخاصة للتصدير أولاً، ومن ثم شركات الاستيراد، ففي العقدين الثامن والتاسع من القرن التاسع عشر كانت ست شركات عراقية محلية، مقابل ست شركات أوربية تقوم بتصدير التمور إلى الخارج، أصحابها (إبراهيم المنديل، عبد الله الشبيلي، مراد نوح) وكان هؤلاء في تزايد مستمر.

فهكذا ظهرت بيوت معروفة في المجتمع العراقي مارست مجموعة من النشاط الاقتصادي بعضها بدأ عملها في وقت مبكر نسبيا من القرن التاسع عشر وتطور قسم من تلك الأسر التجارية بفضل نشاطها وتشعب علاقاتها مع الشركات الأجنبية حتى غدت بيوتا تجارية مرموقة ليس في العراق فحسب، بل خارجه أيضا، ففي بغداد فإن من أشهر البيوتات التجارية (الجلبي والشابندر وبيت كبة).

لم تمثل التحولات تلك الفئات العراقية المسلمة فحسب فالأقليات الدينية المسيحية واليهودية لم تكتف بأعمالها التجارية أو (الكومبرادورية) بل تشجعت ونوعت نشاطاتها الاقتصادية بالمتاجرة أيضا بالأراضي الزراعية مما يعد عاملا جديداً أضفى حيوية أكثر فيما يتعلق بالارتباط الاجتماعي لهذه الأقليات ببقية أقسام المجتمع العراقي بعد امتلاك العديد من أفراد الأقلية اليهودية أراض زراعية في ضواحي بغداد والبصرة والحلة مثل (مناحيم دانيال) وأفراد آخرين من أسرته كانوا يملكون قطعا كبيرة من الأراضي الزراعية حول الحلة وفي منطقة الناصرية وعلى الغراف حتى أن قيمة حيازتهم للأراضي وصلت عام ١٩١٠م إلى حوالي (٤٠٠٠٠٠) ليرة عثمانية، ولا ريب أن زيادة أسعار الأسواق المحلية بهذا الشكل مثل تعقيدات اقتصادية كان لها أثراً كبيراً على الحياة المعيشية للمواطنين وخصوصا فقراء المدن والفلاحين المعدمين، وسوف نرى في الحلقة القادمة كيف أن الصحافة العراقية في أواخر العهد العثماني أولت اهتماما واسعا بالجانب الاقتصادي في مجالاتها المختلفة الزراعة والتجارة والملاحة والرسوم والضرائب والغلاء والصناعة والمعادن.

المصادر المعتمدة:

١ – محمد سلمان حسن، التطورات الاقتصادية في العراق للتجارة الخارجية والتطور الاقتصادي، (١٨٦٤ – ١٩٩٨) جزءان، (بيروت،١٩٦٥).

٢ – طارق نافع الحمداني، ملامح سياسية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر، (بيروت١٩٨٩،م).

٣ – جلال الحنفي، الصناعات والحرف البغدادية، (بغداد، ١٩٦٦).

٤ – صلاح عريبي العبيدي، الدور الاقتصادي للبرجوازيين الوطنيين في المشرق العربي حتى ستينات القرن العشرين، أطروحة دكتوراه، كلية التربية (جامعة الموصل).

مقال خاص براسام

Exit mobile version