Site icon مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

قانون التجنيد الإلزامي: الدوافع والعقبات (2-2)

لاشك بأن هذا القانون سيفتح باباً خطيراً للفساد المالي والإداري الذي تعاني منه جميع مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية لعدم وجود إجراءات ومحاسبات رادعة، خصوصاً وإن خزينة الدولة فيها فائض مالي كبير مما قد يفتح باباً إضافياً للفساد المالي، كما إن هذا القانون يشرع دفع البدل النقدي مقابل الإعفاء من خدمة العلم على الرغم من عدم تحديد المبلغ اللازم لذلك، وهذا سيؤدي الى غياب العدالة والمساواة بين أبناء الشعب العراقي، كما أنه سيزيد من الفوارق الاجتماعية والطبقية بين أبناء الشعب، كما أنه سيؤدي الى فتح باب الرشى مقابل عدم الانتظام بالدوام الرسمي، وهنا أود أن أذكر بما قاله رئيس الوزراء “حيدر العبادي” عندما تم تدقيق أربعة فرق عسكرية وجد فيها(50)ألف فضائي، كما كشف عضو تحالف الفتح “مختار الموسوي” في 24 كانون الثاني عام 2022، عن “وجود عدداً من الفضائيين في الجيش العراقي” وأضاف “أن الفساد أستشرى في جميع مؤسسات الحكومية بما فيها المؤسسة العسكرية” لذا فيجب الاهتمام بتنمية القدرات العسكرية ومعالجة ملف الفساد بدل زيادته من خلال تشريع هذا القانون لأننا عندما نكون أمام نفس المعطيات لا يمكن لنا أن نتوقع أن تكون هناك نتائج مغايرة.

يضاف الى ما ذكر أعلاه إن المؤسسة العسكرية والأمنية لا تعاني من نقص في الأعداد البشرية بل على العكس يوجد ترهل كبير في الأعداد البشرية خصوصاً وإن القوات الأمنية وصلت أعدادها الى أكثر من مليون (200) ألف منتسب بين ضابط وجندي ومتعاقد، فلماذا لا يعاد التوازن في دوائر ومؤسسات الدولة الأ من خلال دعوة الشباب للتجنيد الإلزامي؟، علماً بأنه لا توجد هناك تهديدات خارجية مباشرة للأمن القومي العراقي تستدعي اللجوء لمثل هذا القانون الجدلي، كما إن فشل الطبقة السياسية في بناء دولة وطنية بعيداً عن الطائفية والمحاصصة في تقاسم المناصب هو الذي جعل المؤسسة الأمنية ضعيفة وغير قادرة على مواجهة التحديات، لعدم وجود عقيدة عسكرية صحيحة.

إن الجيوش الحديثة اليوم لا تقاس بالكم، وإنما بنوع هذه القوات، وما تمتلك من قدرات عسكرية، ونارية، وتسليحية، وتكنولوجية نوعية ومتطورة، تجعل منها قوات مهنية وحرفية، لذا فنحن بحاجة الى عقيدة عسكرية صحيحة ورصينة، ومؤسسات تدريبية راقية، وامتلاك مستلزمات الحرب الحديثة من طائرات مقاتلة بمختلف أنواعها، ومنظومة صاروخية متقدمة، ومنظمة دفاع جوي متطورة، وامتلاك معدات المراقبة والاستطلاع الإلكتروني، بما فيها معدات الحرب السبرانية، والأقمار الأصطناعية التي تؤمن التصاوير الجوية والمعلومات الاستخبارية التي تدخل في وضع الخطط لمواجهة التهديدات المحتملة، وهذا كله يحتاج الى قوات نوعية وليس زيادة القوة البشرية التي تفتقر الى التدريب والتسليح كما حصل في قوات الحشد الشعبي التي تشكل اليوم عبئ كبير على المؤسسة الأمنية والعسكرية والسياسية، فماذا سيقدم شباب عاطلون عن العمل للقوات المسلحة وتطويرها؟.

