Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

الى الجيش العراقي الوطني في عيده الأغر الثاني بعد المائة:

    أضاعٌوني وأي فتىً أضاعوا
    ليومِ كريهةً وسدادِ ثغرِ

تمر علينا في هذا اليوم المبارك ذكرى تأسيس الجيش العراقي الباسل في عيده “الثاني بعد المائة”، بعد أن سطر هذا الجيش العظيم منذ تأسيسه في السادس من كانون الثاني عام 1921 والى عام 2003، أروع الملاحم البطولية التي نالت أعجاب وتقدير العدو والصديق، لقد كتب هذا الجيش سفراً خالداً مليئاً بالتضحية والفداء دفاعاً عن العراق وعن قضايا الأمة العربية والاسلامية وخاصةً قضية العرب المركزية فلسطين، بعد أن شكل هذا الجيش العظيم رقماً صعباً في معادلة الصراع العربي-الإسرائيلي، مما مكنه من كسب ود واحترام ومحبة الشعب العربي والاسلامي لمواقفه التاريخية وبطولتها التي كانت واضحة وناصعة على المستوى المحلي والعربي.

لقد سطر الجيش العراقي الباسل في تاريخه الطويل سجلاً مفعماً بالبطولات والتضحيات والانتصارات، وكتب ملاحم تاريخية عظيمة من خلال مشاركته في حماية الوطن من المؤامرات الخارجية والمساهمة في بناء العراق الحديث وحمايته من الاخطار الخارجية التي تهدد أمنه واستقراره، كما أثبت بكل جدارة بأن سوراً للوطن، وأنه السياج المتين، والدرع الحصين للذود عن العراق أرضه وسمائه ومياهه وشعبه، كما أثبت من خلال مشاركته في الحروب العربية ضد الكيان الصهيوني كدولة مواجهة وليس كدولة ساندة لدول الطوق بأنه نداً عنيداً وصعباً لا يمكن تجاوزه، فقد شارك هذا العملاق في حرب عام1948على الجبهة الفلسطينية والاردنية والسورية، كما شارك في حرب عام1967على الجبهة الاردنية والسورية، بالأضافة الى مشاركته الكبيرة في حرب أكتوبر عام 1973على الجبهة السورية والمصرية، بعد أن نفذ مناورة سوقية لا تزال تدرس في الكليات والمعاهد العسكرية وتذكرها الاجيال وتتناقلها جيل بعد جيل، وذلك عندما تنقلت الدبابات والمدرعات العراقية على السرف من العمق العراقي الى عمق الجبهة السورية، لتدخل من الحركة في معركة ضارية أجبرت القائد الصهيوني على وقف تقدمه نحو العاصمة “دمشق”، وتحويل قواته المهاجمة الى الدفاع، بعد أن أخطات القيادة الإسرائيلية في حساباتها تجاه قدرات وإمكانيات الجيش العراقي، وعقيـــــدته القتالية بإبعادها السوقية والاستراتيجية والعملياتية والتعبوية، وفن استخدامها لمنظومات الأسلحة البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي بشكل علمي ومتكامل وحديث ومتطور، نال إعجاب العالم، حيث أشتبك “اللواء المدرع أبن الوليد” في معركة دبابات مع الجيش الصهيوني قل نظريها، مما أجبرها على الانسحاب، الأمر الذي أدخل الجيش العراقي في دائرة الاستهداف السياسي والعسكري بسبب مواقفه البطولية.

لقد عملت الدوائر الأمريكية-الصهيونية على أستهداف الجيش العراقي بسبب مواقفه من قضايا الأمة العربية والاسلامية، فعملت على توريطه في حرب الثمان سنوات مع إيران الشر، لاستنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية لاضعافه وتدميره، ففي عام 1980 بدأ الرد العراقي على التجاوزات الإيرانية على المناطق الحدودية، وبدأت المنازلة التاريخية مع العدو الفارسي الحاقد الذي يريد تصدير الثورة الخمينية الصفراء الى دول الجوار بدأ من العراق، ورفع شعارات تقول بأن طريق القدس يمر ببغداد، ليصطدم المشروع الفارسي حراس البوابة الشرقية وسورها المتين الجيش العراقي الباسل الذي سطر أروع الملاحم والبطولات في الذود عن حياض الوطن وترابه الغالي وشعبه الأبي، و ليوقف الريح الصفراء على الرغم من شدة المواجهة، واختلال موازين القوى البشرية والعسكرية والاقتصادية، على الرغم من التفوق الإيراني الذي يقدر بثلاثة أضعاف القدرات العراقية على كافة المستويات، ولكن أرادة العراقيين وصمودهم الأسطوري غير الموازين وقلبها راساً على عقب بعد أن تناخى أبناء الرافدين الغيارى وقدموا الغالي والنفيس للدفاع عن العرض والأرض.

