Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

حرية الصحافة في العراق

الباحث: حسين صالح السبعاوي

مرت قبل أيام الذكرى الثلاثين لليوم العالمي للصحافة الذي أعلنت الأمم المتحدة في ١٩٩٣ موافقتها على اعتبار الثالث من مايس اليوم العالمي لحرية الصحافة، بعد توصية منظمة اليونسكو سنة ١٩٩١.
ينص الإعلان على أنه “لا يمكن تحقيق حرية الصحافة إلا من خلال ضمان بيئة إعلامية حرّة ومستقلة وقائمة على التعددية”، وهذا شرط مسبق لضمان أمن الصحافيين أثناء تأدية مهامهم، ولكفالة نزاهة التحقيق في الجرائم ضد حرية الصحافة تحقيقا سريعا ودقيقاً.

هنا أريد أن أسلط الضوء على معاناة العمل الصحفي والإعلامي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي والإيراني للعراق سنة ٢٠٠٣، وعن التقارير التي أصدرتها المنظمات الدولية عن دور وحرية الصحافة في العراق، حيث
أصدرت منظمة مراسلون بلا حدود الصحفية العالمية مؤشراتها لحرية الصحافة في العالم في قائمة تضم ١٨٠ بلدا، احتل العراق فيها المركز ١٦٧، مما جعله في ذيل ترتيب البلدان العربية، بين اليمن ١٦٨ وسوريا ١٧٦.
أما لجنة حماية الصحفيين الدولية (مقرها نيويورك) فقد وضعت العراق بالمرتبة الخامسة على مستوى العالم بعد الصومال وسوريا وجنوب السودان في مؤشر الإفلات من العقاب وفق آخر تصنيف لها سنة ٢٠٢٢ وقالت المنظمة “إن الإفلات من العقاب كان هو السائد عن عمليات القتل غير المشروعة خلال احتجاجات تشرين ٢٠١٩ حيث راح ضحية هذا الإفلات العشرات من الصحفيين”، واتهمت اللجنة السلطات العراقية بالتقاعس في إعلان نتائج التحقيقات التي أجرتها اللجان التي شكلت في تلك الفترة.

أما منظمة العفو الدولية ” أمنستي” فقد نقلت في تقرير لها عام ٢٠٢٢ صورة قاتمة عن خطورة العمل الصحفي وعمل الناشطين في العراق، كما أحصت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة، وهي منظمة عراقية غير حكومية عدد حالات تعرض الصحفيين لاعتداءات وذكرت أن ٣٤٥ إعتداء طال الصحفيين خلال عام ٢٠٢٢ فقط، ووفقا لإحصاءات الجمعية، فإن ٢٠٥ صحفيا تعرضوا للاعتداء بالضرب والمنع من التغطية، بينما تعرض ٦٦ صحفيا للاعتقال، ويصف الصحفي مصطفى ناصر رئيس الجمعية ” أن الارتفاع الذي شهدته الاعتداءات ضد الصحفيين هذا العام كان مخيفاً” وأن جميع محافظات العراق كلها سجلت انتهاكات ضد الصحفيين، وجاءت العاصمة بغداد في المرتبة الأولى.

من جانبها أكدت نقابة الصحفيين العراقيين أنها سجلت منذ الغزو الأمريكي عام ٢٠٠٣ وحتى بداية عام ٢٠٢٣ مقتل ٤٩٥ صحفيا كانوا يعملون في مؤسسات إعلامية مختلفة.

ولمعرفة الأسباب الحقيقية وراء استهداف الصحفيين من قبل السلطة أو من قبل المليشيات لا بد من وجود مقارنة بين ما تريده السلطة من الصحفي، وما يلزم على الصحفي العمل به:
١- تريد السلطة في العراق من الصحفي أن يبلغ الشعب ما تريد فعله، بينما العمل الصحفي يلزمه أن يقول للسلطة ما يريده الشعب.
٢- تريد السلطة من الصحفي أن يسكت عن عمليات الفساد والنهب المستمر للمال العام، بينما طبيعة العمل الصحفي توجب عليه كشف هؤلاء اللصوص وإعلام الشعب عنهم.
٣- تريد السلطة من الصحفي أن يكون تابعاً لها، بينما الصحفي تابع لمهنته وبكل حيادية، ويكون انتماؤه الأخير لبلده وليس للحكومة.
٤- النظام في العراق هو نظام ثيوقراطي مقنن وهذا النوع من الأنظمة يعتبر نفسه مقدسا وغير قابل للنقد، بينما الصحفي يقدس مهنته، والجميع عنده معرض للمتابعة والنقد إذا أخطأ.

أمام هذه المقارنة البسيطة يتبين لنا حجم الخلاف بين السلطة في العراق وبين الصحافة، فكانت النتيجة أن الصحفي في العراق يسير في طريق ملغوم ومليء بالمخاطر وهو يعاني أكثر من جميع فئات الشعب، لأن مهمته وما يمليه عليه الواجب الصحفي الذي يلزمه على عدم السكوت أمام الفساد والانتهاكات التي يتعرض لها الشعب من قبل السلطة وميليشياتها.

السلطة تصنع صحافة تابعة لها
بعدما قمعت السلطات الصحفيين وأصبحوا بين مهجرين ومعتقلين ومنهم من تم تصفيته على يد ميليشياتها، بدأت السلطات والأحزاب الحاكمة بصناعة صحافة كارتونية تابعة لها تقول للشعب كل ما تريده السلطة، وتسكت عن فسادها بل أحيانا تبرر هذا الفساد، وتسكت على قتل زملائهم وتبرر سفك هذه الدماء، وهذا النوع من الصحافة لا تمت للعمل الصحفي بشيء، بل هؤلاء هي ذراع إعلامية لمنظومة الفساد القائمة، وهي شريكة مع السلطة في الفساد وكل ما يحدث من جرائم بحق الشعب، وكما هو معلوم فإن القلم المأجور أشبه بالبندقية التي تعمل عكس الإتجاه.

إن حرية العمل الصحفي تكاد تكون معدومة داخل العراق، ولا يستطيع أي صحفي أن يكتب تقريرا مهنيا عن الوضع الأمني والاقتصادي في العراق ويشخص الأسباب الحقيقية لهذا التدهور لأنه سوف يعرّض حياته للخطر وقد يصل التهديد إلى تصفية حتى أسرته، أما وسائل الإعلام والقنوات الفضائية فلا تستطيع أن تبث أي تقرير أو تنشر أي شيء يمس الأحزاب الحاكمة والمليشيات، وقد شاهدنا كيف يقومون بحرق القنوات الفضائية أمام أعين الجهات الأمنية دون أن تحرك ساكناً بسبب نشرها خبرا أو تقريرا عن الفساد أو تذكر أحد رؤوس الفساد بما لا يرضاه.

مقال خاص براسام

Exit mobile version