إن صرف هذه المبالغ المالية الطائلة لغرض تنفيذ قانون خدمة العلم يجعلنا نسأل: ماذا لو صرفت الحكومة هذه المبالغ على إعادة وبناء وتشغيل وتحديث المصانع الحكومية التابعة للدولة والتي تعاني من إشكالات أدت الى تعطيها وتوقفها عن العمل؟، بالاضافة الى قيام الدولة بإنشاء مصانع ومشاريع زراعية وصناعية وتقنية جديدة لاستيعاب الشباب العاطل بدلاً من عسكرته بهذه الطريقة المجه، ولكن بنفس الوقت نقول بأن الجميع يعرف بأن الحكومة لا تمتلك قرارها السياسي والأقتصادي، فهي غير قادرة على ذلك بسبب التدخلات الخارجية التي تمنع تصليح وإعادة تشغيل هذه المصانع، أو فتح مشاريع تضر بالوضع الاقتصادي لإيران، خصوصاً وأنها وقفت بالضد من الانفتاح العربي وخاصة السعودي على توريد الغاز والكهرباء للعراق بأسعار أقل مما تورده إيران بكثير ولكنها فشلت في ذلك بسبب الخط الاحمر الذي تضعه إيران وميليشياتها المسلحة في العراق، فالمعالجة لا تكون بعسكرة المجتمع العراقي ودفعه للتجنيد الاجباري بل بإيجاد فرص عمل جديدة واستيعاب الشباب العاطل وتوفير الخدمات للمجتمع.

إن هذا القانون سيواجه بمعوقات وعقبات كثيرة ومنها: إنه يطرح في ظروف غير ملائمة بسبب الانقسام والتنافس السياسي والصراع على النفوذ والمصالح، كما أنه يأتي في ظل وجود دولة موازية لمؤسسات الدولة يقودها الحشد الولائي التابع لإيران، كما أنه يأتي وسط انفلات أمني يقوض الأمن والأستقرار بسبب السلاح المنفلت وعدم قدرة الدولة على حصر هذا السلاح الذي بات يشكل تهديداً أمنياً خطيراً على السلم الأهلي والمجتمعي، علماً بأن هذا السلاح مدعوم بغطاء سياسي، كما إن هذا القانون يسوق في ظل تدخلات خارجية خطيرة تمس بالأمن القومي والمصالح العليا للبلاد، وهنا نسأل ماذا يقدم الشباب الذين يساقون لخدمة العلم لحل هذه الاشكالات؟، فالحكومة عاجزة عن أستعادة سيادة الدولة وفرض هيبة القانون، الأمر الذي يجعل من قضية دفع الشباب للتجنيد الإلزامي عمل عبثي لن يعود على الدولة الأ بالمزيد من المشاكل التي تشمل الهروب، والتخلف، والرشوة، والمحسوبية، وعدم المساواة، ناهيك عن عودة الشباب للبطالة مرة أخرى بعد أنتهاء خدمتهم أي إن الحل وقتي للخروج من الأزمة.

إن تشريع وإقرار هذا القانون ستكون له عقبات وتداعيات داخلية كبيرة لأن هناك أسئلة كثيرة يجب الإجابة عنها: فمثلاً كيف سيطبق القانون على إقليم كردستان؟، والقائد العام للقوات المسلحة غير قادر على تحريك جندي واحد في كردستان العراق؟، وكيف سيطبق القانون على ميليشيات الحشد الشعبي التي ترفض غالبيتها بأن تكون ضمن كيان الدولة العراقية؟، خصوصاً وإن الكثير منها يصرح بأنه يدين بالولاء للولي الفقيه في إيران، والقسم الأخر يعمل خارج نطاق الدولة، أو كيف سيطبق هذا القانون على مزدوجي الجنسية؟، فهل سيطبق هذا القانون على مكون دون آخر كما طبقت المادة أربعة إرهاب والتي تعرف بأربعة سنة من قانون مكافحة الارهاب؟، أم أنه سيطبق على الفقراء فقط خصوصاً وإن الأغنياء قادرين على دفع البدل النقدي بما فيهم أولاد المسؤولين من الطبقة السياسية الحاكمة؟، أم إن هذا القانون سيراعي مطالب الميليشيات التي لديها شروط ويجب تنفيذها لتسمح بتمرير هذا القانون؟!، علماً بأن الدولة تمتلك أعداد كبيرة تصل الى أكثر من مليون منتسب ولكنها عاجزة عن مواجهة تغول هذه الميليشيات، وعاجزة عن تطبيق القانون على الجميع، فكيف لها أن تلزم الشباب بتنفيذ هذا القانون؟، الأمر الذي يزيد من تعقيدات تنفيذ هذا القانون على جميع المكونات الحكومية.

