Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

سانت ليغو أهون المصائب في العراق

الباحث: حسين صالح السبعاوي

صوّت البرلمان العراقي في جلسته الـ ٣٣ المنعقدة بتاريخ ٤ آذار ٢٠٢٣ على اعتماد قانون سانت ليغو ١،٧ المعدل في الانتخابات القادمة لمجلس النواب ومجالس المحافظات المزمع إجراؤها نهاية العام الحالي، وهذا القانون المعدل يجعل عملية توزيع المقاعد على القواسم التالية: (١.٤، ٣، ٥، ٧، ٩….) تحسب على عدد مقاعد المنطقة الانتخابية.

إن هذا القانون لا يخدم القوى السياسية الناشئة ولا يمنحها فرصة الفوز ولا يعطي المستقلين أيضا فرصة للفوز لأنه اعتبر المحافظة دائرة انتخابية واحدة على خلاف القانون الانتخابي السابق الذي قسم المحافظة على عدة دوائر انتخابية ولكل دائرة مقعدين وسيكون الفائزين بأعلى الأصوات داخل الدائرة الانتخابية هما الفائزين بمقاعدي البرلمان بغض النظر عن القاسم الانتخابي الذي اعتمده قانون سانت ليغو، ولأن الأحزاب الناشئة عادةً ما يكون انتشارها محدود داخل الدائرة الانتخابية على خلاف الكتل والأحزاب السياسية الكبيرة ذات الانتشار الواسع سواء على مستوى المحافظة أو على مستوى القطر بكامله، فإن القانون الحالي يضمن فوزها بسهولة من خلال جمع جميع الأصوات في المحافظة ثم تقسيمها وفق القانون الانتخابي الحالي.

والحقيقة هنا لا أريد التركيز على عملية الرياضيات وحساب الأصوات للمقاعد البرلمانية، وإنما أريد التركيز على مآلات هذا القانون على الانتخابات القادمة وعلى الضجة التي أثيرت حول القانون، إذ أن مثل هذا القانون يصلح للدول الديمقراطية المستقرة ولها مؤسسات ديمقراطية فاعلة ويتنافس حزبان أو ثلاثة في الانتخابات ثم يكون الفائز صاحب حق تشكيل الحكومة، والخاسر يمارس دور المعارضة السياسية من داخل البرلمان، أما في العراق فلا يمكن أن يصلح هذا القانون على الأقل في الوقت القريب والمتوسط، لأنه ليس دولة مستقرة ولا تعتمد على البرامج السياسية للأحزاب المتنافسة في الانتخابات بل تعتمد على المحاصصة الطائفية، من جهة أخرى يعتبر الشعب العراقي أن هذه الأحزاب القابضة على السلطة هي المشكلة وهي السبب فيما وصل إليه العراق من مآسي على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي، إذاً تشريعها لهذا القانون ما هو إلا لضمان بقائها في السلطة وليس العكس.

وهنا أريد أن أتساءل هل أن مشكلة العراق اختصرت بهذا القانون المثير للجدل، أم أن المشكلة أكبر من قانون الإنتخابات برمته سواء كان دوائر انتخابية متعددة أم دائرة انتخابية واحدة؟ وهل هذا القانون أصل المشكلة أم فرع منها؟

وللإجابة على مثل هذه التساؤلات لابد من العودة إلى أصل العملية السياسية التي تأسست بعد سنة ٢٠٠٣ والتي اعتمدت على الطائفية بدل المواطنة، وعلى الحزبية بدل الكفاءة، فأيهما أخطر وأكبر مصيبة على الشعب العراقي عملية سياسية فاسدة، أم قانون انتخابات مختلف عليه لهذه العملية السياسية؟!
ثم أيهما أهم قانون “سانت ليغو” المعدل، أم أصل الانتخابات المخالفة للدستور ولجميع القوانين والأعراف السياسية؟

تنص الفقرة “أولاً” من المادة التاسعة من الدستور العراقي على: ” تتكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعى توازنها وتماثلها دون تمييز أو إقصاء وتخضع لقيادة السلطة المدنية وتدافع عن العراق ولا تكون أداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة”.
يحظر تشكيل المليشيات المسلحة خارج إطار القوات المسلحة، ولا يجوز للقوات المسلحة بجميع أفرادها الترشح في الانتخابات، ولا يجوز لهم القيام بحملات انتخابية لصالح مرشحين فيها، فكيف لمرشح مدني ينافس مرشح مسلح؟ وكيف لحزب مدني ينافس مليشيات تقتل على الاسم والهوية؟ ثم كيف يكون شكل الدولة التي تتحكم فيها المليشيات الطائفية؟

إذا كان قانون ” سانت ليغو ” سيئا، فالأسوء هو أن تنافس أحزاب مسلحة ومليشيات طائفية في الانتخابات، وإذا كان الوقوف بوجه قانون سانت ليغو مهما، فالأهم هو معالجة العملية السياسية الفاسدة التي سمحت لهذه الأحزاب بتشكيل مليشيات مسلحة تتحكم في الانتخابات ونتائجها، ثم ما قيمة انتخابات مبنية على الفساد والتزوير والمال السياسي الفاسد، ثم ما قيمة عملية انتخابية لا يسمح للفائز فيها بتشكيل حكومة ولا يحترم فيها نتائج الانتخابات؟

وما الإنتخابات الماضية في تشرين ٢٠٢١ إلا نموذجا لعدم تمكن القوى الفائزة فيها على تشكيل الحكومة.
إن الاهتمام بالمهم وترك الأهم في الشأن السياسي هو جناية على الشعب تتحمله الأجيال القادمة لما له من ضرر يمتد لعشرات السنين على المجتمع.

إن الحل الحقيقي للوضع السياسي الحالي في العراق هو بناء عملية سياسية جديدة تعتمد على برامج وطنية بعيداً عن الطائفية والمناطقية، بمعنى تعتمد على الكفاءة وعلى المواطنة، تحفظ المال العام، وتجعل من القرار العراقي قرارا مستقلا يحفظ سيادة البلاد من أي إعتداء خارجي، وإذا كان هذا الخيار صعب المنال في الوقت الحاضر، فلا بد من مقاطعة جماعية عامة للانتخابات التي يتنافس عليها مجموعة من الفاسدين لا يهمهم سوى مصالحهم الشخصية ومصالح القوى الخارجية التي مكنتهم من الحكم.

مقال خاص براسام

Exit mobile version