Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

الرعاية الصحية في العراق في ظل الاحتلال

الباحث: حسين صالح السبعاوي

صنف موقع “نومبيو” ( NUMBEO) الذي يعني بالمستوى المعيشي والصحي لدول العالم يوم ١٤ مايس من عام ٢٠٢٣، العراق في المرتبة الثالثة بأسوأ رعاية صحية بالعالم من أصل ٩٤ دولة مدرجة بالجدول، والأخير على مستوى العالم العربي، وأشار التقرير إلى أن أفضل رعاية صحية في العالم كانت من نصيب تايوان، وجاءت دولة قطر بالمستوى الأول على مستوى العالم العربي .

لم يكن العراق قبل الاحتلال الأمريكي والإيراني له في عام ٢٠٠٣ بهذا المستوى المتردي في الخدمات الصحية، حيث أشار تقرير اليونسيف ومنظمة الصحة العالمية إلى أنه قبل عام ١٩٩٠، كان ٩٧% من سكان الحضر و٧١% من سكان الريف يحصلون على رعاية صحية مجانية، و٢% فقط من أسرّة المستشفيات كانت تدار بشكل خاص.

حقيقة لا غرابة من تصنيف العراق من موقع “نومبيو” كأسوأ دولة تقدم الرعاية الصحية لمواطنيها إذا ما عرفنا حجم الفساد المستشري في العراق ما بعد ٢٠٠٣ وحجم التهديدات الأمنية ضد الكوادر الصحية وسوء إدارة الدولة المبنية على الفساد والمحاصصة الحزبية، وهنا لابد أن نقف على مجمل الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تدهور الرعاية الصحية في العراق:
١- اغتيال الكفاءات العلمية في العراق بعد دخول الاحتلال الأمريكي من قبل عصابات مسلحة إجرامية مدعومة من الخارج، وكانت الحصة الأكبر من هذه الاغتيالات هي من نصيب الأطباء وخاصة ذوي الاختصاصات المهمة والنادرة مثل أطباء القلب والأعصاب والجراحين وآخر عمليات الاغتيال تمت في شهر شباط الماضي حيث تم قتل الدكتور (أحمد المدفعي) في ديالى.

٢- هجرة الأطباء والكفاءات العلمية إلى الخارج بسبب التهديدات وتردي الوضع الأمني والاقتصادي، إذ تشير التقارير إلى وجود أكثر من ٧٠ ألف طبيب عراقي في الخارج هاجروا بعد الاحتلال الأمريكي عام ٢٠٠٣ خوفا على حياتهم من التهديدات أو القتل أو الابتزاز من قبل المليشيات والعصابات الإجرامية.

٣- ظاهرة “الدكة العشائرية” وهي ظاهرة أصبحت منتشرة بشكل مخيف وتستهدف الأطباء أيضا في المستشفيات والعيادات الخاصة إذا ما توفي المريض سواء بسبب سوء حالته الصحية المستعصية أو بسبب التقصير الطبي، وهذا يثبت غياب الدولة وأجهزتها القضائية والأمنية في حماية الأطباء والقضاء على هذه الظواهر السلبية.

٤- الفساد المستشري في وزارة الصحة ودوائرها في المحافظات العراقية بحيث فقدت الدوائر الصحية والمستشفيات البنية التحتية لها من أجهزة وخدمات وأدوية، بحيث المريض يشتري على حسابه الخاص أبسط متطلبات الدخول للمستشفى مثل الضماد، والمغذي، وبقية الأدوية البسيطة إضافة لغياب النظافة والخدمات الإدارية مثل الطعام والشراب وغيرهما، رغم تخصيص مبالغ عالية جدا في الميزانية العامة لوزارة الصحة.

٥- غياب المواكبة العلمية والتطور الحاصل في مجال الطب والأجهزة الطبية، بل على العكس لوحظ أن مستوى طلبة الطب في العراق في تراجع كبير والسبب هو الكليات والجامعات الأهلية التي لا تمتلك الشروط والمواصفات العلمية، بينما كانت دراسة الطب قبل الاحتلال الأمريكي محصورة في الجامعات والكليات المرموقة مثل جامعة بغداد والمستنصرية وجامعة الموصل والبصرة، بينما اليوم يشهد العراق فوضى في فتح الجامعات والكليات الأهلية والتي لا يهمها إلا الكسب المالي بعيدا عن الكفاءة العلمية.