يقول رئيس مجلس النواب في تغريدة له قائلاً: ” إن الخدمة الالزامية يضمن اعداد جيل من الشباب اكثر قدرة على مواجهة مصاعب الحياة، ملم بالحقوق والواجبات، ومتحفز لحفظ الدولة وسيادتها، ويسهم في تعزيز منظومة القيم والاخلاق والانضباط والالتزام بالهوية الوطنية”، ونحن نقول لك يا رئيس البرلمان يجب عليك العمل لأنهاء المحاصصة الطائفية، وحصر السلاح بيد الدولة، واستعادة السيادة، وفرض هيبة الدولة، وتطبيق القانون على الجميع، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس صحيحة بما فيها المؤسسة العسكرية والأمنية وتحديثها وتطويرها لجعلها مؤسسة وطنية مهنية وحرفية رصينة وفق عقيدة راسخة وأسس حديثة، كما إن إزالة الفوارق الطبقية بين المكونات، ومنع التدخلات الخارجية، وإخراج الجماعات المسلحة والجيوش الأجنبية من البلاد بما فيه التدخل الإيراني السافر، وتوفير الخدمات، وإيجاد فرص العمل، وتطبيق العدالة، ورفع مستوى التعليم، وتقديم الخدمات الصحية، ونزع سلاح الميليشيات التي تعمل خارج أطار الدولة، وخروجها من المناطق السنية، ومعرفة مصير المغيبين، وتنفيذ مطالب المتظاهرين، وتقديم القتلة للقضاء الذي يجب أن يكون فوق الميول والاتجاهات السياسية ومعالجة ملف الفساد المالي والأداري، ونبذ التعصب والطائفية، والولاء للخارج، وللمرجعيات الدينية، جميع هذه النقاط هي التي ترسخ الوطنية يا رئيس البرلمان!، لأن هذا النقاط هي التي تزيد من مصاعب الحياة على الشباب، بعد أن دمرت الطبقة السياسية مقومات الدولة العراقية ونهبت خيراتها، لذا فالوطنية لا ترسخها الكلمات، ولا يرسخها تمرير قانون الخدمة الإلزامي.

وأخيراً نقول: إن هذا القانون الذي أثار جدلاً واسعاً بين شرائح المجتمع العراقي، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وبين الأحزاب والكتل السياسية، وسيواجه برفض شعبي كبير، لأن لابد للحكومة والبرلمان أن تقنع الشباب العاطل عن العمل و المنتفض على الطبقة السياسية الحاكمة بأن هذا القانون سيحل مشاكلهم، ويغير مستقبلهم، علماً بأن الحكومة والطبقة السياسية عجزت عن أقناع الشعب في المشاركة بالانتخابات النيابية، وعجزت عن أقناعهم جمهورهم بعدم الخروج عليها فخسرت الحاضنة الاجتماعية، و عجزت عن أقناع الجماهير بمشروعها السياسي، فكيف لها أن تقنعه بقانون الخدمة الإلزامي!، وقبل أن تطلبوا من الشعب ومن الشباب القيام بواجباتهم عليكم أن تقوموا بواجبكم يا رئيس البرلمان تجاه شعبكم وبلدكم، وعليكم أن لا تصبحوا تابعين وعملاء لدول أخرى، وإن تمتلكوا قراركم السياسي والأمني والاقتصادي بعيداً عن التدخلات الخارجية والوصاية الدولية والإقليمية؟، وأن توقفوا السرقات لأموال الشعب، وأن توفروا الخدمات وفرص العمل و….. ثم بعد ذلك تكلموا عن قانون الخدمة الإلزامي الذي أعتبره مهم ولكن ليس الآن ففاقد الشيء لا يعطيه.

 

Exit mobile version