لقد سطر الجيش العراقي في هذه المنازلة بجميع صنوفه البرية، والجوية، والبحرية، والدفاع الجوي، والإدارية، أروع الملاحم والبطولات، من خلال الاندفاع الى عمق الأراضي الإيرانية والسيطرة على مدن كبيرة كالمحمرة، وديز فول، وعبادان، والخفاجية، وغيرها من المدن الأخرى، كما فرضت القوة الجوية العراقية تفوقها الجوي على ساحة المعركة منذ الايام الأولى للحرب، كما وقفت قواتنا البحرية شامخةً أمام الهجمات الإيرانية ومنعتها من الوصول الى السواحل البحرية العراقية، واستمرت الحرب لمدة ثماني سنوات على الرغم من موافقة العراق على جميع الوساطات لوقف الحرب ولكن تعنت الجانب الإيراني حال دون ذلك، مما جعل القيادة العسكرية تعمل على كسر إرادة الجيش الإيراني على القتال وإجباره على الاستسلام وقد نجحت القيادة في ذلك، من خلال استعادة مدينة الفاو مدينة الفداء وبوابة النصر العظيم، حيث تهاوت بعدها دفاعات القوات الإيرانية على الرغم من الدعم الصهيوني-الأمريكي لهذا الجيش وفضيحة “إيران-كيت”، هي دليل على هذا التآمر الكبير، لاستنزاف القدرات العسكرية العراقية من خلال إطالة أمد الحرب التي أطلق عليها العراق القادسية الثانية، بينما تمت تسميتها عالمياً “بحرب الخليج الأولى، ومع هذا فقد حقق الجيش العراقي نصراً كبيراً جعل منها القوة الأولى في المنطقة مما زاد من إمكانية استهدافه.

إن دخول العراق الى الكويت عام 1990 كانت بمثابة الفرصة التي استغلها أعداء العراق للنيل من جيشه وقدراته العسكرية، بعد أن بلغت قواته العسكرية أكثر من مليون مقاتل موزعين على سبعة فيالق تنتشر من شمال العراق الى جنوبه، بالإضافة الى فيلق خاص، تسانده القوات الضاربة للحرس الجمهوري رجال المهمات الصعبة، حيث كان هذا الجيش فوق الميول والاتجاهات السياسية، وكان حرفياً، ومهنياً، يعمل بعقيدة عسكرية صحيحة وواضحة وفق السياقات العسكرية العالمية،وكان يشار لمؤسساتها وكوادره التدريبية والاكاديمية والقتالية بالبنان، الأمر الذي أغاض الكثير من القوى في المنطقة و تآمرت على الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية والتي أطلق عليها “أم المعارك” عام1991 ليتم تدمير الكثير من القدرات العسكرية العراقية التي أثرت بشكل كبير على أدائه القتالي، خصوصاً وأن قواته عانت حصاراً قاسياً أثر على تسليح وتجهيز وتطوير الجيش العراقي، الذي بدى بحاجة ماسة بعد هذه الحرب للمعدات والتقنيات التكنولوجية المتطورة والأسلحة الحديثة، الأمر الذي أدى الى انخفاض قدراته القتالية بشكل كبير، وخاصة القدرات الجوية والدفاع الجوي، ومع هذا فقد استطاع النهوض مرة أخرى لبناء قواته العسكرية بعد عام 1997 ليتفاجأ بأن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تعد العدة لاحتلال العراق عام 2003.

إن قرار حل الجيش العراقي الذي أتخذه الحاكم الأمريكي “بول برايمر” عام2003 لم يكن خطأ كما يروجون بل كان مخططاً له بدقة في الدوائر الاستخبارية الأمريكية-الصهيونية، وقد جاء تنفيذاً لنظرية الأمن الإسرائيلي التي تقوم على أخراج العراق من موازين القوى الإقليمية وتدمير قواته العسكرية التي طالما شكلت الحجر الأساس في القوى العربية الصلبة لمواجهة التمدد الإسرائيلي- الإيراني في المنطقة، والذي شكل طوال الفترة الماضية حجر عثرة أمام المخططات التوسعية الأمريكية لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير، وكذلك أمام الأطماع الفارسية التي باتت تسيطر على أربعة عواصم عربية، ولهذا قررت الدول المحتلة حل الجيش العراقي وجميع مؤسساته التدريبية والاكاديمية والإدارية والقتالية، لأنهم يعرفون جيداً بأن هذا الجيش لن يسمح ببقاء قواتهم في العراق، كما أنه لا بد من التخلص من هذا الجيش الذي قض مضاجع الصهاينة والإيرانيين والامريكان معاً، ولا بد من التخلص من قيادته ومنتسبيه وتسريحهم لتحل مكانهم قيادات وقوات عسكرية مفصلة على المقياس الأمريكي- الصهيوني- الإيراني، وهذا يفسر لنا السبب الرئيس لانهيار الجيش العراقي في مدينة الموصل حيث هربت ثلاثة فرق عسكرية أمام مئات من تنظيم الدولة، على الرغم من الانفاق الكبير على الجيش بعد عام2003، الذي فشل في حماية العراق وحوله الى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، ومرتعاً للميليشيات المسلحة التابعة التي تحولت الى قوات تابعة للحرس الثوري الإيراني.