هذا إذا ما عرفنا بأن وزارة الصحة تخصص لها مليارات الدولارات من الميزانية العامة ومع ذلك نشاهد هذا التردي في الخدمات الصحية، لقد ذكر النائب ماجد شنكالي رئيس لجنة الصحة والبيئة في البرلمان العراقي بأن تخصيصات الصحة في الموازنة العامة تبلغ ١٠ ترليون و٧ مليارات دينار، لكن لا غرابة عندما تكون هذه الأموال بأيادي غير أمينة ولا كفؤة حيث ستذهب في مهب الريح وفي جيوب الفاسدين ويبقى التردي في الخدمات الصحية للمواطن هو الأسوأ على مستوى العالم العربي والعالمي.

ومن الجدير بالذكر إننا نتكلم هنا عن تردي الخدمات الصحية في مراكز المدن الكبرى في العراق، أما القرى والأرياف فهي تكاد تكون معدومة تماما سواء على مستوى تواجد المستشفيات والمراكز الصحية أو تواجد الأطباء فيها، أو على مستوى الخدمات الطبية مثل توفر العلاج واللقاحات.

القطاع الخاص في العراق
هناك ظاهرة بدأت تتسع شيئا فشيئا وهي تخلي الحكومة عن الخدمات الصحية المجانية التي يجب عليها أن توفرها للمواطن، وتحويلها إلى القطاع الخاص، فظهرت المستشفيات والعيادات الأهلية وهذه أيضا لا تخلو من الفساد وسوء الخدمات إضافة لتكاليفها الباهظة التي يعجز المواطن عن تسديد أجورها، ومن هذا الفساد ما هو منتشر في نوعية الأدوية المستوردة والتي لا تخضع للرقابة وجهاز السيطرة النوعية، وكذلك كثرة الصيدليات ذات الطابع التجاري، وقد شاهدنا الكثير من الأدوية الفاسدة التي تستوردها هذه الجهات بعيدا عن الرقابة الصحية، فأصبح الأمر تجاريا بحتا بعيدا عن الطب والعلم والاهتمام بصحة الإنسان وأغلب هذه الجهات التي تستورد الأدوية هي مسنودة من جهات متحكمة ونافذة في الدولة سواء عن طريق إدخالهم شركاء أو دفع الرشاوي لهم، وهذا السلوك أدى إلى فقدان المواطن المريض للمعالجة الصحية داخل القطر، وقد يضطر لتلقي العلاج خارج البلاد، وقد أشارت تقارير صادرة عن وزارة الصحة بأن العراقيين يدفعون قرابة ٦ مليون دولار سنويا من أجل العلاج في الخارج بسبب تردي الخدمات الصحية وغياب الكفاءة والمهنية داخل المؤسسات الصحية سواء الحكومية أو في القطاع الخاص.

أما عن آخر أسباب تردي الخدمات الصحية وتراجعها في العراق هو تدمير مستشفيات ومراكز صحية بحجة محاربة الإرهاب، حيث استهدفت المستشفيات بطريقة مباشرة وبالأسلحة الثقيلة ودمرت تدميرا كاملا، وتعد هذه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ومدينة الموصل من أبرز المدن التي دمرت فيها الكثير من المراكز الصحية، حيث دمر أكثر من ٧٥% من المراكز الصحية والمستشفيات وما زالت مدمرة إلى حد الآن رغم مرور أكثر من ٦ سنوات على هذه العمليات، وقد استبدلت هذه المراكز “بكرفانات” لتقديم الخدمات الصحية!

لكل ما تقدم فلا يمكن للعراق أن ينهض على مستوى الخدمات والرعاية الصحية ولن يستطيع أن ينهض في جميع المجالات طالما بقيت هذه الطبقة السياسية الفاسدة على رأس السلطة.

مقال خاص براسام

Exit mobile version