إن بناء قوات عسكرية جديدة بعد عام2003 جعلها تخضع للمحاصصة الطائفية التي جاء بها المحتل الذي أرد تشكيل قوات عسكرية ضعيفة غير قادرة على الدفاع عن نفسها، بعد أن فرض عليها الكثير من القيود التي حالت دون تشكيل قوات قوية ورصينة كسابق عهدها، مما أدى الى بناء مؤسسة عسكرية طائفية كانت نواتها الاساسية هي دمج الميليشيات المسلحة التابعة لمرجعيات دينية وسياسية، لتكون كنواة للأجهزة الأمنية والعسكرية، مما جعلها هذه المؤسسة تتحول لميليشيا كبيرة تعمل بغطاء حكومي، ولكنها تنفذ أجندة طائفية وخارجية، علماً بأن هذه القوات غير صينة وتفتقر الى العقيدة العسكرية الصحية، بحيث تحول ولاء هذه المؤسسة العريقة الى الحزب والطائفة، كما أنها تعاني من الفساد المالي والأداري، ناهيك عن ارتكابها الكثير من الجرائم بحق الشعب العراقي، في الحويجة، والفلوجة، والرمادي، وديالى، وموصل، وصلاح الدين، بحيث فقد الشعب العراقي ثقته بهذه القوات الحكومية، وما جرى في ناحية الصقلاوية بمدينة الفلوجة من تغييب وقتل للأبرياء هو خير دليل على ما نقول، وكذلك ما حصل في الرمادي وصلاح الدين وديالى وخاصة في قرية الهواشة التي وقفت القوات العسكرية والأمنية عاجزة عن حماية المواطنين والدوائر الحكومية فيها والتي حرقت على يد الميليشيات الطائفية، كما إن ضعف المؤسسة العراقية الحالية فتح الباب واسعاً أمام التدخل الخارجي وخاصة الإيراني، ناهيك عن التدخل الأمريكي من خلال التحالف الدولي الذي يضم أكثر من(67) دولة، بالأضافة الى تواجد قوات حزب العمال الكردستاني على الأراضي العراقية، مما يكشف بصورة واضحة وجلية عدم قدرة الجيش العراقي على حماية العراق من الأخطار الخارجية، بالأضافة لفشله في فرض الأمن والاستقرار وهيبة الدولة وسيادة القانون في الداخل العراقي.

لقد أثبت الجيش العراقي بأنه جيش الشعب وجيش الأمة الذي ناضل طوال مسيرته التاريخية منذ عام 1921 والى عام 2003 ليكون سوراً حقيقاً للوطن، كما أثبتت مواقفه الوطنية والقومية بأنه صاحب المهمات الصعبة، الذي كان له الشرف العظيم في تحطيم أسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر، وكان سيفاً حاداً لم تثلمه الملمات في الوقوف بوجه الريح الصفراء القادمة من الشرق، كما أثبت بأنه جزأً لا يتجزأً من الشعب العراقي الأصيل بجميع مكوناته الأصلية، وقد جربه الأعداء في سوح الوغى، وكان فعلاً صانع الملاحم والبطولات، وصاحب الانتصارات والسفر العظيم، والمواقف الجبارة، والعزيمة الصلبة التي لا تلين، والذي كتب بدماء شهدائه أروع الأمثلة في التضحية والفداء، وكتب صفحات مشرقة من العز والكرامة والسؤدد في الذود عن حياض العراق وشرف الأمة العربية والاسلامية، لقد كان وسيبقى هذا الجيش مفخرة لكل العراقيين والعرب، وستبقى الأجيال تذكر بطولات هذا الجيش الوطني بكل فخر واعتزاز، كما نستذكر المآثر التي سطرها هذا الجيش العظيم في “جنين”، و”الخليل”، و”نابلس”، و “كفر ناسج”، و”تل عنتر”، و”جبل الشيخ” ، و”صحراء سيناء”، والجولان، دفاعاً عن قضيتهم القومية وعن أرضهم وعرضهم ودينهم بعد أن كتب بالدم المأثر البطولية الواحدة بعد الأخرى وأثبت بحق أنه سوراً للوطن.

تحية لكل شهداء الجيش العراقي الباسل.

تحية لكل شهداء العراق والأمة العربية والاسلامية!

تحية لكل قيادات الجيش العراقي منذ تأسيسه!

تحية لكافة منتسبي الجيش العراقي الباسل ضباطاً ومراتب !

وأخيراً نقول ..سلام عليك أيها العملاق في عيدك الأغر .

تحية إجلال وإكبار لك أيها العملاق في ذكرى ميلادك الميمون الثاني بعد المائة.

فأنت محل تقدر واحترام واعتزاز لدى كل العراقيين الشرفاء وأبناء الأمة العربية والاسلامية

Exit mobile version